الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)

وصفت أحزاب كردية في سوريا الإعلان الدستوري الذي أقرته القيادة السورية الجديدة بالمخيب للآمال، وعدّته استمرارا لسياسة الإقصاء والتهميش التي اتبعها نظام البعث ضد الكرد.

ويتهم الأكراد النظام السوري السابق بتجريدهم من حق المواطنة لأسباب سياسية واقتصادية، ويشيرون إلى وجود نحو نصف مليون كردي لا يملكون مستمسكات ووثائق تحمي حقوقهم الأساسية.

وتفيد المنظمات الحقوقية بأن قسما كبيرا من الأكراد في سوريا لا يزالون مجردين من الجنسية السورية، بسبب الإحصاء الاستثنائي الذي نفذه نظام حافظ الأسد في محافظة الحسكة شمالي البلاد لدوافع سياسة واقتصادية وسط مخاوف من استمرار تلك السياسات في ظل الحكومة الانتقالية الجديدة.

وقال محمد خليل، المدير التنفيذي لمنظمة (عدا) للحرة إن الإحصاء الاستثنائي عام 1962 جرد بحدود 150 ألف شخص من جنسيتهم، بينهم حوالي 50 الف شخص من "مكتومي القيد".

وأضاف خليل "هذه الأعداد أصبحت بحدود نصف مليون في الوقت الحالي حسب توقعاتنا، النظام السابق أعاد الجنسية لبعض المجردين، ولكن ليس للجميع، في مسائل العدالة الانتقالية نحن بحاجة إلى إيجاد حل لهذا الموضوع 
وإعادة الجنسية للمجردين".

واثار الإعلان الدستوري حفيظةَ الاكراد شمالي البلاد، إذ يعتبرونه استمرارا لسياسات الإقصاء والتهميش التي اتبعها نظام "البعث" وبقية التيارات القومية ضدهم على مدى أكثر من 60 عاما.

ولا يعترف الإعلان بالوجود الكردي كثاني قومية في سوريا ويتم اعتبارهم عرباً سوريين حسب القوانين المحلية.

وقال عماد مجول، عضو اللجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، للحرة "المحطات التي عقدت باسم الإدارة الجديدة في سوريا من مؤتمر النصر و مؤتمر الحوار الوطني و الإعلان الدستوري كانت مخيبة للآمال. كانت محطات إقصائية لم تشارك فيها مكونات الشعب السوري وخاصة الشعب الكردي ونرفض هذه المحطات بشكل قاطع".

ويرى غالبية الأكراد في سوريا أن الإعلان الدستوري يخالف الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع معَ قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عابدي.

اتفاق ينص على حق الكرد في المواطنة، وضمان حقوقهم الدستورية.

قصة سعد ووالدته

سعد علي، جرده نظام بشار الأسد وبقية أفراد عائلته من غالبية حقوقهم المدنية والأساسية، كونهم لا يملكون وثائق رسمية في السجلات المدنية. حرمان سعد من حق المواطنة، لم ينتهي حتى بعد سقوط نظام الأسد.

والدة سعد، من مدينة القامشلي شمالي سوريا، رغم أنها تحمل الجنسية السورية لكن القوانين المحلية لا تسمح لها بمنحِ هذه الجنسية لأبنائِها.

وقالت للحرة "أنا شخص من عائلة مكتومة القيد، ما عدنا هويات أو جوازات سفر، هاد البيت يلي ساكنين فيه ليس باسمنا لأنه لا يحق لنا التملك".

وأضافت "الزواج لا نستطيع تثبيته في المحكمة فيما يتعلق بالدراسة نجحت في البكلوريا الأدبي لم أذهب للجامعة كون لا يعطونا وثيقة النجاح".

وتطالب الأحزاب الكردية السلطات السورية الجديدة بإلغاء جميع المراسيم الاستثنائية التي طالت مئات الآلاف من الأكراد في شمالي سوريا خلال حكم نظام عائلة الأسد.

كما تدعو إلى صياغة دستور جديد يقر ببناء دولة تعددية لا مركزية، تضمن حقوق جميع المكونات والأقليات الدينية والعرقية.

وكانت الإدارة الذاتية الكردية انتقدت، الخميس، الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، معتبرة أنه "يتنافى" مع تنوع سوريا ويضم بنودا تتشابه مع حقبة حكم حزب البعث.

وصادق الشرع، على المسودة الخاصة بـ"الإعلان الدستوري" التي صاغتها لجنة كان كلفها بهذه المهمة.

وتقضي مسودة "الإعلان الدستوري" بأن يتولى مجلس الشعب العملية التشريعية كاملة والسلطة التنفيذية يتولاها رئيس الجمهورية.

وفي ما يتعلق بعمل السلطات، جاء في الإعلان الدستوري "لأن مبدأ الفصل ما بين السلطات كان غائبا عن النظم السياسية، تعمّدنا اللجوء إلى الفصل المطلق بين السلطات" بعدما عانى السوريون "سابقا من تغوّل رئيس الجمهورية على باقي السلطات".

وبحسب الإعلان الدستوري، يعود للرئيس الانتقالي "تعيين ثلث" أعضاء مجلس الشعب الذي يتولّى "العملية التشريعية كاملة وبشكل منفرد".

وحدد الإعلان الدستوري مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ومنحت الرئيس أحمد الشرع حق إعلان حالة الطوارئ، جزئيا أو كليا، وبموافقة "مجلس الأمن القومي".

الرئيس السوري أحمد الشرع ـ الصورة لرويترز
الرئيس السوري أحمد الشرع ـ الصورة لرويترز

قالت عدة مصادر مطلعة إن بناء برج ترامب في دمشق وتهدئة التوتر مع إسرائيل ومنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى النفط والغاز السوري تندرج جميعها في خطة استراتيجية يتبناها الرئيس السوري، أحمد الشرع، في محاولة للقاء نظيره الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته إلى الشرق الأوسط.

ويحاول جوناثان باس، وهو ناشط أميركي مؤيد لترامب، التقى مع الشرع في 30 أبريل لمدة أربع ساعات في دمشق، إلى جانب ناشطين سوريين ودول خليجية، ترتيب لقاء تاريخي، وإن كان مستبعدا للغاية، بين الرئيسين هذا الأسبوع على هامش زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات.

وتكافح سوريا لتنفيذ الشروط التي وضعتها واشنطن لتخفيف العقوبات الأميركية، والتي تبقي البلاد في عزلة عن النظام المالي العالمي وتجعل التعافي الاقتصادي صعبا للغاية بعد حرب طاحنة دامت 14 عاما.

ويأمل باس أن يساعد اجتماع ترامب مع الشرع في تخفيف موقف الرئيس الجمهوري وإدارته تجاه دمشق وتهدئة التوتر المتصاعد بين سوريا وإسرائيل. ولا تزال الولايات المتحدة تضع الشرع على قائمة الإرهاب بسبب صلاته السابقة بتنظيم القاعدة.

ويرتكز جزء من هذه الرهانات على سجل ترامب في كسر المحظورات التقليدية للسياسة الخارجية الأميركية، مثل لقائه بزعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون، في المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين عام 2019.

وقال باس "الشرع يريد صفقة تجارية لمستقبل بلاده"، مشيرا إلى أن هذه الصفقة قد تشمل استغلال الطاقة والتعاون في مواجهة إيران والتعامل مع إسرائيل.

وأضاف "لقد أخبرني (الشرع) بأنه يريد بناء برج ترامب في دمشق. يريد السلام مع جيرانه. ما قاله لي جيد للمنطقة ولإسرائيل".

وأشار باس إلى أن الشرع تحدث أيضا عما يراه رابطا شخصيا بينه وبين ترامب: كلاهما تعرّض لمحاولة اغتيال ونجا منها بأعجوبة.

ولم يرد مسؤولون سوريون ولا مسؤول إعلامي في الرئاسة على طلب للتعليق.

وذكرت الرئاسة السورية أن الشرع تحدث إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأحد.

وقال مصدر مقرب من الشرع إن لقاء ترامب والشرع لا يزال ممكنا في السعودية، لكنه لم يؤكد ما إذا كان الشرع تلقى دعوة.

وأضاف المصدر "لن نعرف ما إذا كان هذا الاجتماع سيعقد أم لا حتى اللحظة الأخيرة".

جهود لترتيب لقاء

من الواضح أن عقد لقاء بين ترامب والشرع خلال زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة أمر غير مرجح على نطاق واسع، نظرا لجدول أعمال ترامب المزدحم وأولوياته والافتقار إلى التوافق داخل فريق ترامب حول كيفية التعامل مع سوريا.

وقال مصدر مطلع على الجهود الجارية إن اجتماعا سوريا أميركيا رفيع المستوى من المقرر أن يعقد في المنطقة خلال الأسبوع الذي سيزورها فيه ترامب، لكنه لن يكون بين ترامب والشرع.

وقال تشارلز ليستر، رئيس مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط "هناك بالتأكيد مساع جارية".

وأضاف "الفكرة هي أن الوصول إلى ترامب بشكل مباشر هو أفضل طريق لأن هناك الكثير من أصحاب الأيدولوجيات داخل الإدارة لدرجة يصعب تجاوزهم".

وقالت ثلاثة مصادر، أحدهم مسؤول أميركي مطلع على عملية صنع السياسات، إن واشنطن لم تتمكن بعد من صياغة وتوضيح سياسة متماسكة تجاه سوريا، لكن الإدارة تنظر بشكل متزايد إلى العلاقات مع دمشق من منظور مكافحة الإرهاب.

وذكر اثنان من المصادر أن هذا النهج اتضح خلال تشكيل الوفد الأميركي في اجتماع عقد الشهر الماضي بين واشنطن ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في نيويورك، والذي ضم مسؤولا كبيرا لمكافحة الإرهاب من وزارة الخارجية.

ووفقا للمصادر، قال مسؤولون أميركيون لشيباني إن واشنطن وجدت أن الخطوات التي اتخذتها دمشق غير كافية، وخاصة في ما يتعلق بالمطلب الأميركي باستبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الجيش وطرد أكبر عدد ممكن منهم.

وقال أحد المصادر إن وزارة الخزانة الأميركية نقلت منذ ذلك الحين مطالبها إلى الحكومة السورية، مما رفع عدد الشروط إلى أكثر من اثني عشر.

ورفضت وزارة الخارجية الأميركية الكشف عن هوية من حضر الاجتماع من الجانب الأميركي، وقالت إنها لا تعلق على المناقشات الدبلوماسية الخاصة.

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جيمس هيويت، إن تصرفات السلطات المؤقتة في سوريا سوف تحدد الدعم الأميركي المستقبلي أو تخفيف العقوبات المحتمل.

غصن الزيتون

أحد الأهداف الرئيسية لمبادرات سوريا تجاه واشنطن هو توصيل رسالة مفادها أنها لا تشكل أي تهديد لإسرائيل، التي صعدت من هجماتها الجوية في سوريا منذ أن أطاحت قوات المعارضة التي أصبحت تحكم البلاد الآن بالرئيس السابق بشار الأسد في نهاية العام الماضي.

واحتلت قوات برية إسرائيلية أراضي في جنوب غرب سوريا بينما ضغطت الحكومة على الولايات المتحدة لإبقاء سوريا لامركزية ومعزولة.

وقالت إسرائيل إنها تهدف إلى حماية الأقليات السورية، في حين رفضت سوريا الضربات ووصفتها بأنها تصعيدية.

وأكد الشرع الأسبوع الماضي وجود مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بهدف تهدئة التوترات، بعد أن ذكرت رويترز أن مثل هذه المحادثات جرت عبر الإمارات.

وفي مسعى منفصل، قال باس إن الشرع طلب منه نقل رسائل بين سوريا وإسرائيل ربما أدت إلى لقاء مباشر بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين.

لكن إسرائيل استأنفت الضربات سريعا، بما في ذلك ضربة بالقرب من القصر الرئاسي، والتي اعتبرتها رسالة إلى حكام سوريا لحماية الأقلية الدرزية في البلاد وسط اشتباكات مع المسلحين السنة.

وأضاف باس أن "الشرع أرسل غصن زيتون للإسرائيليين، وأرسلت إسرائيل الصواريخ".

وقال "نريد من ترامب المساعدة في ترتيب هذه العلاقة".