حلب

في أبريل 2024، تفاجأ المهندس السوري محمد.ش، المقيم في تركيا، باتصال من أحد أقاربه يستفسر عن سبب بيعه لأسهمه العقارية في عقاره التابع لمشروع "باسيليا سيتي" بدمشق.

ما أثار صدمة محمد أنه لم يقم بأي عملية بيع أو شراء منذ أكثر من 10 سنوات، وهو خارج سوريا ومطلوب لأفرع أمنية بسبب مواقفه المعارضة، ولا يُسمح له بأي عملية بيع أو شراء باسمه.

وكان محمد، الذي طلب عدم ذكر اسمه الكامل لأسباب تتعلق بقضيته، يملك عقارين في مدينة داريا تبلغ مساحتهما أكثر من 2500 متر مربع، تحولا لاحقًا إلى أسهم عقارية في المشروع التنظيمي.

وبعد علمه بعملية البيع، تواصل مباشرة مع محامٍ في دمشق ليكتشف أن اسمه شُطب من سجلات الأسهم الخاصة بعقاراته، وأن أسهمه قد تم بيعها دون علمه.

وبعد بحث مكثف، اكتشف المحامي أن هناك شبكة من المزوّرين عمدت إلى تزوير هويته وانتحال شخصيته وبيع أسهمه لشخص آخر مقيم خارج سوريا عبر وسيط في دمشق.

وقال محمد لموقع "الحرة": "وصلتُ لاسم الشخص الذي اشترى الأسهم، وهو ضحية أخرى لذات الشبكة، وهذا الشخص ليس له أي ذنب، فسمعته طيبة وليس لديه أي سوء نية، وهو يرغب في حل مشكلتي أكثر مني".

واطلع موقع "الحرة" على الوثائق والمستندات القانونية التي تثبت امتلاك محمد لأسهم في هذه المشاريع.

معاناة الضحايا

ويردف محمد قائلاً: "لم نفهم بداية كيف تم نقل ملكيتي بالرغم من وجود إشارات أمنية تمنعني أساسًا من البيع".

ويضيف: "اكتشفنا لاحقاً أن الشخص المزوِّر قام أيضًا بالتواصل مع الأفرع الأمنية وأزال الإشارة الموجودة على اسمي، حتى يستطيع القيام بعملية البيع والشراء، وهذا يدل على أن هؤلاء الأشخاص القائمين على عملية التزوير والبيع هم أشخاص نافذون. لقد استطاعوا تبييض صفحتي عند الأفرع الأمنية، ولم أعد مطلوبًا لأي فرع أمني، وبذلك استطاع القيام بعملية البيع".

ويتابع محمد قضيته اليوم بشكل دوري، وسيعود إلى سوريا قريبًا لرفع دعوى لاستعادة حقوقه. يأمل أن تصدر الإدارة الجديدة قرارات تساعده في حل قضيته وقضايا الكثيرين مثله بطريقة قانونية.

أساليب التزوير العقاري

وقضية الاستيلاء على أملاك وعقارات وأصول لا تقتصر على محمد، حسب المحامي السوري أحمد صوان الذي قال إن عمليات تزوير الملكيات العقارية تفشَّت في السنوات الماضية بسبب حالة الفوضى وغياب المساءلة في سوريا.

وقال صوان لموقع "الحرة" إن أبرز أساليب التزوير كانت تتم في عهد نظام بشار الأسد.

وأشار المحامي إلى أن بعض الأطراف كانت تقوم ببيع هذه الممتلكات إلى طرف ثالث بموجب عقود عادية دون التأكد من ملكية البائع الذي ينتحل صفة المالك، وبهذا يقع المشتري الجديد ضحية الجهل أو التدليس.

ومن بين الأساليب، تزوير الهويات الشخصية، إذ يتم استخراج هوية شخصية مزورة أو جواز سفر مزور باستخدام طرق مختلفة وبمساعدة موظفين فاسدين. تُستخدم هذه الوثائق لإثبات أن المزور هو المالك الحقيقي أمام السجل العقاري، مما يسمح بنقل الملكية دون علم صاحبها.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم شبكات التزوير بصنع أختام مماثلة لتلك التي يستخدمها الكتّاب بالعدل. تُطبع الوكالات المزورة وتُذيل ببصمات أو توقيعات مزورة، ثم تُقدَّم هذه الوكالات للسجل العقاري وتُعتبر صحيحة، مما يسمح بنقل الملكية.

وفي الكثير من الحالات، وهي الطريقة الأكثر شيوعًا، يلجأ المزوِّرون إلى المحكمة بدعوى تثبيت شراء العقار بناءً على عقد عرفي، إذ يُبلَّغ صاحب العقار بطرق غير مباشرة، مثل النشر في الصحف أو الإلصاق على أبواب آخر عنوان معروف له، وفي غياب المالك الحقيقي، تُصدر المحكمة قرارها بتثبيت البيع، مما يُعتبر تزويرًا قانونيًا مُقنعًا.

"قوانين تُسهِّل التلاعب"

وكشف المحامي صوان أن النظام السوري أصدر قوانين استثنائية تتيح التلاعب بالملكية العقارية.

ومن هذه القوانين، المرسوم التشريعي رقم 11 لعام 2016، الذي ينص على إنشاء سجلات ملكية بديلة في الدوائر العقارية المغلقة بسبب الأوضاع الأمنية، مما يزيد من احتمالية التزوير والتلاعب.

وكذلك المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 2016 الذي يعتمد على نُسخ رقمية كبديل للوثائق الأصلية، وهو ما يفتح الباب أمام تعديل البيانات دون ترك أثر للتزوير.

وأوضح المحامي أن عيوب هذا المرسوم تكمن في أنه كان يستهدف فئة معينة من المالكين الذين تم تهجيرهم من المناطق المعارضة للنظام، مع استحالة قيام هؤلاء المالكين بتقديم الاعتراضات.

وأضاف: "إن نقل المعلومات من النسخ الورقية الأصلية إلى النسخ الرقمية الجديدة يجعلها عُرضةً للتغيير والتعديل والحذف والإضافة دون أن تترك أي أثر لحدوث التزوير أو التغيير، حتى إذا افترضنا النية الحسنة".

بالإضافة إلى القانون رقم 33 الذي يسمح بإعادة تكوين الوثائق العقارية المفقودة أو التالفة، مما يتيح للنظام إصدار وثائق جديدة تُسجَّل فيها الملكيات حسب رغبته.

كيف تُسترد الحقوق؟

وأشار المحامي إلى أن القضية الأهم في التزوير اليوم هي قضية الأشخاص الذين يشترون هذه العقارات المسجلة بطريقة تبدو نظامية، لكن في الواقع تم نقل ملكيتها بالتزوير.

وفي هذه الحالة، يُعتبر الأشخاص الذين يشترون العقار من الشخص المزوِّر في نظر القانون غير مذنبين.

وأوضح صوان أن استرداد الحقوق العقارية يتطلب اللجوء إلى القضاء بشكل حتمي، ولكنه لم يكن ممكناً في ظل سيطرة النظام سابقاً، خاصة للأشخاص المطلوبين أمنياً، فهم بالكاد يستطيعون تجديد جوازات سفرهم في الخارج، بحسب قوله.

وفي ظل التغير السياسي الذي حصل في سوريا اليوم، أشار المحامي إلى أنه يمكن رفع دعوى فسخ تسجيل الملكية لإبطال البيع الذي تم بطرق احتيالية، خاصة إذا لم يكن المالك الجديد حسن النية.

كما يمكن تقديم دعوى تعويض في حالة شراء العقار من قبل شخص حسن النية. فلا يمكن فسخ تسجيله لأنه اشترى بطريقة نظامية ولا يعرف شيئًا عن عملية الاحتيال والتزوير، فلا يمكن أن يُؤخذ العقار منه. إنما يبقى حق المالك هو المطالبة بالتعويض الذي يعادل قيمة العقار، حيث يتم التعويض المالي عن قيمة العقار من الشخص المزوِّر.

وفي هذه الحالة، يكون نجاح هذه الدعوى ضعيفًا، إما بسبب هرب الشخص المزوِّر خارج البلاد، أو بسبب عدم وجود أية أموال لدى الشخص المزوِّر يمكن حجزها ومصادرتها لتسديد قيمة التعويض، وفي الأغلب يضيع حق المالك الأساسي.

الإدارة الجديدة

ولم تصدر حكومة تصريف الأعمال في الإدارة الجديدة أي بيانات رسمية خاصة عن القضايا المتعلقة بتزوير وبيع الممتلكات.

إلا أن وزارة الإدارة المحلية أصدرت بيانًا نبهت فيه إلى عدم شراء عقارات أو كتابة عقود بيع مع أي شخص ‏"متورط بدماء السوريين".

وأوضحت الوزارة أن ذلك يأتي حفاظًا على أملاك ‏المواطنين من فسخ أي عقد من هذا القبيل، نظرًا للممارسات التي كانت ‏تُستخدم في سرقة أملاك الناس وتزوير عقود البيع والشراء المتبعة في تلك ‏الفترة. ‏

وفي هذا السياق، قال المحامي صوان: "أعتقد أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار أو تعميم بخصوص هذه القضية، وبرأيي من الممكن تشكيل لجان ذات اختصاص قضائي بإجراءات موجزة وسريعة لتتلقى الشكاوى حول نقل ملكية العقارات أو الاستيلاء عليها، وإجراء تحقيقات سريعة وعاجلة ربما تحقق الغاية من إعادة الحقوق العقارية لأصحابها بطريقة آنية مستعجلة".

وفي أبريل عام 2023، كشف تحقيق استقصائي عن وجود أكثر من 20 شبكة أمنية مختصة بتزوير ملكية العقارات في عدد من المدن السورية الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد المخلوع.

وأشار التحقيق المشترك، الذي أعدته صحيفة "الغارديان" ووحدة "سراج" الاستقصائية، إلى أن عدم توفر سجلات عدلية مركزية يعني عدم وجود بيانات ومعلومات حول حجم السرقات التي تطال العقارات في سورية، والاستيلاء على منازل السوريين المقيمين خارج البلاد.

وتكشفت اليوم معاناة العديد من السوريين الذين فقدوا حقوقهم العقارية وكانوا ضحايا لشبكات التزوير والتلاعب، ولكن القضية لا تقتصر فقط على التزوير، لأن هناك العديد من العقارات التي استولى عليها النظام السابق من خلال التأميم والاستملاك ووسائل أخرى. واليوم، يسعى أصحاب هذه العقارات لاستعادتها، على أمل أن يتحقق ذلك عبر الإدارة السورية الجديدة.

مشهد عام من العاصمة السورية دمشق - رويترز
مشهد عام من العاصمة السورية دمشق - رويترز

أصدرت وزارة العدل السورية، الخميس، "توضيحا حول ما تم تداوله مؤخرا، عبر وسائل ‏التواصل الاجتماعي" بشأن قيام الوزير، مظهر الويس، بمصافحة رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب إبان فترة النظام البائد‏.

وقالت الوزارة إن "البعض اعتبر هذه المصافحة إشارة إلى التساهل مع من سعوا إلى ‏تقويض دعائم العدالة وانتهاك قيم الكرامة".‏

وأوضحت في بيان نشرته "سانا" أن "المصافحة المشار إليها ‏تمت خلال تقديم الوزير تهنئة عامة لمجموعة من القضاة بمناسبة ‏عيد الفطر المبارك، وذلك في إطار الأعراف والبروتوكولات الرسمية المتبعة ‏داخل المؤسسات الحكومية، ولم تتضمن هذه المصافحة أي معرفة مسبقة ‏بشخص القاضي أو بتاريخه المهني، كما أنها لا تحمل أي دلالة على التسامح ‏أو المصالحة مع أي من الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات بحق الشعب ‏السوري".‏

وأكدت الوزارة "التزامها المطلق بمحاسبة كل من ثبت تورطه في تجاوزات ‏تمس قيم العدالة"، وأن "جميع القضاة الذين تقلدوا مناصب في محكمة الإرهاب ‏أحيلوا إلى إدارة التفتيش القضائي، حيث يجرى التحقيق وفق الأصول ‏القانونية، وسيتم التعامل مع أي دليل يثبت تورط أحدهم بكل جدية، مع ‏استمرار القضاة في أداء مهامهم بشكل مؤقت إلى حين استكمال الإجراءات ‏واتضاح الحقائق بشكل جلي".‏

وشددت على "دورها المحوري في تطبيق مبدأ سيادة القانون، والتزامها التام بمحاسبة جميع الأفراد الذين تورطوا في سفك دماء الشعب ‏السوري أو المساس بحرياته وحقوقه (...) بما يساهم في ترسيخ ‏العدالة وتعزيز مكتسبات الثورة، وضمان حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ‏داخل إطار قانوني شامل وعادل."‏

وأضافت أن "العدالة ستظل المبدأ الذي لا تحيد عنه، مهما حاول البعض ‏طمس الحقائق أو إثارة الشكوك".‏

جدل في سوريا بسبب مصافحة وزير العدل لـ "قاضي الإعدامات"
أثارت صورة مصافحة وزير العدل السوري الجديد، مظهر الويس، للقاضي عمار بلال، رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب سابقًا، موجة جدل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حادة بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، ومدى الجدية في القطيعة مع رموز النظام السابق.

وأثارت صورة مصافحة وزير العدل السوري للقاضي، عمار بلال، رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب سابقا، موجة جدل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حادة بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، ومدى الجدية في القطيعة مع رموز النظام البائد.

الصورة التي نُشرت عبر الحسابات الرسمية لوزارة العدل، أظهرت الويس خلال لقائه موظفي الوزارة، وهو يصافح القاضي عمار بلال، نجل اللواء غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، بشار الأسد، والذي يُتهم من قبل ناشطين حقوقيين بلعب دور محوري في إصدار تهم أدت إلى إعدام المئات من المعتقلين خلال فترة توليه منصبه في محكمة الإرهاب.

وعبّر العديد من السوريين، بمن فيهم نشطاء حقوقيون وإعلاميون، عن استيائهم من استمرار ظهور وجوه مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، واعتبروا أن مجرد المصافحة العلنية مع بلال تحمل دلالات سياسية مقلقة، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تطمينات حقيقية بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.

وبعض المعلقين رأوا أن وزير العدل، الذي لم يمضِ على توليه المنصب سوى أيام قليلة، قد يكون غير مطلع بالكامل على الخلفيات المرتبطة ببعض الشخصيات العاملة في الوزارة، وهو ما تم توضيحه ببيان الوزارة الجديد، بينما اعتبر آخرون أن الأمر يعكس غياب إرادة حقيقية في محاسبة من تورطوا في الانتهاكات الجسيمة خلال حكم الأسد.

ويُعد القاضي عمار بلال من الأسماء المثيرة للجدل، نظرا لما نُسب إليه من دور في تلفيق تهم ضد معتقلين سياسيين وحقوقيين، وإصداره قرارات إعدام بحقهم ضمن محاكمات افتقرت إلى أدنى معايير العدالة، بحسب تقارير حقوقية محلية ودولية.

ويذكر أن الجدل حول هذه المصافحة يعيد إلى الواجهة النقاش حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ومدى استعداد السلطة الجديدة لتطهير المؤسسات من المتورطين في الحقبة الماضية، وفتح ملفات الانتهاكات بشكل جاد، بدلاً من الاكتفاء بشعارات المصالحة دون محاسبة.