بعد مساع ناجحة لحظره على الأجهزة الحكومية، يسعى مشرعون أميركيون إلى توسيع نطاق حظر تطبيق "تيك توك" الشهير الذي تملكه شركة "بايت دانس" الصينية، وأثار مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
وكان الرئيس السابق، دونالد ترامب، حاول حظر التطبيق وبيعه لشركة أميركية، لكن لم تكتمل المحاولات، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة، على مدار العام الماضي، وتحرك نصف عدد الولايات تقريبا لحظر التطبيق على الأجهزة المملوكة للحكومة.
وبعد حظر أقره الكونغرس على استخدامه في الأجهزة الحكومية، نهاية العام الماضي، وإقرار بايدن، بتفعيل هذا الحظر في الوكالات الفيدرالية، تعقد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، جلسة، الثلاثاء، لمناقشة مشروع جديد بشأن التطبيق، الذي حظى بشعبية كبيرة في الولايت المتحدة، حيث يستخدمه حوالي 113 مليون شخص، وفقا لشركة البينات Statista.
وعلى مدار السنوات القلية الماضية، كان التطبيق محور جدل مستمر، مع مساعي إدارة الرئيس السابق لحظره، فيما بذلت الشركة المالكة جهودا حثيثة لإزالة المخاوف.
مخاوف مستمرة
وجاء قرار البيت الأبيض بحظر التطبيق خلال 30 يوما، غداة قرار مماثل أصدرته الحكومة الكندية وحظرت بموجبه تنزيل التطبيق على أي من الهواتف والأجهزة الإلكترونية التابعة لها لأنه "ينطوي على مستوى غير مقبول من المخاطر التي تتهدد الخصوصية والأمن". وكانت المفوضية الأوروبية أيضا حظرت، الأسبوع الماضي، التطبيق على أجهزتها.
في غضون ذلك، جدد مشرعون أميركيون دعواتهم لحظر التطبيق، ودفعوا نحو تخلي شركة التكنولوجيا الصينية عن ملكيتها له.
وشكل مجلس النواب الجديد، الذي بات يهيمن عليه الجمهوريون، لجنة فرعية تسمى "لجنة المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والحزب الشيوعي الصيني" ستناقش المسألة، الثلاثاء. رئيس اللجنة، النائب الجمهوري من ويسكنسن، مايك غالاغر، قال في تصريحات نقلتها بلومبرغ إن "الاستراتيجية والتكتيكات التي يستخدمها الحزب الشيوعي الصيني للسيطرة على الشعب الصيني هي على نحو متزايد نفسها التي يستخدمها للسيطرة على الأميركيين".
ومن المقرر أن تصوت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على مشروع قانون يمنح بايدن صلاحيات جديدة لحظر التطبيق. وسيتطلب الحظر تمريره في مجلسي النواب والشيوخ قبل أن يوقع الرئيس عليه ليصبح قانونا، وفق رويترز. وتقول "سي أن بي سي" إن المشروع يمكن تمريره بسهولة في مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون. لكن مصيره في مجلس الشيوخ، ذي الأغلبية الديمقراطية غير واضح.
ورغم الانقسامات العميقة بين الحزبين الكبيرين في كل قضية تقريبا، إلا أن "شيئا واحدا يدعمه كل من الديمقراطيين والجمهوريين بأغلبية ساحقة وهو التدابير استباقية لوقف النفوذ العالمي المتزايد للصين".
موقع "وايرد" أورد تصريحات مشرعين أميركيين أبدوا الأسباب التي تدفعهم إلى القلق.
الجمهوري البارز، المرشح الرئاسي السابق، نائب رئيس لجنة الاستخبرات بمجلس الشيوخ، ماركو روبيو قال: "إذا كنت على استعداد لتحليق منطاد، وجعل الناس يرونه بالعين المجردة، فما الذي يجعلك لا تستخدم البيانات كسلاح؟ أو استخدام التطبيق لدفع روايات في المجتمع تحاول التأثير على النقاش السياسي في هذا البلد؟"
وقال: "حقيقة أن حكومة أجنبية يمكن أن تحصل على وصول فوري عند الطلب إلى مجموعة ضخمة من البيانات الأميركية ترتفع إلى مستوى مختلف تماما".
السيناتور الجمهوري مايك راوندز، من جانبه، قال: "ليس هناك شك في حقيقة أنهم يحاولون جمع أكبر قدر ممكن من البيانات عن جميع جوانب بلدنا، وحتى الأشياء الصغيرة يمكن أن تتراكم وتضيف كما هائلا من البيانات... إنهم صبورون".
النئاب الديمقراطي، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، مارك وارنر، أوضح أن هناك مخاوف من أن الشركة الصينية غير جديرة بالثقة بسبب علاقاتها بالحزب الشيوعي الصيني.
وفضلا عن مسألة علاقة الشركة بالصين، يشعر سياسيون أميركيون بالقلق إزاء تطور خوارزميات التطبيق، فجزء من جاذبية التطبيق التي تسبب الإدمان له هي قدرته على التنبؤ بالمقاطع التي يرغب الشخص في مشاهدتها.
ويرى المنتقدون، وفق تقرير "وايرد"، إنه لا يجمع البيانات فقط، بل يؤثر على الأذواق من خلال التلاعب بالعواطف "ويستطيع تعديل وتغيير سلوك المستخدم تماما".
تطمينات الشركة.. هل نجحت؟
ومنذ سنوات، تعمل الشركة على محاولة إقناع الأميركيين بأن المعلومات التي يتم جمعها عن المستخدمين في الولايات المتحدة يتم تخزينها في الولايات المتحدة، وليس الصين.
لكن تقريرا لموقع "باذ فييد"، نشر في يوليو من العام الماضي، أثار ضجة واسعة بعد الإشارة لتسجيلات صوتية مسربة من أكثر من 80 اجتماعا داخليا للشركة، كشف أن موظفي الشركة اطلعوا عدة مرات على بيانات خاصة عن مستخدمي التطبيق في الولايات المتحدة.
ورغم الشهادة التي أدلى بها مسؤول تنفيذي في "تيك توك" في جلسة استماع لمجلس الشيوخ في أكتوبر 2021 بأن "فريقا أمنيا عالميا مقره الولايات المتحدة" يقرر من يمكنه الوصول إلى هذه البيانات، تشير التسجيلات إلى لجوء الموظفين الأميركيين إلى زملائهم في الصين لتحديد كيفية تدفق بيانات المستخدمين في الولايات المتحدة.
ولإزالة المخاوف، اقترحت الشركة المالكة أن تتولى شركة "أوراكول" ومقرها ولاية تكساس مسؤولية تخزين البيانات للمستخدمين الأميركيين. وفي الوقت الحالي، تراجع لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS) الحكومية المقترح الذي يطلق عليه "Project Texas".
وذكر سايبر سكوب الأميركي في تقرير سابق أن الاقتراح يشمل أن تتولى عمليات "تيك توك" الأميركية شركة منفصلة لديها مجلس إدارة مستقل، تتم الموافقة عليه من قبل CFIUS الحكومية.
وكانت لجنة الاستثمار الأجنبي (CFIUS)، أوصت، في عام 2020، بأن تتخلى الشركة المالكة للتطبيق عنه.
وردا على الحملة المناهضة لها، وظفت الشركة الصينية حوالي 40 شخصا من جماعات الضغط في واشنطن، في الأشهر الأخيرة، بل أن الرئيس التنفيذي للشركة، شو زي تشيو، ذهب بنفسه إلى مبنى الكابيتول في محاولة للإقناع.
وكان السيناتور الديمقراطي، مايكل بينيت، قال للصحفيين في الكونغرس بعد استضافته في مكتبه إنه لم يتمكن من إزالة مخاوفه.
ونجحت الشركة في 2020 في منع حظره استنادا إلى تشريع سابق أقره الكونغرس نهاية الحرب الباردة، يطلق عليه "تعديلات بيرمان". والتشريع يسمح بحرية تداول المواد الإعلامية بين الولايات المتحدة والدول الأجنبية المعادية.
لكن المشروع الجديد الذي تناقشه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب لن تطبق عليه هذه الإعفاءات، وفق "سي أن بي سي" نقلا عن النائب مايكل ماكول، رئيس اللجنة.
وقال ماكول في بيان، الاثنين، إن المشروع "يخول الإدارة حظر "تيك توك" أو أي تطبيقات برمجية تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة"، وقال إنه لن تطبق عليه "تعيدلات بيرمان" التي تنقل "البيانات الشخصية الحساسة" للأميركيين إلى كيانات أو أفراد في الصين.
وقال إن "تيك توك" يسمح "(للصين) بالتلاعب ومراقبة مستخدميها" بينما تحصل على بيانات الأميركيين "لاستخدامها في أنشطتها الخبيثة".
من جانبه، قال متحدث باسم التطبيق، الاثنين، وفق ما نقلته رويترز: "سيكون من المؤسف أن تقوم لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب بفرض رقابة على ملايين الأميركيين، والقيام بذلك ليس على أساس معلومات استخبارية فعلية، ولكن على أساس سوء فهم أساسي لهيكل شركتنا"، مضيفا أن الشركة أنفقت أكثر من 1.5 دولار. مليار دولار على جهود أمن البيانات الصارمة.
وقال النائب رجا كريشنامورثي، وهو ديمقراطي يؤيد حظر "تيك توك"، في تصريحات لشبكة "سي بي أس"، الأحد، إنه لا يعتقد أنه سيتم حظره، وقال: "كل ما نقوله هو أنه إذا كانت (الشركة) ستعمل هنا، فلا تملك بيانات المستخدم والخوارزميات التي يتحكم فيها نظام معادي".
وقال بيان تيك توك": "إن الطريقة الأسرع والأكثر شمولا لمعالجة مخاوف الأمن القومي أن تتبنى CFIUS الاتفاقية المقترحة التي عملنا معها لمدة عامين تقريبا. وتتضمن تلك الخطة مستويات من الرقابة الحكومية والمستقلة لضمان عدم وجود أبواب خلفية يمكن استخدامها للوصول إلى البيانات أو التلاعب. تتجاوز هذه الإجراءات ما تفعله أي شركة نظيرة اليوم فيما يتعلق بالأمن".
غالاغر، رئيس اللجنة الفرعية في مجلس النواب، الذي يدعو لسحب التطبيق من الشركة الصينية، قال إن الشركة "لم ترد على الأسئلة الأساسية.. لقد طلبنا الشفافية بشأن الخوارزميات بشكل عام، وتحديد كيفية استخدام خدمة تتبع الموقع، وهو سؤال لن يجيبوا عليه أبدا".
ويقول رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ، الديمقراطي رون وايدن، إن "تيك توك جزء واحد من اللغز، والتحدي العام أنه إذا لم تتمكن من السيطرة على وسطاء البيانات.. ستصل جميع أنواع البيانات الشخصية في أميركا إلى الصين والقوى المعادية".
