تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تواجه السوريين العائدين - رويترز
تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تواجه السوريين العائدين - رويترز

منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل شهرين، تدفق آلاف اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا، محملين بآمال العودة إلى وطن أكثر استقرارًا وحياة أكثر كرامة. لكن سرعان ما اصطدم الكثير منهم بواقع أشد قسوة مما توقعوا، فتحول الحلم إلى عبء ثقيل يصعب احتماله.

وكشفت البنية التحتية المدمرة، والأوضاع الاقتصادية الخانقة، وانعدام الأمن عن تحديات هائلة جعلت التأقلم شبه مستحيل بالنسبة إلى قسم كبير من العائدين.

وبينما فقد بعضهم حق العودة إلى تركيا، بدأ آخرون، لا سيما من حاملي الإقامات والجنسية التركية، بإعادة النظر في قرارهم والتفكير جديًا في العودة إلى "وطن اللجوء".

في المقابل، لا تزال عائلات سورية أخرى تقيم في تركيا تترقب المشهد بحذر، مترددة في اتخاذ قرار العودة أو تؤجله مؤقتًا ريثما تتضح الصورة بشكل أكبر.

ندم وتريث

تقول السورية لجين دالاتي، 33 عامًا، المقيمة في مدينة غازي عنتاب، لموقع "الحرة": "الحياة في تركيا صعبة، نعمل لساعات طويلة وبالكاد نؤمن قوتنا ومصاريفنا، لكن فكرة العودة إلى سوريا غير مناسبة إطلاقًا ومؤجلة..".

وتتابع: "أعرف عائلات عادت، والرسائل التي تصلني منهم محبطة، لا ماء، لا كهرباء، لا فرص عمل، والوضع الأمني غير واضح".

بدوره، أعرب محمد عزام عن ندمه على اتخاذه قرار العودة من إسطنبول إلى مدينته حماة دون دراسة الأوضاع جيدًا.

وفي اتصال هاتفي من مدينته حماة، قال عزام لموقع "الحرة": "تملكني الحماس في الأيام الأولى لسقوط النظام فعدت، لكنني أدركت سريعًا فداحة القرار الذي اتخذته في لحظة حماس، وأشعر بالندم، إذ لم أجد عملًا مناسبًا، والإيجارات مرتفعة جدًا، ومقومات الحياة الأساسية مفقودة، والأسوأ أنني لا أستطيع العودة إلى تركيا بعد توقيعي على وثيقة العودة الطوعية".

فرصة التجول والمشاهدة

وشهدت تركيا، التي تستضيف ما يفوق ثلاثة ملايين لاجئ سوري، موجة عودة للاجئين بعد سقوط النظام السوري. ووفقًا لوكالة "رويترز"، فإن أكثر من 80 ألف شخص عادوا إلى سوريا منذ سقوط الأسد.

لكن بعضهم بدأ يشعر بالندم، حيث فقد 35 ألف سوري حق العودة إلى تركيا بعد توقيعهم على وثيقة العودة الطوعية في الأسابيع الثلاثة الأولى بعد الإطاحة بالنظام في الثامن من كانون الأول 2024.

وفي خطة جديدة تهدف إلى مساعدة اللاجئين في التخطيط بشكل أفضل لعودتهم، أعلنت السلطات التركية، على لسان وزير الداخلية علي يرلي كايا، عن برنامج جديد يسمح لأرباب الأسر السورية بزيارة سوريا حتى ثلاث مرات بين يناير ويونيو من هذا العام، بهدف تقييم الظروف قبل اتخاذ قرارهم النهائي بشأن العودة.

ورغم أن هذه المبادرة قد تتيح للسوريين فرصة لتفقد منازلهم ومعالجة القضايا العالقة، فإن قدري جونجورور، مدير الرعاية الاجتماعية في جمعية اللاجئين في تركيا، أشار في حديثه لوكالة "رويترز" إلى أن الحماس الأولي للعودة بدأ يتلاشى مع مرور الوقت.

ويواجه العائدون صعوبات كبرى مثل نقص التعليم والخدمات الصحية، وفقًا لجونجورور، الذي أكد أن بعض العائلات تشعر بالندم وترغب في العودة إلى تركيا بعد مقارنة ظروف المعيشة في البلدين.

وفي السياق ذاته، يقول منير المدلل، الذي يحمل إقامة سياحية في تركيا ويدير ورشة خياطة في إسطنبول، لموقع "الحرة"، إنه عاد إلى حلب بهدف نقل عمله إلى داخل سوريا، إلا أنه اختار العودة إلى تركيا مجددًا، مؤكدًا أن الوضع غير مناسب للعودة الكاملة، وسينتظر عامًا آخر ليرى كيف ستسير الأمور.

وأضاف: "الوضع لا يزال مبكرًا على تأسيس عمل في سوريا، لا أريد المغامرة وخسارة رأس مالي الذي جمعته في تركيا".

وأكّد الخبير الاقتصادي، يونس الكريم، لموقع "الحرة"، أن السوريين العائدين من تركيا إلى بلادهم يواجهون تحديات اقتصادية معقدة تجعل من الاستقرار مسألة صعبة للغاية.

ووفقًا للخبير، فإن أبرز العقبات التي تواجه العائدين تتمثل في غياب المؤسسات الحكومية القادرة على تقديم الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، مما يجعل الحياة اليومية مكلفة وصعبة.

وأوضح أن انعدام الأسواق المنظمة التي توفر السلع الأساسية، إلى جانب غياب الرقابة التموينية، أدّى إلى حالة من الفوضى الاقتصادية، حيث يجد العائدون أنفسهم في بيئة غير مستقرة ماليًا.

وأضاف الكريم أن عدم استقرار العملة السورية يشكل عائقًا كبيرًا، إذ لا توجد آلية واضحة للشراء والتعامل المالي، مما يزيد من الضغوط النفسية على العائدين الذين يواجهون واقعًا اقتصاديًا غامضًا.

وأكّد أن الانفلات الكبير في الأسعار، سواء فيما يتعلق بالإيجارات أو الخدمات الأساسية، يضيف عبئًا إضافيًا على العائدين، حيث يواجهون تكاليف معيشية مرتفعة مقابل مداخيل محدودة.

واعتبر أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا تجعل الوضع أكثر تعقيدًا، حيث يفتقد الاقتصاد السوري لأي بنية مصرفية قادرة على دعم الاستثمار أو تقديم تسهيلات مالية، مما يجعل أي مشروع جديد مرهونًا برأس المال الشخصي فقط، دون دعم مالي يساعده على النمو والاستمرار.

وأكّد أن استقرار الليرة السورية، بغضّ النظر عن قيمتها، هو مفتاح أساسي لاستعادة الثقة في الاقتصاد، “كما أن إعادة تفعيل القروض والائتمانات، حتى لو كانت داخلية، سيساعد في تخفيف الأعباء المالية على المواطنين والمستثمرين، ما يتيح لهم فرصًا حقيقية للنمو الاقتصادي”.

شعور بالندم

إلى جانب التحديات الاقتصادية والأمنية، يعاني العديد من العائدين من أزمات نفسية نتيجة الفجوة الكبيرة بين تطلعاتهم والواقع الذي وجدوه.

ويقول عبد الله الناصر، الذي عاد من مدينة أورفا بداية العام الجاري إلى مدينته حمص: "كنت أظن أن العودة ستمنحني إحساسًا بالأمان الذي افتقدته لسنوات إقامتي في تركيا، لكنني الآن أشعر وكأنني فقدت كل شيء، وأنا نادم على هذه الخطوة، الحياة هنا أصعب مما توقعت، وأفكر جديًا في المغادرة، الاستقرار الذي تمنيته غير موجود، والنزاعات والتحديات الأمنية تتصاعد، والمستقبل غير واضح".

بدورها، تقول المرشدة النفسية الاجتماعية، عائشة عبد المالك، إن مشاعر الندم لدى السوريين العائدين ستكون موجودة حتمًا، وإن هذا شعور طبيعي، خاصة لدى الفئات التي خرجت من سوريا وكان عمرها صغيرًا.

وأضافت أن “الفئات التي كانت صغيرة وكبرت في تركيا، توازن اليوم ما بين الخراب الذي تراه وما كانوا يعيشونه خارج سوريا، خاصة من كانوا أطفالًا وخرجوا مع أهاليهم، الواقع مختلف حتى عما كانوا يتصورونه، فأنا عندما أنقل الحدث يختلف كليًا عمّا أعيشه داخل الحدث”.

وتوضح عائشة أن هناك اصطدامًا بالواقع يحدث اليوم لدى العائدين إلى سوريا، بالإضافة إلى العديد من الآثار النفسية المتمثلة في الإحباط والقلق ومن ثم الندم، مشيرة إلى ضرورة العمل على جلسات توعية يتم من خلالها دراسة الواقع والتحديات داخل سوريا قبل العودة إليها.

وبين الأحلام والواقع، تبدو عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم محفوفة بالمخاطر والتحديات، ويجد العائدون أنفسهم أمام تحديات تفوق قدراتهم، تتمثل في الأوضاع الاقتصادية الخانقة، وانعدام الخدمات، والمخاوف الأمنية.

مشهد يجسد الدمار الذي حل بمدينة الرقة السورية أحد أبرز معاقل تنظيم "داعش"
مشهد يجسد الدمار الذي حل بمدينة الرقة السورية أحد أبرز معاقل تنظيم "داعش"

رغم التغييرات الأمنية والسياسية في سوريا، لا يزال تنظيم داعش يشكل تهديدًا متصاعدًا. وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، فقد عاد التنظيم ليظهر نشاطا متجددا، مستقطبا مقاتلين جدد ومكثفا هجماته، وسط مخاوف من احتمال تمكنه من تحرير الالاف من مقاتليه المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية، ما قد يعيد إشعال الصراع من جديد.

التفاصيل التي كشفت عنها الصحيفة أثارت العديد من التساؤلات حول حقيقة قوة داعش في سوريا والمنطقة، وما هي التحديات التي تواجهها دمشق الان لوقف هذا التنظيم؟

عبد القادر عزوز، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دمشق وعضو سابق في اللجنة الدستورية، اعتبر أن خطر تنظيم داعش في المنطقة لا يزال "حقيقيًا"، مرجعًا ذلك إلى لجوء التنظيم إلى تنفيذ هجمات إرهابية فردية وانتشاره في المناطق الرخوة والهشة بين العراق وسوريا، رغم الضربات التي تلقاها.

وأشار إلى أن اعتماد داعش على استراتيجية "الذئاب المنفردة" وتنفيذ عمليات من دون قيادة مباشرة، ساهم في تعزيز قدرة التنظيم على المناورة، بالرغم من العمليات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

تنظيم داعش الإرهابي بعث رسالة من نار للعالم مفادها أنه لم ينته
ماذا لو انسحبت القوات الأميركية؟.. داعش يراهن على "قبلة حياة" في سوريا
شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

وأضاف عزوز أن توزيع عناصر التنظيم على شكل خلايا صغيرة، ومعرفتهم الجيدة بطبيعة المنطقة الجغرافية، إلى جانب امتلاكهم خبرة في أساليب حرب الصحراء، كلها عوامل مكّنت التنظيم من الاستمرار في نشاطه.

وأوضح أن القضاء على هذا التهديد لا يمكن أن يتحقق عبر الضربات الجوية فقط، بل يتطلب إرسال قوات برية لتطهير المناطق التي يتواجد فيها التنظيم.

كما حذر عزوز من أن داعش بدأ يروج لاستراتيجية جديدة تعرف بـ"هدم الأسوار"، من خلال تنفيذ عمليات تستهدف اقتحام السجون والسيطرة عليها، مشيرًا إلى أن التنظيم نجح في كسب مؤيدين جدد عبر الفضاء الإلكتروني.

ديفيد دي روش، الخبير في الشؤون العسكرية وأستاذ في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، تحدث من جانبه عن القلق الأميركي المتزايد من تحركات داعش الأخيرة في المنطقة.

وأوضح أنه خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، لمس هذا القلق ذاته لدى المسؤولين العراقيين، الذين عبّروا عن مخاوفهم من احتمال عودة التنظيم إلى الأراضي السورية.

وأكد دي روش أن نظام الأسد لم يُظهر الجدية اللازمة في مواجهة تنظيم داعش، بل على العكس، سمح له بالتحرك بحرية نسبية في المناطق الصحراوية.

وأشار إلى أن سقوط الأسد لم يُنهِ هذه المخاوف، بل أدى إلى بروز مشكلات جديدة، منها صعود نظام "أضعف" في دمشق يواجه تحديات من عناصر النظام السابق المدعومين من إيران، والذين يسعون إلى إعادة تموضع سوريا كحليف استراتيجي لطهران.

وأضاف أن من بين التحديات الأخرى التي تعرقل جهود القضاء على داعش، هو النفوذ التركي المتزايد في شمال سوريا، حيث تنظر أنقرة إلى الأكراد الذين يحتجزون عناصر التنظيم في السجون على أنهم "إرهابيون"، مما يخلق حالة من التوتر المستمر.

هذه التعقيدات، بحسب دي روش، تشتت الجهود الأمنية وتتيح لداعش فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وتنفيذ هجمات كبيرة.

وشدد في ختام حديثه على أهمية دور الولايات المتحدة والتحالف الدولي في مواجهة هذا التهديد، داعيًا إلى مشاركة فعالة من الدول العربية والإسلامية في محاربة داعش ومنع تمدده من جديد.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن داعش أظهر نشاطا متجددا في سوريا، واستعاد قوته، حيث استقطب مقاتلين جددا وزاد من عدد هجماته.

الصحيفة، وفي تقرير لها الأربعاء، ذكرت أيضا أن داعش وإن كان بعيدا عن قوته التي كان عليها قبل عقد من الزمان، عندما كان يسيطر على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، إلا أن الخبراء يحذرون من أنه قد يجد طريقة لتحرير آلاف من مقاتليه المتمرسين المحتجزين في سجون "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

وأشارت الصحيفة إلى أن كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركية قدموا، في مارس الماضي، إلى الكونغرس تقييمهم السنوي للتهديدات العالمية، وخلصوا إلى أن تنظيم داعش سيحاول استغلال سقوط نظام الأسد لتحرير السجناء وإحياء قدرته على التخطيط وتنفيذ الهجمات.

وتأمل الولايات المتحدة الأميركية أن تُصبح الحكومة السورية الجديدة، شريكة في محاربة تنظيم داعش، بحسب نيويورك تايمز.

وأضافت أنه ورغم تراجع سيطرة داعش على مساحات واسعة من الأراضي السورية، لا يزال التنظيم ينشر أيديولوجيته المتطرفة عبر خلايا سرية وفروع إقليمية خارج سوريا وعبر الإنترنت.