Syrian Kurdish women wearing the dress with the colors of the Kurdish and Syrian pre-Baath era national flags during an anti…
كرديات سوريات في تظاهرة في القامشلي تدعو لإسقاط نظام البعث في أبريل 2012

راهنا، وبعد مرور تسع سنوات على انطلاق الثورة السورية، فإن الأكراد السوريين يغالبهم شعور عام بـ"المقت" تجاهها. فبالرغم من كامل تاريخ مساهمتهم في هذه الثورة السورية، خصوصا في سنتها الأولى، حينما كان المتن العام للسياسة في سوريا منقسما بوضوح بين النظام والثورة فحسب، فإنهم صاروا يعتبرونها في المحصلة وجها أكثر فظاعة من النظام السوري نفسه.

هذا الشكل من العلاقة صار واقعا موضوعيا. إذ يقول الضمير الداخلي للكرد السوريين: الطرفان شموليان، سلطة ومعارضة، يسعيان للهيمنة المطلقة على المجال السياسي للبلاد، مع فارق بسيط، هو أن النظام السوري لا يتبنى أدوات تنفيذية ونزعة أيديولوجية لمحق الأكراد، ديموغرافيا ورمزيا على الأقل، وهو كذلك ليس لطبائعه الذاتية وقيمه الثقافية، بل فقط لحساباته الدقيقة لموازين القوى في البلاد، خصوصا بين الجماعات الأهلية.

يستشهد الأكراد السوريون بمئات الحوادث التي مارست فيها قوى المعارضة السورية، أو القوى العسكرية المدعومة من هذه المعارضة، أفعالا مشينة بحق الكرد، على رأسها النهب العام والقطع المريع لأشجار الزيتون في جبال عفرين والتغيير الديموغرافي في منطقة رأس العين. وهي أمور لم يفعل النظام السوري من مثلها، رغم تاريخ شموليته المطلقة طوال نصف قرن، كما يردد الكلام العام الكردي السوري كل يوم.

♦♦♦

شكلت متاركة الأكراد للثورة السورية واحدة من العلامات الفارقة على التحور العميق الذي طالها. فالأكراد السوريون كانوا الكتلة الأهلية الوحيدة، من غير العرب السنة السوريين، الذين شاركوا بزخم مطلق في الثورة في سنتها الأولى. كذلك فإن الحركة القومية الكردية السورية، بمختلف أحزابها، كانت الجهد السياسي الأمتن تنظيما ومساهمة في الحراك المعارض طوال العقد الكامل الذي سبق الثورة، خصوصا بعد أحداث انتفاضة القامشلي عام 2004.

بهذا المعنى، فإن متاركة الأكراد للثورة إنما سحبت منها طاقتها السياسية الأكثر زخما، وحولتها إلى مجرد صراع طائفي أهلي.

السلطوية الإسلامية تعتبر المجتمع الأهلي والسياسي الكردي كتلة صلبة يُستحال أسلمتها سياسيا

بمستويات مختلفة، لعبت وأنتجت الديناميكيات السياسية المؤثرة على الثورة السورية، منذ تسع سنوات وحتى الآن، أنتجت هذه المتاركة بالتقادم.

شكلت السلطوية الإسلامية/العروبية أول وأهم تلك الديناميكيات، بالذات تلك التي مثلت جماعة الإخوان المسلمين وما انفرز عنها من قوى متطرفة. فالسلطويون الإسلاميون، مثل النظام السوري بالضبط، كانوا منذ اللحظة الأولى يعتبرون أن أية مساحة للحرية والاستقلالية الكردية، راهنا ومستقبلا، إنما تمس مشروعهم العام بالهيمنة على سوريا.

صحيح أن السلطوية الإسلامية قمعت مختلف المجتمعات المحلية التي حكمتها، تحطيما لأية تيارات سياسية قد تكون منافسة لها، لكنها بقيت تعتبر المجتمع الأهلي والسياسي الكردي كتلة صلبة يُستحال أسلمتها سياسيا، أو حتى الاندراج في جزء منه، لذلك ليس من حل معها إلا بتحطيمها.

لم يكن موقف الإسلام السياسي السوري من الأكراد انعكاسا لخيار حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تقول دعاية الإسلام السياسي أنه انحاز وجر الموقف الكردية لصالح النظام السوري، بل كان بمعنى ما خيارا أوليا نابعا من طبيعة وهوية ذلك الإسلام السياسي.

فالاعتداء المسلح والرمزي على الأكراد في أحداث رأس العين عام 2012 وقع قبل أية علاقة واضحة بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي، وفي وقت كان هذا الحزب قوة هامشية في المتن السياسي العام للأكراد السوريين. كذلك فإن حجم "الكراهية" التي مارستها الأجنحة الإسلامية المسلحة تجاه القواعد الاجتماعية الكردية، تجاوزت أي شقاق سياسي. كانت تلك التصرفات والخطابات تنبع من ذات ومحرض أيديولوجي وثقافي، أكثر بكثير من كونها فاعلية سياسية انعكاسية.

المعارضون المدنيون السوريون، شخصيات وأحزاب، كان لهم نصيب غير قليل في ذلك. فغير ذلك الاعتراف الخجول بوجود مسألة كردية ما في البلاد، فإنهم فعلوا كل شيء حتى لا تطمئن القوى السياسية والقواعد الاجتماعية الكردية تجاههم.

كان تأجيل كل شيء، بما في ذلك الرؤية الواضحة للمسألة الكردية في البلاد مستقبلا، هو التوجه الاستراتيجي الرئيسية بالنسبة لهذه المعارضة، ومنذ الشهور الأولى من الثورة.

هذا الأمر الذي لم تكن القوى السياسية الكُردية تفسره إلا بكونه سعي للمماطلة حتى لحظة التمكن من الحكم، وبالتالي التخلي عن أية حاجة للتوافق مع "الشركاء" الكرد. هذه العقدة التي جربها الكرد مرات لا تحصى في تاريخهم الحديث.

في الجذر، كان ثمة تباين جوهري وأولي بين القوى السياسية الكردية ونظيرتها التي في المعارضة السورية، ما لبثت أحداث الثورة السورية أن كشفت عنها، وأوضحت معها أن تعايش الطرفين في الشهور الأولى من الثورة السورية كان بحكم الأمر الواقع، ليس إلا.

فقوى المعارضة كانت تتقصد لأن تتطابق هوية النظام السياسي السوري، الأيديولوجية والرمزية، مع ما كانت وما تزال عليه هوية الدولة السورية، بوثائقها وأجهزتها وعالمها الرمزي، كونها دولة مركزية عربية وسنية، تُبرز هويتها تلك في كل تفصيل وحركة. بينما كانت المسألة الكردية بجوهرها هي سعي لتغيير هوية الدولة في بنيانها الرئيسي ذلك، وليس النظام السياسي الحاكم فحسب. وهو أمر كانت تمانعه النخبة السياسية المعارضة بإصرار تام، بالضبط كما كان النظام السوري يرفض تغيير هوية وديناميكية الحكم.

كان المفكر التركي اسماعيل بيشكجي قد عالج ذلك مطولا وتفصيلا في الحالة الكردية/التركية في الكثير من كتبه. فقد كان يعتبر أن البنيان الذي شيّدت عليه الدولة التركية صُمم كمضاد لقابليتها على الاعتراف ومنح أية مساحة للجماعة الكردية، أو حتى أية جماعة أخرى. وأن أية شخصية سياسية أو قوة حزبية، مهما كانت نواياه طيبة تجاه التطلعات الكردية، فإنها لن تتمكن من منح الأكراد أي شيء، في ظلال هذا الهيكلة للدولة.

هذا الأمر كان ينطبق على الحالة السورية في علاقتها مع أكرادها أكثر مما كانت تنطبق على الحالتين العراقية والإيرانية. فالنخب السياسية السورية، وإلى حد بعيد الثقافية والاجتماعية، ظلت تؤمن أن العروبة الهوياتية والمركزية الدولاتية، أساسان جوهريان لعضد الدولة السورية، لأنهما وحدهما فحسب القادران على الاحتفاظ بما ظلوا يعتبرونه "ما بقي من سوريا"، بعدما تعرضت لأشكال من الاقتطاع المتواصل، وأن الخصوصية والمجال الكردي المستقل، إنما هو أيضا شكل تهديدي قد يتحول إلى "اقتطاع" ما، ولو مستقبلا.

♦♦♦

كافة تفاصيل الشروخ الإقليمية رسخت من تلك المفارقة. فالمعارضة السورية لاقت مشروع إردوغان الإسلامي والتوسعي في ذروة طموحه، بل صارت القصة الوحيدة القابلة للحياة بالنسبة لإردوغان، بعدما فشلت باقي حركات الإسلام السياسي في مختلف بقاع الربيع العربي من النجاح.

لم يكن لتلك الملاقاة أن تمر دون تندفع هذه المعارضة لترديد وتنفيذ كافة تفاصيل مشروع إردوغان المناهض للأكراد، خصوصا خلال وبعد العام 2015، في الوقت الذي صار أكراد تركيا عائقا أمام إردوغان وطموحاته الشمولية، حين اندفعت كتلتهم البرلمانية لرفض تحويل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي. فأوقف عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني وقتئذ، ودخل في تحالف مع الحركة القومية التركية المتطرفة، معتبرا مناهضة الأكراد، في تركيا وسوريا على حد سواء، هي أداة الحفاظ على ذلك الحلف مع الحركة القومية التركية.

كل تلك التفاصيل خلقت الأرضية الصلبة لمتاركة أكراد سوريا للثورة السورية

كانت المعارضة السورية في ذلك الوقت قد صارت في أضعف مراحلها، بعدما كان اتفاق النظام السوري مع روسيا قد دخل مراحله التنفيذية. وبذا صارت حاجة المعارضة للرعاية التركية مطلقة، وصار التوافق الأيديولوجي الطائفي الذي كان بين الطرفين نوعا من التحالف الذي لا عودة منه، كان الأكراد السوريون ومشروعهم السياسي الذي صار يتنامى بعد الانتصار في "حرب كوباني" أهم شيء توافق عليه الطرفان.

حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي سمحت له الظروف والقدرات التنظيمية والعسكرية الاستثنائية التي يتمتع بها وحيدا ضمن الأكراد السوريين، وشكل علاقته التضامنية والتداخلية مع حزب العمال الكردستاني، ساهم بزخم في خلق ذلك الشرخ. فالعمال الكردستاني، ولأسباب جيوسياسية وتاريخية مركبة، ما كان أن يكون مناهضا للنظام السوري وحلفائه الإقليميين بأي شكل، بالذات إيران. لأجل ذلك بالضبط، فإن الأكراد سوريا الذين انجبروا في ظلال توسع دائرة العنف السورية لأن يندرجوا في المشروع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لم يكونوا قادرين على اعتبار مسألة إسقاط النظام السوري مسألتهم المطلقة. ذلك الشرط الذي وضعته قوى المعارضة لقبولهم و"الرضا" عنهم.

كل تلك التفاصيل خلقت الأرضية الصلبة لمتاركة أكراد سوريا للثورة السورية، والتي دفع الطرفان أثمان غالية جراءها. لكن واقع احتكار قوى المعارضة الإسلامية والعروبية لتعريف وهوية وذات تلك الثورة، أيا كان سلوكياتها وأفعالها وتحالفاتها الجيوسياسية، كان الفاعل الأكثر فداحة لأن يقول الأكراد السوريون بأن ما يجري ليس ثورتهم، ومثلهم قال الكثير من السوريون. شيء شبيه بكثيرين آخرين، حينما شاهدوا النظام السوري يحتكر الدولة السورية، فقالوا هذا ليس وطننا.

اقرأ للكاتب أيضا: ليس الأسد وحده من يناهض الأكراد السوريين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.