إيران حاولت كذلك انقاذ نظام الأسد لكن من دون جدوى
نظام الأسد.. عقود من القمع

"14 عاماً من الجهد المتواصل ومنهجية صارمة ووثائق وشهادات ضبّاط منشقين" عن الأجهزة الأمنية في نظام بشار الأسد، أدت إلى وصول الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لقائمة بأسماء أكثر من 16 ألف متورّط في جرائم وانتهاكات حقوقية ارتُكبت في مختلف أرجاء سوريا، بحسب مدير الشبكة فضل عبد الغني.

يقول "عندنا بيانات ووثائق من عند النظام نفسه تتضمن وثائق بأسماء حقيقية لهؤلاء، واتّبعنا منهجية صارمة في التوثيق حتى نتأكد، فهذا اتهام، ولا نريد اتهام أشخاص" أبرياء من انتهاكات النظام البعثي.

ووثقت الشبكة السورية، وفق بيان الاثنين، أسماء 16200 شخص متورّط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوقية، خلال أكثر من عقد، بينهم 6,724 فرداً من القوات الرسمية، التي تشمل الجيش وأجهزة الأمن، و9,476 فرداً من القوات الرديفة، التي تضم ميليشيات ومجموعات مساندة قاتلت إلى جانب القوات الحكومية.

يؤكد عبد الغني في محادثة هاتفية مع موقع "الحرة" أن هذا الرقم يُعلن لأول مرة من قبل الشبكة السورية، إذ تم التوصل في السابق لعدد المتورطين من القوات الرسمية فقد، دون الموالية لها.

ويوضح: "لدينا قوائم باسم ونوع الجرم والانتهاك الذي ارتكبه كل فرد. مثلاً، من يقف وراء قصف معين، أو من هم قيادات الأفرع الأمنية والضبّاط الذين يعملون بها".

سوريون ينبشون بمجموعة وثائق في سجن فرع فلسطين- المصدر: فرانس برس
وثائق سجون الأسد: ذاكرة نصف قرن من "الجرائم"
ومع تدافع آلاف المواطنين من أهالي المفقودين والمواطنين الفضوليين بعد كل ما أُشيع عن السجن من زنازين سريّة وغيرها من أمور نفتها لاحقاً منظمات حقوقية محلية، رأينا وثائق بأيدي غير ذوي الاختصاص، كما لم يُعلم مصير الوثائق الإلكترونية وسط مشاهد الخراب التي تناقلتها الفيديوهات والصور.

وفي الفروع الأمنية، احتجز النظام السابق بشكل تعسّفي آلاف المعتقلين، الذين تعرّضوا للتعذيب ومختلف أنواع الانتهاكات الحقوقية، وفقد الكثير منهم حياتهم من جرّاء ذلك، وما زال عدد أكبر مجهول المصير، وتحاول المنظمات الحقوقية بالتعاون مع الأهالي والسلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع الملقب بأبو محمد الجولاني، أن تكشف عن مصائرهم.

ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان منذ مارس 2011 حتى أغسطس 2024، 157634حالة اعتقال وتغييب قسري، لدى جميع الأطراف المتنازعة في الخريطة السورية، بينهم 5274 طفلاً و10221 أنثى بالغة.

كما وثقت بين مارس 2011 ويونيو 2024، مقتل 231495 فرد، على يد مختلف القوى المسيطرة.

وفي الحالتين يتحمّل نظام الأسد المسؤولية عن الأغلبية العُظمى من عمليات القتل والاعتقال والإخفاء القسري، وفق بيانات الشبكة.

وقبل يومين، شارك عبد الغني إنفوغرافيك للشبكة على منصة إكس، يتضمن أبرز أسماء وبعض صور المتورطين في جرائم النظام السابق خصوصاً في ملف الهجوم بالأسلحة الكيميائية.

وقال إن هؤلاء يمثلون جزءا بسيطا "من قاعدة بيانات بقرابة ٦٠٠٠ شخص في نظام الأسد متورطين بجرائم ضد الشعب السوري، إلى جانب أدلة واضحة تُثبت تورطهم. ‏بالإضافة إلى ذلك، لدينا قوائم أخرى تشمل أفرادًا آخرين من الشبيحة، فضلاً عن ممولين للنظام أسهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم انتهاكاته.

 

"الرسالة الأهم" لهذا الإعلان

يقول عبد الغني لـ"الحرة" إن هناك "رسالة هي الأهم" خلف بيان الشبكة الذي نُشر الاثنين عن عدد المتورطين بجرائم الأسد، وكذلك الخطوات التي "يجب اتباعها" ضمن آلية محاسبة للفنانين والممثلين والكتّاب الذين دعموا بشار الأسد.

والرسالة هي "تطمين عائلات الضحايا" وفق عبد الغني، مبيّناًَ أن هناك الكثير من التطمينات المُعلّنة بحق الجهات التي كانت موالية لنظام الأسد وضمان سلامتها وعدم انتهاج خطة انتقامية بحقها، وهذا "أمر مهم" ولكن "الأهم تطمين العائلات التي دفعت الثمن الأكبر (في الصراع السوري)، بأننا سنظل نسعى لمحاسبة ومحاكمة المتورطين في جرائم النظام".

ويتابع الحقوقي السوري "يجب أن يطمئن الأهالي بوجود مسار عدالة انتقالية تضمن محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات عبر المحاكم، وليس بطرق أخرى".

في سياق متصل، قال الفنان السوري المعارض لنظام الأسد، جمال سليمان، خلال ندوة حوارية في مصر، إن التسامح يمثل ركيزة أساسية لبناء مستقبل سوريا، لكن هذا "لا يمكن أن يكون على حساب العدالة أو التنازل عن محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري".

وأضاف أن العدالة والمحاسبة لا بد أن تكون جزءاً من المرحلة المقبلة في سوريا، موضحاً "كي نمضي نحو مستقبل نحلم به جميعاً ونستحقه، لا بد أن نتكاتف ونتحلى بأعلى درجات التسامح.. لكن التسامح لا يعني إغفال المحاسبة، فالمجرمون الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين والسوريات لا بد أن يُحاسبوا".

 

تعاون مع الحكومة المؤقتة

أشارت الشبكة السورية في بيانها الذي عنونته "لا بديل عن محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب" إلى التحديات الكبيرة التي تواجه عملية المحاسبة، إذ تتطلب تركيز الجهود القانونية والقضائية على القيادات العليا، تحديداً من الصفين الأول والثاني في الجيش وأجهزة الأمن، لكونهم المسؤولين الرئيسيين عن التخطيط للانتهاكات والإشراف المباشر على تنفيذها.

وشددت على أهمية ضمان الحقِّ الكامل للضحايا في رفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم، سواء كانوا منفذين مباشرين أو مشرفين.

وفي 11 ديسبمبر الحالي، أكد قائد هيئة تحرير الشام الجولاني سابقاً، أنه لن يتم العفو عن المتورطين بـ"تعذيب المعتقلين" في السجون السورية، بعد إطلاق سراح الآلاف عقب الإطاحة بالأسد.

وقال في بيان نُشر على تطبيق تلغرام "لن نعفو عمن تورط بتعذيب المعتقلين وتصفيتهم.. وسنلاحقهم في بلدنا" مطالباً الدول "بتسليمهم من فرّ إليها من هؤلاء المجرمين لتحقيق العدالة".

قائمة بأبرز المتورطين في جرائم نظام الأسد، نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان

هل قدمتم أسماء المتورطين للحكومة المؤقتة في دمشق؟ يقول مدير الشبكة السورية فضل عبد الغني "لم نشارك القوائم مع السلطات الجديدة، لكننا أبدينا تعاوننا معهم منذ البداية، وتواصلنا معهم، بهدف اعتقال كبار المجرمين المتورطين في الانتهاكات".

لكن لم يبدأ العمل على هذا الملف بشكل فعلي، ذلك لأن السلطة الجديدة "لا تزال مشغولة بملفات كبيرة" وفق عبد الغني، مضيفاً "نحن جاهزون للقائهم من أجل التعاون في هذا الملف وملفات أخرى أيضاً".

وتعليقاً حول ما يُنشر بين فينة وأخرى على مواقع التواصل من صور وأسماء لأشخاص يُزعم أنهم متورطون في جرائم النظام، والدعوة للإمساك بهم، يقول عبد الغني إن النشر يجب أن يكون مدّعماً بأدلة تثبت علاقة المتهم بالجُرم، ومن مصادر موثوقة، وإلا فإن أي شخص يمكنه بدوافع انتقامية مثلاً أن ينشر صورة ومعلومات مزيفة.

في دمشق، وضع أهالي الضحايا من معتقلي النظام والمغيبين قسريا وأقاربهم صوراً لهم ربما تساعدهم للكشف عن مصيرهم

وكان رئيس محققي الأمم المتحدة بشأن سوريا، روبير بوتي، قال الأحد من دمشق إنه طلب الإذن من السلطات الجديدة لبدء عمل ميداني.

وأكد بوتي، وهو رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2016، أنّه بعد تحقيقات أُجريت عن بعد حتى الآن، "تمّ توثيق مئات مراكز الاعتقال (..) كلّ مركز أمن، كل قاعدة عسكرية، كل سجن كان له مكان احتجاز أو مقبرة جماعية خاصة به".

وأضاف لوكالة فرانس برس "سيستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن نعرف الحجم الكامل" للجرائم المرتكبة.

ويقع مقر الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في جنيف، وهي مسؤولة عن المساعدة في التحقيق ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة (في سوريا) بموجب القانون الدولي.

ولم يسمح النظام السابق لهؤلاء المحققين التابعين للأمم المتحدة بالتوجه إلى سوريا في السابق، واستُخدمت الأدلة التي تمّ جمعها عن بعد من قبلهم في حوالي 230 تحقيقا في السنوات الأخيرة، تمّ إجراؤها في 16 ولاية قضائية، خصوصا في بلجيكا وفرنسا والسويد وسلوفاكيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلتقي بالشرع في الرياض، 14 مايو 2025. وكالة الأنباء السعودية/نشرة عبر رويترز.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلتقي بالشرع في الرياض، 14 مايو 2025. وكالة الأنباء السعودية/نشرة عبر رويترز.

عندما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في السعودية الثلاثاء أنه سيرفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، فاجأ القرار كثيرين في المنطقة.

إلا أن القرار الذي من شأنه أن ينهض ببلد دمرته حرب استمرت 13 عاما فاجأ أيضا البعض في إدارة ترامب نفسه.

وقال أربعة مسؤولين أميركيين مطلعين إن كبار المسؤولين في وزارتي الخارجية والخزانة هرعوا في محاولة لاستيعاب كيفية إلغاء العقوبات، وبعضها مفروض منذ عقود.

وأوضح مسؤول أميركي كبير لرويترز أن البيت الأبيض لم يصدر أي مذكرة أو توجيه لمسؤولي العقوبات في وزارة الخارجية أو وزارة الخزانة للتحضير لإلغاء العقوبات، ولم ينبههم إلى أن هناك إعلانا وشيكا من الرئيس بهذا الشأن.

وبدا الإلغاء المفاجئ للعقوبات مماثلا لما يفعله ترامب دوما - قرار مفاجئ وإعلان دراماتيكي وصدمة ليس فقط للحلفاء ولكن أيضا لبعض المسؤولين الذين ينفذون السياسة التي يتم تغييرها.

وبعد الإعلان، كان المسؤولون في حيرة من أمرهم حول الكيفية التي ستلغي بها الإدارة الأميركية حزما ومستويات من العقوبات، وأي منها سيتم تخفيفها ومتى يريد البيت الأبيض بدء العملية.

وذكر المسؤول الكبير أنه وحتى الوقت الذي التقى فيه ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في السعودية الأربعاء، كان المسؤولون في الخارجية والخزانة لا يزالون غير متأكدين من كيفية المضي قدما.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين "يحاول الجميع استكشاف كيفية تنفيذ ذلك"، في إشارة لإعلان ترامب.

وفي أعقاب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في أواخر العام الماضي، صاغ مسؤولون من وزارتي الخارجية والخزانة مذكرات وأوراقا بمختلف الخيارات للمساعدة في إرشاد الحكومة بشأن رفع العقوبات عن سوريا إذا اختارت الإدارة الأميركية القيام بذلك وعندما تقرر ذلك.

لكن كبار المسؤولين في البيت الأبيض والأمن القومي، وكذلك بعض المشرعين، ناقشوا لأشهر ما إذا كان ينبغي من الأساس تخفيف العقوبات، نظرا لعلاقات الشرع السابقة مع تنظيم القاعدة. وفكت الهيئة التي كان يقودها الشرع الارتباط بالتنظيم عام 2016.

وقال المسؤول الأميركي الكبير إنه قبل رحلة ترامب إلى السعودية، لم يكن هناك أي مؤشر واضح، على الأقل بالنسبة للمسؤولين الذين يعملون على العقوبات داخل وزارتي الخارجية والخزانة، على أن الرئيس قد اتخذ قرارا.

ولم ترد وزارة الخارجية ووزارة الخزانة حتى الآن على طلب للتعليق.

وقال مسؤول في البيت الأبيض لرويترز إن تركيا والسعودية طلبتا من ترامب رفع العقوبات ولقاء الشرع. وقال ترامب في إعلانه إنه فعل ذلك لإعطاء سوريا فرصة لمستقبل أفضل.

انفراجة معقدة

لكن ربما لم يكن قرار ترامب مفاجئا تماما.

وقال جوناثان شانزر المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية والمدير التنفيذي الحالي لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات، والذي التقى بمسؤولين سوريين خلال زيارتهم، إن مسؤولين سوريين كبارا كانوا في واشنطن الشهر الماضي ومارسوا ضغوطا قوية لرفع جميع العقوبات.

ومع ذلك، لا يبدو أن تخفيف العقوبات على سوريا سيتم قريبا.

وذكر بيان صادر عن البيت الأبيض بشأن لقاء ترامب مع الرئيس السوري أن الأول طلب من سوريا الالتزام بعدة شروط مقابل تخفيف العقوبات، بما في ذلك توجيه الأمر لجميع الإرهابيين الأجانب بمغادرة سوريا وترحيل "الإرهابيين الفلسطينيين" ومساعدة الولايات المتحدة على منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية.

ونادرا ما تكون عملية رفع العقوبات مباشرة وتتطلب في أغلب الأحيان تنسيقا وثيقا بين عدة أجهزة مختلفة والكونغرس.

لكن تلك العملية تمثل تحديا خاصا في حالة سوريا، نظرا لتعدد الإجراءات التي تعزلها عن النظام المصرفي الدولي وتمنع العديد من الواردات الدولية.

وأدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب لأول مرة في عام 1979، ومنذ ذلك الحين أضافت مجموعات أخرى من العقوبات، بما في ذلك عدة عقوبات أضيفت بعد الانتفاضة التي اندلعت في عام 2011 ضد نظام بشار الأسد.