برامج الذكاء الاصطناعي تثير مخاوف كبيرة بشأن الأمن السيبراني - صورة تعبيرية.
برامج الذكاء الاصطناعي تثير مخاوف كبيرة بشأن الأمن السيبراني - صورة تعبيرية.

يتزايد تأثير برامج الذكاء الاصطناعي على الأمن الإلكتروني، حيث يتم استخدامها لأغراض سلبية تشمل الجرائم الإلكترونية، وأخرى إيجابية لتعزيز الأمن السيبراني.

وتساعد هذه البرامج المبرمجين والمختصين في عالم البرمجة على تعزيز قدرات الاختراق وابتزاز الضحايا، فيما تساعد أيضا على تعزيز برامج الحماية والأمن لمكافحة الفيروسات والهجمات.

وأثار التبني الأخير لبرامج الذكاء الاصطناعي مخاوف كبيرة بشأن الأمن السيبراني بسبب الطرق العديدة التي يمكن للمجرمين استخدامها في هجماتهم وتحقيق الربح، وفقا لتقرير مطول نشره موقع "تالوس"، الاثنين.

وأشار التقرير أيضا إلى أن المبرمجين والعاملين لدى جهات إنفاذ القانون يمكنهم استخدام برامج الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن السيبراني والتصدي للأنشطة غير المشروعة.

ولفت إلى أن العقد الماضي شهد اعتمادا متزايدا واستخداما مكثفا للتعلم الآلي (ML) والذكاء الاصطناعي (AI) من قبل العديد من الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

وفي ظل هذا التطور الهائل، تطرح تساؤلات عن كيفية استغلال المجرمين لبرامج الذكاء الاصطناعي وابتزاز الضحايا للحصول على الأموال، وأبرز السبل المتاحة لمواجهتهم.

أعمال خبيثة

وتساعد هذه البرامج المستخدمين على إنشاء نصوص برمجية وتعديل الصور، وعلى تبسيط عمليات المجرمين، وجعلها أكثر كفاءة وتطورا وقابلية للتوسع مع السماح لهم بالتهرب من الاكتشاف.

وتشمل الأعمال الخبيثة للمجرمين نشر المعلومات المضللة، وتعديل الصور بهدف الابتزاز الجنسي، وإنشاء برامج ضارة وخبيثة، وفقا لمتخصصين بقطاع التكنولوجيا والأمن السيبراني.

ويسهل التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي عمل المحتالين لابتزاز ضحاياهم، بمن فيهم الأطفال، من خلال التلاعب بالصور البريئة وتحويلها إلى محتوى إباحي مزيف، وفق لما نقله تقرير لموقع "أكسيوس" عن خبراء نشر في يونيو الماضي.

ويرى الخبير التكنولوجي، سلوم الدحداح، أن المجرمين يستغلون برامج الذكاء الاصطناعي لمساعدتهم في صناعة برامج ضارة وخبيثة.

ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إن "المجرمين يستغلون الذكاء الاصطناعي لكتابة برامج الفدية، التي تشكل خطرا، حيث يقومون بالاستيلاء على معلومات معينة ويطلبون المال مقابل فك التشفير عنها، أو يقومون بحذفها".

وأضاف أن "هناك من يقوم أيضا باستغلال صور العائلات، وتركيبها وتعديلها، لابتزاز الضحايا جنسيا أو مقابل الحصول على المال، بحيث أنهم يقومون بتغيير الخلفية مثلا، بحيث تصبح الصورة غير واقعية".

التصدي للجرائم الإلكترونية

وفيما يتعلق بالتأثير الإيجابي للذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني، فإنه يساعد في مواجهة الأنشطة غير المشروعة، من خلال تطوير أدوات وتكتيكات واستراتيجيات جديدة لتحليل البيانات، والتنبؤ بالهجمات، وفقا لتقرير تالوس.

وتساعد هذه البرامج على تحديد واكتشاف التهديدات والوقاية منها، بالإضافة إلى إثراء التحليلات التنبؤية.

ويقول الدحداح، إنه "للحد من الجرائم الإلكترونية، يجب على سبيل المثال تعزيز آليات التحقق من الصور، بحيث أن برامج الذكاء الاصطناعي قبل استقبال أو قبول أي صورة يجب أن تتحقق من هوية المستخدم ومن أصحابها (الصور) الحقيقيين".

وتابع "توجد اليوم برامج للتحقق من صحة الصور الفوتوغرافية، وتمييزها عن الصورة المزيفة أو المعدلة".

تطورات مبهرة

وشهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة تطورات مبهرة جعلت الصور التي تنتجها تبدو شديدة الواقعية، ولاقت رواجا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، مما أثار تساؤلات بشأن سبل كشفها، وفقا لفرانس برس.

وألمحت الوكالة نقلا عن خبراء إلى أنه توجد طرق لتمييز الصور الحقيقية عن تلك المزيفة.

وتتيح بعض برمجيات الذكاء الاصطناعي، مثل "دال-إي"، "ميدجورني" و"ستايبل ديفيوجن" و"كرايون"، توليد صور بمجرد إدخال بعض الكلمات المفتاحية باللغة الإنكليزية مثل (رائد فضاء يركب حصانا على كوكب المريخ)، وذلك باستخدام قواعد بيانات ضخمة.

تمييز الصور

لكن كيف يمكن أن نميز هذه الصور؟ بعض مستخدمي مواقع التواصل يلجؤون إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنتاج أعمال فنية أو صور على سبيل الفكاهة، لكن آخرين يستخدمون هذه الأدوات لإنتاج صور مرتبطة بأحداث سياسية.

من بين هذه الصور الرائجة عبر مواقع التواصل الاجتماعي واحدة تعود للقاء الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في 20 مارس 2023، ومجموعة أخرى لمشاهد متخيلة تظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجمع النفايات.

وغالبا ما يعمد صانعو هذه الصور للإشارة إلى أنها نتاج برامج ذكاء اصطناعي، لكنها سرعان ما تنتشر خارج سياقها، ويصدق البعض أنها حقيقية.

وهناك أدوات عدة لكشف حقيقة هذه الصور، وأخرى قيد التطوير، إلا أن النتائج التي تقدمها ليست حاسمة، وقد تعطي نتائج غير دقيقة، بحسب تجارب قام بها صحفيو فرانس برس.

ويشرح ديفيد فيشينغر، المهندس المتخصص في الذكاء الاصطناعي في جامعة فيينا للتكنولوجيا لفرانس برس، أن عمل الذكاء الاصطناعي لا يقوم على مجرد اقتطاع أجزاء من صور لإعادة تركيبها، إذ "يلجأ إلى ملايين بل مليارات الصور لاستخراج بيانات منها، ثم يعيد استخدامها لتوليد صورة جديدة تماما".

وبدوره يوضح، فينسنت تيراسي، أحد مؤسسي شركة Draft&Goal الناشئة التي تطور أداة خاصة بالجامعات، تكشف المحتوى المنتج عبر الذكاء الاصطناعي، أن برامج الذكاء الاصطناعي تخلط الصور المتاحة لها في قاعدة البيانات ثم تفككها لتعيد بناء مشهد جديد تماما، لا يمكن تتبع العناصر المستخدمة في صناعته.

ولهذه الأسباب لا يمكن لمنصات كشف الذكاء الاصطناعي أن تصل لنتائج حاسمة في هذه المرحلة.

لكن ماذا عن البيانات الوصفيّة (Metadata) التي تعتبر بطاقة تعريفية للصورة ويمكن أن تتضمن معلومات عن أصلها؟

"للأسف لا يمكن الاعتماد على هذه البيانات لأنها تحذف مباشرة عند تحميل الصورة على مواقع التواصل"، بهذه العبارة تجيب الأستاذة في جامعة فريديريك -2 في نابولي والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أناليزا فيردوليفا، على سؤال فرانس برس.

وينصح خبراء بـ"العودة إلى مصدر الصورة، وتحليلها والبحث عن علامة مائية (ووتر مارك)، والتدقيق في نقاط الصورة (pixels)، والبحث عن تشوهات، والنظر إلى الخلفية".

وبالإضافة إلى كل ذلك يمكن أن تتضمن الصور المولّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي عناصر قد لا تكون مشوهة إلا أنها تشكل بوجودها خطأ منطقيا، لذلك يجب اتباع المنطق السليم عند التدقيق في صورة موضع شك.

وجوه وقضايا

الجانب المظلم من حقيقة الذكاء الاصطناعي

الحرة / خاص - واشنطن
21 مارس 2025

لتقنيات الذكاء الاصطناعي أثر إيجابي على كثير من مجالات حياتنا اليومية، لكن ما قد يخفى عن كثيرين هو تأثيراتها الضارة على الحياة بشكل عام: الحياة على هذا الكوكب.

استهلاك شركة مايكروسوفت من الكهرباء في عام 2023، على سبيل المثال، تجاوز 24 تيراواط، أي أكثر من استهلاك بلد مثل الأردن، أو حتى السعودية.

ويزيد الاستخدام المفرط للطاقة غير النظيفة لإنتاج الكهرباء من تداعيات الانبعاثات الضارة على البيئة. 

إلى جانب الكهرباء، يستخدم قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من المياه لتبريد الأجهزة المعالجة للخوارزميات المعقدة.

الجبهة الأمامية

مراكز البيانات هي الجبهة الأمامية في الصراع نحو تصدر مجال الذكاء الاصطناعي.

هذه المراكز ليست حديثة العهد، فقد أُسس أول مركز معني بالبيانات في جامعة بنسلفانيا الأميركية عام 1945 لدعم ما عُرف حينها كأول كمبيوتر رقمي متعدد الأغراض، "ENIAC" اختصارا.  

هذه المراكز هي العمود الفقري للحوسبة الحديثة المعنية بتخزين كميات ضخمة من البيانات ومعالجتها.

تلك البيانات تكفل استمرار تشغيل كافة المواقع العاملة عبر شبكة الإنترنت، ما يسهل عمل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.

لكن ظهور الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه تحديدا، مثل خدمات "تشات جي.بي.تي" و"جيميناي" مثلا، غيّر "دراماتيكيا" في عمل مراكز البيانات، وفقا لمقال نشره معهد ماساتشوستس للتقنية "أم آي تي". 

واليوم، تتكون تلك المراكز من بنايات صناعية كبيرة، في داخلها مجموعة من الأجهزة الإلكترونية الضخمة.

داخل تلك البنايات هناك أجهزة تخزين البيانات الرقمية وخوادم الاتصالات والحوسبة السحابية، التي تمكن من تخزين ومعالجة البيانات.

بين عامي 2022 و 2023 ارتفعت متطلبات مراكز البيانات من الطاقة، في أميركا الشمالية، من 2,688 ميغاواط إلى 5,341 ميغاواط، وفق تقديرات علماء.

جزء من هذا الارتفاع مرتبط بالاحتياجات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق "أم آي تي".

عالميا، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الطاقة، في عام 2022، 460 تيراواط.

وتحتل مراكز البيانات المرتبة 11 بين الأكثر استهلاكا للكهرباء سنويا حول العالم، وهي مرتبة وسط بين فرنسا (463 تيراواط) والسعودية (371 تيراواط)، وفقا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وبحلول 2026، تشير "أم آي تي"، إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يصل إلى 1,050 تيراواط، ما قد يرفعها إلى المرتبة الخامسة، بين اليابان وروسيا.

الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده ليس العامل الوحيد، يوضح المعهد التقني، لكنه "دافع أساسي" باتجاه زيادة الطلب على الطاقة والمياه. 

تستخدم تلك المراكز كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، وتكون لديها مصادر طاقة بديلة عند انقطاع التزويد أو في حالات الطوارئ، ما يمكّنها من الاستمرار في العمل.

لكن توفير الطاقة الكافية لتشغيل تلك المراكز أصبح تحديا في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدّم خطة لتطوير الطاقة النووية في الولايات المتحدة تحظى بدعم لافت من جمهوريين وديمقراطيين على حد السواء، وقد تشكل الحل الأكثر رفقا بالبيئة.

البروفسور آناند راو من جامعة كارنيغي ميلون أوضح لموقع "الحرة" أنه بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطاقة الكهربائية، ظهرت معضلة جديدة أمام تلك المراكز.

الأجهزة الإلكترونية الضخمة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة ترتفع حرارتها إلى درجات عالية جدا، ما يؤثر على قدرتها، وقد يؤدي حتى إلى تلفها.

قد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن على عكس حاسوبك الصغير الذي يستعمل مروحة أو اثنتين لتبريد رقاقاته الإلكترونية، تستخدم أجهزة مراكز البيانات الماء للتبريد.

تدخل آلاف الغالونات من الماء إلى مبادل حراري يشغل شبكة ضخمة ومتشعبة من الأنابيب والمبردات تمتد إلى كافة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، دون أن يلامس الماء، طبعا، أيا من الدارات الكهربائية.

ومثلما هو الحال بالنسبة للكهرباء، يضع استهلاك تلك الكميات الكبيرة من الماء ضغطا كبيرا على الموارد المحلية للمنطقة حيث تكون مركز البيانات.

بات من الواضح أن استدامة عمل تلك المراكز أصبحت مرتبطة بتأمين موارد كبيرة من الكهرباء والماء.

لكنّ هناك حلولا أخرى، بحسب البروفيسور راو، مثل استخدام النيتروجين للتبريد عوضا عن الماء.

رغم أن النيتروجين متوفر بكميات كبيرة، إذ يمثل نحو 78 في المئة من الهواء في الغلاف الجوي للأرض، فإن استخدامه للتبريد مكلف كثيرا، ما يجعل الماء خيارا اقتصاديا أفضل.

حلول مبتكرة تعيقها "الهلوسة"

عوضا عن بذل جهد كبير في محاولة تبريد الأجهزة الإلكترونية، لماذا لا يتم استخدام أجهزة تطلق حرارة أقل، ما يعني بالضرورة أنها تستهلك كمية أقل من الطاقة؟

قد يخيل إليك أن هذه فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، ولكن، مرة أخرى، يتحول الخيال إلى حقيقة.

تجري منذ مدة أبحاث تهدف لتطوير ما اصطلح على تسميته بحواسيب الكوانتوم التي تُعرف أيضاً باسم الحواسيب الكمومية.

اعتماد هذا النوع من الحواسيب على "فيزياء الكم" جعلها قادرة على القيام بعدد ضخم من الحسابات في وقت قصير ما جعلها تستخدم كمية طاقة أقل.

البيانات المعروفة بالإنكليزية بكلمة "بايت" وتعتمد نظام الرياضيات الثنائي المكون من رقمين هما 0 و1، وهو النظام المستخدم في الحواسيب.

لكن حواسيب الكم تعتمد على "الكيوبتات"، التي بإمكانها أن أن تكون في حالتي 0 و1 في نفس الوقت، وهو ما يعرف باسم التراكب الكمومي.

مكنت تلك الخاصية الفريدة هذه الحواسيب من إظهار قدرة كبيرة على فك المعادلات المعقدة وتقديم أجوبة متطورة على أسئلة مركبة، عبر معالجة العديد من المعادلات والمسائل في نفس الوقت.

وبالطبع، استخدمت حواسيب الكم في تطوير النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، لكن الأجوبة التي قدمتها كانت "غير مستقرة".

وتعبير "غير مستقرة" يعبر عنها أحياناً بـ "الهلوسة"، حسب ما أوضح لموقع "الحرة"، كل من سام رزنيك، الباحث في معهد الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورج تاون الأميركية، والبروفيسور راو.

هذه "الهلوسة" البرمجية تتمثل في تقديم نموذج الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة وغير منطقية أو مخالفة للواقع أو عبثية لا معنى لها.

مجتمع الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يسعى لتحسين قدرات حواسيب الكم، للاستفادة من قدراتها الفريدة خصوصا من ناحية الوصول إلى نفس النتائج لكن بجهد أقل ووقت أقصر.

سباق العمالقة

ويتوالى سباق السيطرة على هذه التكنولوجيا التي فتحت أبواب الأرباح المالية الضخمة والسيطرة السياسية وحتى العسكرية، وسط مخاوف من تهديدها حرية التفكير والتعبير.

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي نموا صاروخيا وحققت أرقاما فلكية.

ارتفع عدد مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نهاية فبراير بنسبة 33 في المئة مقارنة بنفس العدد في ديسمبر الماضي ليصل إلى 400 مليون مستخدم أسبوعيا.

ومن أهم مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نجد بنك "مورغان ستانلي" الاستثماري وشركات كبرى مثل "تي موبايل" و"مودرنا" و"أوبر".

أما نموذج "ديب سيك" الصيني، فارتفع عدد مستخدميه 12 مرة خلال شهر يناير الماضي، ليصل الآن إلى معدل 700 ألف مستخدم أسبوعيا.

والتحقت شركة "أكس.أيه.آي" بالركب، ومنذ طرحها نموذج "غروك 3" ارتفع عدد مستخدميه من 4.3 مليون إلى 31.5 مليون مستخدم يوميا، وذلك خلال 3 أسابيع فقط.

وزعمت الشركة المنتجة لنموذج "ديب سيك" الصيني أنه يقدم خدمة أقل كلفة ومماثلة لنظيره الأميركي "تشات جي.بي.تي" من شركة "أوبن أيه آي".

سرعان ما خرج نموذج أميركي آخر بعد أقل من شهر، يسمى "غروك 3"، ليقدم قدرات أكبر.

شركة "أكس أيه آي"، التي أسسها إيلون ماسك عام 2023، تقول إن نموذج "غروك 3" هو الأفضل حتى الآن.

ظهور "ديب سيك" شكل صدمة ليس للباحثين المختصين بل للأسواق العالمية وحتى السياسة الدولية.

"ديب سيك" اعتمد تقنية تسمى استخلاص النماذج، يقول رزنيك في حديثه لموقع "الحرة".

تعتمد هذه التقنية على طرح آلاف من الأسئلة على نموذج "تشات جي.بي.تي"، لفهم طريقة تحليله للمعلومات.

أي لفهم طريقة تفكيره، والتعلم منها عبر التدرب على ذلك النموذج.

وبناء على ذلك قام الباحثون الصينيون ببناء نموذج "ديب سيك"، باستخدام الأجوبة المقدمة من "تشات جي.بي.تي".

ومع ارتفاع عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتزايد الحاجة إلى مزيد من مراكز البيانات، ما يعني، في المحصلة، استهلاكا أكبر للكهرباء والمياه، وما يصحب ذلك من تآكل لإمكانيات استمرار الحياة على كوكب الأرض.

مفاجآت بالجملة

الباحثان اللذان تحدثنا إليهما يخالفان الاعتقاد السائد بأن الصينيين لا يملكون  قدرات حاسوبية كبيرة نظرا لتأخرهم في مجال الرقائق الإلكترونية.

فمنظومة "ديب سيك" أصبحت تستخدم عددا كبيرا من الرقائق المصنعة من طرف شركة هواوي الصينية.

يكشف رزنيك لنا سرا آخر من خبايا الصراع الخفي للسيطرة على شعلة القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي.

نموذج "ديب سيك" يعتمد على قدرات حاسوبية كبيرة، لكن السر يكمن في طبيعة الرقاقات الإلكترونية.

هناك نوعان رئيسيان من الرقاقات الإلكترونية المعتمدة في نماذج الذكاء الاصطناعي.

الرقائق المتقدمة مثل تلك المنتجة من شركة "إنفيديا"، ومقرها ولاية كاليفورنيا الأميركية، تعرف باسم رقائق "جي.بي.يو"، وتستخدم للعمليات المعقدة مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

كلمة "جي.بي.يو" هي الاختصار الإنكليزي لمصطلح "graphic processing unit" أو (GPU) اختصارا، وتعني "وحدات معالجة الصور".

مكنت قدرات تلك الرقائق شركة "إنفيديا" من الوصول إلى قيمة سوقية تعادل نحو 3 ترليون دولار.

رقائق "جي.بي.يو" لم تكن في الأصل معدة للاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي.

"إنفيديا" عملت منذ تأسيسها عام 1993، في مجال الألعاب الإلكترونية أو ألعاب الفيديو، وأرادت الحصول على صور ذات نوعية جيدة، تضفي طابعا أكثر واقعية على ألعاب الفيديو.

في ذلك الوقت كانت شركات التكنولوجيا مثل "إنتل" الأميركية تعمل على إنتاج رقائق حواسيب تعرف باسم "سي بي يو"، وهو الاختصار الإنكليزي لكلمة "سنترال بروسيسنغ يونت"، أو "وحدات المعالجة المركزية".

الرقائق الإلكترونية لوحدات المعالجة المركزية هي الأساس للحواسيب لذلك فهي أكثر انتشارا، لكن طريقة عملها تجعلها أقل تقدما في مجال الحسابات المعقدة.

من خلال التجارب الأولى للنماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي، تبين أن وحدات معالجة الصور المنتجة من شركة "إنفيديا"، هي الأفضل بسبب قدرتها على إجراء العمليات الحسابية المعقدة، مع حجم معالجة أكبر.

تحولت "إنفيديا" من شركة تعمل في مجال ألعاب الفيديو إلى المزود الرئيسي للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

منذ أعوام تشهد الولايات المتحدة والصين نزاعا بشأن الرقاقات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي

المفارقة أن التحول المفاجئ كان سبباً في قوة الصدمة الناجمة عن نجاح نموذج "ديب سيك".

القدرة على تقديم نموذج يستخدم قدرات حاسوبية أقل تقدماً وضع مستقبل شركة "إنفيديا" في مرمى الشك وأثر على التداولات في الأسواق.

وأصبحت رقاقات "إنفيديا" طلبا أساسيا لدى كبرى شركات التقنية مثل "أمازون" و"غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" وغيرها.

لكن الاهتمام بذلك الحدث تجاوز عالم المال والأعمال.

الحرة / خاص - واشنطن