مظاهرات سورية خرجت للمطالبة بدولة علمانية تضمن حقوق المواطنين كافة - رويترز
مظاهرات سورية خرجت للمطالبة بدولة علمانية لا دينية - رويترز

تظهر التصريحات الصادرة من الإدارة الحالية في سوريا مداهنة لمختلف السوريين، غير أن حديث قائد "هيئة تحرير الشام"، أحمد الشرع الملقب بأبي محمد الجولاني، عن إمكانية رئاسته البلاد، وتصريح مسؤول آخر حول مهام "لا يصلح للمرأة القيام بها"، كشفت عن هواجس كانت تخبئها نشوة الفرحة بسقوط نظام بشار الأسد.

والخميس، خرج مئات السوريين في ساحة الأمويين بالعاصمة دمشق، للمطالبة بإرساء قواعد دولة مدنية ديمقراطية، وإشراك النساء في بناء مستقبل البلاد، في حراك هو الأول من نوعه في أعقاب سقوط نظام الأسد.

هتاف "يسقط يسقط حكم العسكر" كان حاضرا في مظاهرة ساحة الأمويين، في رفض واضح لسيطرة فصائل مسلحة على إدارة المرحلة المقبلة في البلاد، وللمطالبة بعدم إرساء قواعد دولة "دينية".

ماذا بعد نشوة الإطاحة بالأسد؟

المعارض لنظام الأسد، رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، عبد الباسط سيدا، قال لموقع "الحرة"، إن السوريين حتى الآن يعيشون "تحت نشوة التخلص من سلطة آل الأسد بكل استبدادها وفسادها، لكن تظل هناك تساؤلات حول المرحلة المقبلة. وعادة مرحلة ما بعد سقوط أي نظام تكون محفوفة بالمخاطر".

وأوضح سيدا في حديثه، أن الوضع في سوريا "أكثر تعقيدا بسبب طول فترة حكم آل الأسد الممتدة لأكثر من نصف قرن، فهناك تحديات كثيرة"، مشيرا في الوقت نفسه إلى "الوعود التي تصدرها هيئة تحرير الشام أو الحكومة المؤقتة التي شكلتها، بأنهم سيتعاملون بعقلية منفتحة مع القوى السورية الأخرى المعارضة للنظام السابق".

وبالعودة إلى تظاهرة الخميس، حين وقف السوريون قرب نصب السيف الدمشقي الشهير بساحة الأمويين في دمشق، فإنها تسلط الضوء على مطالبة المشاركين بدولة "علمانية" تحترم "المواطنة والقانون"، حيث هتفوا بأن "الدين لله والوطن للجميع".

وفي هذا الصدد، رأت نائبة رئيس الائتلاف الوطني السوري، ديما موسى، أن في الوقت الحالي "هناك خارطة طريق موجودة بجدول زمني محدد، وحديث عن حوار شامل يجب أن يتضمن تمثيلا لكافة الأطياف العسكرية والمدنية والشعب السوري بشكل عام".

وأضافت في تصريحات لقناة الحرة، أن الحوار "يجب أن ينتج عنه جسم حكم انتقالي يعمل على وضع دستور للبلاد، ثم يجري انتخابات وفق الدستور الجديد".

وكانت هيئة تحرير الشام (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) والفصائل المسلحة المتحالفة معها التي أسقطت نظام الأسد، قد أعلنت تشكيل حكومة مؤقتة لمدة 3 أشهر بقيادة محمد البشير.

وواصلت موسى حديثها بالقول، إن "الأولويات للقيادة الموجودة حاليا يجب أن تركّز على تحسين الوضع المعيشي في سوريا، وكذلك إعادة الأمن والأمان والحياة لتكون طبيعية".

"رئاسة" الجولاني وصفة "الإرهاب"

لم يستبعد قائد هيئة تحرير الشام، الشرع، الملقب أيضا بأبي محمد الجولاني، في تصريحات لصحفيين في دمشق عقب سقوط نظام الأسد، إمكانية ترشحه لرئاسة سوريا في انتخابات مقبلة.

وقال: "سأكون مرتاحا لو لم يجبرني الناس أو من حولي على ذلك"، في إشارة إلى الترشح لرئاسة البلاد.

وتعليقا على ذلك، أشار سيدا في حديثه لموقع الحرة، إلى أنه في الوقت الحالي "هناك هواجس من هنا وهناك، ويجب منح الحكومة المؤقتة الفرصة، والتوجه بالتساؤلات أو الانتقادات إلى الحكومة والشرع نفسه".

وتابع: "أي تصريحات صحفية عفوية عادة لا يجب تحميلها أكثر مما تحتمل، لأن الأمور ستتضح بنهاية المطاف، والمرحلة الانتقالية حساسة ولا تستطيع جهة واحدة تحمل العبء لأن التحديات كبيرة".

"هيئة تحرير الشام" وصلت دمشق في الثامن من ديسمبر- فرانس برس
الخارجية الأميركية توضح موقف واشنطن من "تحرير الشام" وأولوياتها بسوريا
أكد المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية، مايكل ميتشل، أن موقف الولايات المتحدة من "هيئة تحرير الشام" سيعتمد على سلوكياتها وأفعالها على الأرض، مشيرا إلى تصريحات الرئيس جو بايدن، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكن في هذا الصدد.

ولفت سيدا أيضا إلى أن "القوى المتضررة مما حدث في سوريا سواء داخليا أو إقليميا، ستحاول من خلال حملات، التشكيك فيما يحدث والإيحاء بأن ما تشهده البلاد سيصب في صالح التطرف.. تصريحات الشرع أو حكومته لا توحي بذلك حتى الآن، وفي النهاية العبرة بالتطبيق".

وفي حديثه مع هيئة الإذاعة البريطانية، الخميس، قال الشرع إن هيئة تحرير الشام يجب أن تُشطب من قائمة المنظمات الإرهابية.

وصنفت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، على أنها منظمة إرهابية، حيث بدأت كجماعة منشقة عن تنظيم القاعدة، والتي انفصلت عنها عام 2016.

والثلاثاء، أكد المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية، مايكل ميتشل، أن موقف الولايات المتحدة من "هيئة تحرير الشام"، سيعتمد على سلوكياتها وأفعالها على الأرض.

وفيما يتعلق باحتمال رفع اسم الهيئة من قائمة الإرهاب، قال ميتشل إنه "من المبكر جدا مناقشة هذه التفاصيل، خاصة أن سقوط نظام الأسد حدث قبل أسبوع فقط".

تصريحات "مقلقة" عن المرأة

جاءت مظاهرة ساحة الأمويين في أعقاب تصريحات للمتحدث باسم الإدارة السياسية التابعة للسلطات الجديدة في سوريا، عبيدة أرناؤوط، حول عمل المرأة، وبالتحديد حديثه عن أنها "لا تصلح" لعدد من المهام.

وأثار هذا التصريح انتقادات قوية، حيث قال إن "تمثيل المرأة وزاريا أو نيابيا.. أمر سابق لأوانه. المرأة لها طبيعتها البيولوجية وطبيعتها النفسية ولها خصوصيتها وتكوينها الذي لا بد من أن يتناسب مع مهام معينة".

وضرب الرجل مثالا بما اعتبره "عدم صلاحية المرأة لقيادة وزارة الدفاع".

أحمد الشرع
الجولاني يحسم قضية تناول الكحول وتعليم المرأة
أجرى قائد "هيئة تحرير الشام" أحمد الشرع، حوارا مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، نُشر، الخميس، تحدث فيه عن مستقبل العملية السياسية في سوريا، وتطرق إلى قضايا جدلية، من ضمنها حقوق المرأة وتعليمها والحريات، نافيا رغبته تحويل سوريا إلى أفغانستان أخرى.

انتقدت موسى، تصريحات القيادي بالإدارة السورية الجديدة، وقالت إن مثل هذا الحديث "يفتح الباب أمام الالتفات إلى أمور ليس وقتها الآن، ومن المؤكد أنها تصريحات مردود عليها".

واعتبرت أن على قياديي هيئة تحرير الشام أن "يتحدثوا بانضباط، في وقت يحاولون فيه توجيه رسالة بأنه سيكون هناك انفتاح على الجميع وانتقال سياسي يشمل السوريات والسوريين".

ولفتت أيضًا إلى أن مثل هذه التصريحات "تُشعر الناس بالقلق، فيما يتعلق بمستقبل المشاركة السياسية في سوريا"، قائلة إن "المطلوب حاليا هو أن تكون هناك رؤى مختلفة فيما يتعلق بكافة جوانب الحياة العامة، والقانون، وكل ما يحتاجه البلد".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".