الدراسة خلصت إلى حصول ارتفاع ملحوظ في شيوع تقنية التزييف العميق للوثائق والهويات بالكامل
الدراسة خلصت إلى حصول ارتفاع ملحوظ في شيوع تقنية التزييف العميق للوثائق والهويات بالكامل

كشفت دراسة جديدة حول عمليات الاحتيال عبر الإنترنت القائمة على انتحال الشخصية وتزييف الهوية، عن زيادة قدرها 10 أضعاف في عمليات الاحتيال المكتشفة والمعتمدة على التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي، بين العامين 2022 و2023. 

وعرضت الدراسة التي أعدتها منصة "Sumsub"، تحليلا شاملا لعمليات الاحتيال القائمة على تزييف الهوية، وصنفتها بحسب المناطق حول العالم ووفق مجالات العمل التي تستهدفها، كما لفتت في تقريرها إلى أبرز الأساليب والأنماط المعتمدة لانتحال الصفات وتزوير الهوية.

و"Sumsub" هي إحدى منصات التحقق من الهويات التي تساعد الشركات على مراقبة الاحتيال في جميع أنحاء العالم، وتساهم في رفع وعي الناس لجرائم الاحتيال المتعلقة بسرقة الهوية وانتحال الشخصية.

واستخدم التقرير مصطلح "الاحتيال في الهوية" ليشير إلى استخدام البيانات الشخصية أو الهوية المزيفة دون تصريح لأغراض ضارة، حيث حلل الاتجاهات والأنماط والتغيرات في عمليات "الاحتيال في الهوية" عبر سنوات الرصد، من خلال بيانات ناتجة عن أكثر من مليوني محاولة احتيال من 224 دولة ومنطقة حول العالم، ويشمل 28 مجال عمل، حيث قارن البيانات المُجمَّعة (2021 – 2022 – 2023) لمراقبة الاتجاهات، وقدَّم في الخلاصة استنتاجات شاملة حول ظواهر الاحتيال في الهوية. 

ويقول التقرير إنه وفي السنوات الثلاث الماضية، تطور مشهد الاحتيال مع تطوير تقنيات جديدة. واستنادا إلى نتائج الدراسة، يتضح أن هناك اتجاه تصاعدي ملحوظ في نسب الاحتيال المتعلق بالهوية، حيث أظهر المعدل زيادة كبيرة، تضاعفت نسبتها من 1.1 في المئة، في عام 2021، إلى 2 في المئة، في عام 2023.

أبرز أنواع الاحتيال

واستمرت أنماط الاحتيال المتعلقة بالهوية، في عام 2023، في التحول نحو تقنيات أكثر تعقيدا وتطورا، وبحسب التقرير كان أبرز خمسة أنواع من عمليات الاحتيال هي: 

الهويات المزيفة والتزوير

ويظهر التقرير أن بطاقة الهوية هي أكثر مستند عرضة للخطر يتم استغلاله في عمليات الاحتيال، حيث تمثل ما يقرب من 75 في المئة من جميع الأنشطة الاحتيالية التي تنطوي على وثائق. وجاء بعدها جواز السفر، ثم رخصة القيادة ومن بعدها تصريح الإقامة.

وأظهرت الدراسة أن عام 2023، شهد استهداف المحتالين بشكل متزايد للدول المتقدمة في عملية تزوير المستندات، حيث ارتفعت نسبة الهويات المزورة في هذه البلدان بمتوسط 163 في المئة، بينما ارتفعت نسبة جوازات السفر المزورة بنسبة 147 في المئة.

ويحذر التقرير من أن المستندات المرتبطة بالدول ذات الاقتصادات المتقدمة أصبحت أهدافا جديدة للمحتالين وغالبا ما يتم تزويرها واستخدامها، وذلك لأنها أكثر مصداقية وموثوقية. وعليه يجب على المنظمات والأفراد اللجوء للتحقق المعزز من المستندات، حتى تلك التي تظهر موثوقة وذات مصداقية. 

جواز سفر الإمارات هو وثيقة الهوية الأكثر تزويرا للعام 2023، حيث يتم تزوير جواز سفر واحد من كل أربعة جوازات، بينما رخصة القيادة البرازيلية كانت الأقل تزويرا على مستوى العالم، فيما شهدت رخصة القيادة الإثيوبية أسرع نمو في حالات التزوير في العالم. 

وعلى الرغم من أن بعض عمليات التزوير لا تزال تستخدم تقنيات أساسية مثل الصور المطبوعة، إلا أن هناك ارتفاعا ملحوظا في شيوع تقنية التزييف العميق للوثائق والهويات بالكامل.

وتضيف الدراسة أن التقدم التكنولوجي أتاح للمحتالين الوصول إلى أدوات وتقنيات متطورة لإنشاء مستندات مزيفة، تشبه إلى حد بعيد المستندات الأصلية.

وينقل التقرير عن رئيس قسم المنتجات في "Sumsub" أندرو نوفوسيلسكي، قوله إن الاحتيال قد تطور مع اعتماد إجراء العمليات عن بعد، لاسيما في الخدمات المالية والسفر والمواصلات، حيث لم يعد هناك اتصال مباشر بشخص حي، مما جذب المحتالين. كما أصبح من الأسهل إنشاء هويات جديدة، إذ بات يمكن لشخص واحد أن يكون لديه 100 أو 1000 هوية مختلفة عبر الإنترنت.

التزييف العميق 

ولا تزال تقنية التزييف العميق تشكل تهديدا كبيرا في مجال الاحتيال المتعلق بالهوية، حيث أدت سهولة الوصول على نطاق واسع لهذه التقنية إلى تمكين المجرمين، بحسب التقرير، من تزوير الصوت والصور والفيديو بطريقة واقعية للغاية بأساليب أسهل وأقل تكلفة، مما يخدع الأفراد وأنظمة منع الاحتيال. 

وبحسب رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في "Sumsub"، بافل غولدمان كالايدين، يمكن للمحتالين اعتمادا على مهاراتهم، محاولة خداع النظام بطرق عدة، بدءا من ارتداء الكمامة ببساطة إلى إنشاء تقنية تزييف عميق معقدة، والتي تستخدم التعلم الآلي إما لإنشاء شخصية مزيفة أو انتحال شخصية موجودة باستخدام صور ومقاطع فيديو معالجة لها، فضلا عن عملية إثارة الفضائح والتضليل بشأن شخصيات مشهورة.

ويضيف أن التزييف العميق للأصوات بات يستخدم بكثافة لخداع الناس واختراق حساباتهم، حيث وعلى سبيل المثال، نجح صحفي في دخول حسابه المصرفي الخاص باستخدام نسخة طبق الأصل من صوته باستخدام الذكاء الاصطناعي. 

الاستيلاء على الحسابات

وتقول الدراسة إنه وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز إجراءات الأمان، إلا أن عمليات الاستيلاء على الحسابات قد نمت بشكل ثابت. 

وأظهرت إحصاءات المنصة الداخلية، ارتفاع حوادث الاستيلاء على الحسابات العالمية بنسبة 155 في المئة في عام 2023.

ويمكن أن يُعزى التهديد المستمر للاستيلاء على الحسابات إلى عدة عوامل رئيسية:

التطور التقني: تتيح التطورات التكنولوجية تقنيات أكثر تعقيدا للمخالفين لاختراق بيانات اعتماد المستخدم، بما في ذلك هجمات التصيّد الاحتيالي والبرامج الضارة المتقدمة.

استغلال الثغرات البشرية: يقوم المحتالون بالتلاعب بالثقة واستخدام تكتيكات نفسية لخداع الأفراد ليقدموا معلومات حساباتهم عن غير قصد. وهذه الخاصية البشرية تجعل من الصعب اكتشاف هذا النوع من الاحتيال ومنعه.

استغلال نقاط الضعف في النظام البيئي الرقمي: أصبح المحتالون أكثر براعة في استهداف نقاط الضعف واستغلالها داخل النظم البيئية الرقمية. فمن خلال الاستفادة من الثغرات الأمنية في إحدى المنصات، يمكنهم الوصول غير المصرح به إلى منصات أخرى.

ولمنع الاستيلاء على الحسابات، تحتاج الشركات، وفق التقرير، إلى نشر أنظمة متقدمة لمكافحة الاحتيال. 

تشمل هذه الأنظمة المراقبة المستمرة لسلوك المستخدم والتنبيهات في الوقت الفعلي، إلى جانب إجراءات مثل المصادقة البيومترية وذكاء الجهاز والمزيد غيرها.

شبكات غسيل الأموال

كان غسيل الأموال من بين مخططات الاحتيال المعقدة الأكثر شيوعا، حيث يتم، بحسب الدراسة، تجنيد أفراد "يبدون أبرياء"، يجري استخدامهم في تحويل الأموال التي تم الحصول عليها بطرق غير شرعية، وإخفاء مصدرها.

التحقق القسري

يصف التقرير "التحقق القسري" بأنه اتجاه ناشئ في عمليات الاحتيال، يتم فيها التلاعب بالأفراد ليخضعوا لعملية التحقق لصالح المحتالين. 

وفي حين أن التحقق القسري ليس منتشرا حاليا بشكل واسع، إلا أن قلق الخبراء يزداد بشأن تأثيره المحتمل. 

ووفقا لإحصاءات المنصة الداخلية، ارتفع التحقق القسري من 0.31 في المئة إلى 3.52 في المئة من إجمالي حالات الاحتيال عالميا في عام 2023.

ونشرت الدراسة مؤشرات تدل على محاولة إجراء تحقق قصري أبرزها: وجود أصوات مشبوهة أثناء مكالمة التحقق، مثل المحادثات في الخلفية أو الأصوات المتكررة، والسلوك غير المعتاد، مثل استخدام الهاتف أو الأجهزة الخارجية الأخرى أثناء التحقق.

ومن أجل تجنب التحقق القسري تنصح الدراسة، أولا بنشر أنظمة كشف الاحتيال القائمة على الذكاء الاصطناعي مع تقنيات التعرف على الصوت التي يمكنها تحديد العيوب.

وثانيا تنصح بتدريب الموظفين على علامات التحقق القسري وتزويدهم بإرشادات حول كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف.

نتائج حسب الدول

أما الدول الأكثر عرضة للاحتيال في الهوية فهي بنغلاديش حيث تبلغ نسبة علميات الاحتيال 5.44 في المئة من إجمالي عدد عمليات التحقق التي أجرتها المنصة، يليها باكستان 4.59 في المئة، ثم لاتفيا 4.05 في المئة، هونغ كونغ 3.33 في المئة وتنزانيا 3.31 في المئة. 

وبينما تستمر بنغلاديش وباكستان في تصدر القائمة منذ العام 2021 رغم انخفاض معدلاتهما، فقد تضاعفت معدلات الاحتيال المتعلق بالهوية في لاتفيا وهونغ كونغ أكثر من الضعف مقارنة بعام 2022. 

وشهدت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا زيادة بنسبة 450 في المئة في تقنية التزييف العميق، وتتصدر الإمارات العربية المتحدة لائحة دول المنطقة مع تسجيل 2200 عملية احتيال من هذا النوع، ويعود ذلك لحضورها القوي على الإنترنت والتقدم التكنولوجي والنمو السريع المرتبط ببيئة الأعمال. 

يليها بين الدول العربية الجزائر (1000 حالة) ثم السعودية (700)، المغرب (580)، ثم لبنان والأردن وإيران وإسرائيل حيث سجل 500 حالة، تركيا (480)، الكويت (400)، مصر (300)، الصومال (200)، وسجل كل من اليمن وتونس وليبيا وقطر 100 حالة. 

ومن بين الدول الأفريقية، واجهت جنوب إفريقيا (19.7 في المئة) ونيجيريا (11.5 في المئة) أعلى عدد من هجمات تقنية التزييف العميق.

من جهتها، شهدت الولايات المتحدة ارتفاعا كبيرا في معدلات الاحتيال المتعلق بالهوية من 1.04 في المئة في عام 2021 إلى 2.30 في المئة في عام 2022، ثم سجلت انخفاضا لاحقا في عام 2023، استقر عند 1.68 في المئة. وأظهرت كندا زيادة تدريجية أكثر، حيث انتقلت من 0.56 في المئة في عام 2021 إلى 1.16 في المئة في عام 2023.

ويقول التقرير إن التقدم الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا التلاعب الرقمي، أدى إلى ارتفاع في الاحتيال الذي ينطوي على مقاطع فيديو وصور مزيفة. 

كما يساهم الانتشار الواسع لمحتوى الوسائط عالي الجودة وشعبية منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة في انتشار الاحتيال عبر تقنية التزييف العميق.

وأظهرت معدلات الاحتيال المتعلق بالهوية في أوروبا أنماطا متنوعة، في السنوات الثلاث الماضية، إذ شهدت لاتفيا وإستونيا وأوكرانيا زيادة ملحوظة في معدلات الاحتيال المتعلق بالهوية. 

في المقابل، حافظت دول مثل مالطا والبرتغال وسويسرا على نسب احتيال أقل نسبيا على مدار السنوات الثلاث الماضية، حيث بقيت جميعها أقل من واحد في المئة في عام 2023.

وشكلت هجمات تقنية التزييف العميق تحديات كبيرة لإسبانيا والمملكة المتحدة وألمانيا، حيث شكلت كل دولة منها أكثر من 10 في المئة من إجمالي الحالات في المنطقة. 

وبحسب الدراسة، فإن متوسط نمو عمليات الاحتيال في جميع أنحاء أوروبا هو +780 في المئة، ويعود ذلك إلى جاذبية هذه الدول المتقدمة اقتصاديا للمحتالين، بالإضافة إلى بنيتها التحتية الرقمية المتقدمة ووجودها الكبير على الإنترنت.

من جهة أخرى ازدادت تقنية التزييف العميق في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 1530 في المئة. وتعد فيتنام واليابان رائدتين في عدد الهجمات، حيث تتجاوزان الدول الأخرى بشكل كبير، إذ تشتهر اليابان باستخدام تقنية التزييف العميق في مجال الترفيه، مما قد يسمح للمحتالين باستغلال هذه التقنية في مجالات أخرى، وفق التقرير. 

في منطقة أميركا اللاتينية، ارتفعت معدلات الاحتيال المتعلق بالهوية في جميع الدول التي تم تحليلها في عام 2023.

ويُعزى ذلك إلى عوامل عدة بحسب الدراسة، بما في ذلك التزايد في رقمنة المعاملات والاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والاقتصاديات غير الرسمية. 

ويزيد من تعقيد المشكلة قدرة بعض المحتالين على تزوير وثائق باللغة البرتغالية والإسبانية، مما يزيد من مخاطر الاحتيال المتعلق بالهوية في دول أميركا اللاتينية.

وتشهد البرازيل أعلى عدد من حالات تقنية التزييف العميق في أميركا اللاتينية، حيث تمثل ما يقرب من نصف جميع الحوادث المبلغ عنها.

وترتبط معظم الحالات بقطاعات العملات الرقمية والتكنولوجيا المالية والألعاب الإلكترونية. يبلغ متوسط النمو في جميع أنحاء المنطقة +410 في المئة. 

قطاعات أكثر عرضة للاحتيال

يميل الاحتيال المتعلق بالهوية، بحسب الدراسة إلى استهداف الصناعات غير المنظمة بشكل أكثر تكرارا. 

ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى نقص اللوائح الصارمة ومتطلبات التحقق، مما يجعل من السهل على المحتالين استغلال نقاط الضعف. 

أما بالنسبة لأعلى خمسة مجالات عمل تشهد عمليات احتيال في الهوية، فهي:

وسائل الإعلام الإلكتروني، حيث شهد قطاع الإعلام عبر الإنترنت، الذي يشمل مواقع الأخبار وخدمات البث ومنصات التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية، أكبر ارتفاع في الاحتيال المتعلق بالهوية (بواقع أربع مرات)، مرتفعا من 1.56 في المئة إلى 4.27 في المئة بين عامي 2021 و2023.

وتخلق الجماهير الكبيرة بيئة عرضة لأنشطة الاحتيال مثل الحسابات المزيفة والتلاعب بالمشاركة ونشر المعلومات المضللة. 

الخدمات المهنية 3.14 في المئة

الرعاية الصحية 2.41 في المئة، حيث شهدت قفزة كبيرة في عام 2023، ارتفع معها معدل الاحتيال من عدم الإبلاغ عن أي حالات احتيال في عام 2021.

وفي النقل بلغت النسبة 2.03 في المئة.

وألعاب الفيديو بلغت 1.82 في المئة، بعدما كانت قد شهدت ذروة قدرها 3.1 في المئة في عام 2022، لكنها سجلت تراجعا في العام التالي.

وعلى العكس من ذلك، ظلت قطاعات مثل التعليم الإلكتروني مستقرة نسبيا، حتى أنها شهدت انخفاضا على مر السنين. 

أما في سياق التزييف العميق، فقد برز قطاع العملات المشفرة في الطليعة، يليه التكنولوجيا المالية، وذلك لكون طبيعة الرقمنة للقطاع وإمكانية تحقيق مكاسب مالية كبيرة والتحديات التنظيمية المستمرة، تخلق نقاط ضعف يستغلها المحتالون.

وينقل التقرير عن خبير الاحتيال والجرائم المالية، لوك ريفن، قوله إن التعاون بين القطاعات المختلفة ضروري لمكافحة الاحتيال بشكل فعال، مضيفا أن هناك حاجة إلى تجاوز الشراكات التقليدية بين القطاعات، حيث أن كسر الحواجز المعلوماتية وتبادل المعلومات بين مختلف المشاركين يعزز الوقاية والكشف والاستجابة للاحتيال. 

ويمكن أن يؤدي هذا إلى تحسين تحديد اتجاهات الاحتيال وتعقب المعاملات غير المشروعة وتطوير التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي: صديق أم عدو؟

وترى الدراسة أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في مكافحة الاحتيال، ولكنه يأتي مع مجموعة تحديات خاصة به. ففي حين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون سلاحا قويا في منع الاحتيال، فإنه يمكن أيضا استغلاله من قبل المحتالين الذين يستخدمونه لمصلحتهم. 

ويعتبر الذكاء الاصطناعي سلاحا دفاعيا قويا ضد موجة الاحتيال المتصاعدة المتعلقة بالهوية. ومع تطور أساليب الاحتيال وازدياد تعقيدها، أصبحت حلول منع الاحتيال التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها للمؤسسات والأفراد على حد سواء. 

يمكن لنماذج التعلم الآلي تحليل مجموعات بيانات ضخمة، وتحديد الأنماط غير المعتادة والتناقضات التي قد تشير إلى نشاط احتيالي، كما يمكن توظيف خوارزميات معالجة اللغة الطبيعية للكشف عن رسائل التصيد الاحتيالي، مما يحمي المستخدمين. 

ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي حتى التحقق من الهويات باستخدام البيانات الحيوية، مما يقلل من مخاطر الوصول غير المصرح به.

وعليه بات من المهم، وفق التقرير، الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على التقدم بخطوة واحدة على أولئك الذين يسعون إلى استغلاله.

توقعات لعام 2024

وعرضت الدراسة توقعات المنصة لما قد يشهده عام 2024 في عالم الاحتيال، حيث توقعت أن تصبح تقنية التزييف العميق أكثر تقدما وصعوبة في الكشف، وأن تتصاعد السيطرة على الحسابات وتحويل الأموال.

كما من المتوقع أن يستمر انتشار شراء الحسابات وعمليات تحويل الأموال، حيث سيجد المحتالون طرقا مبتكرة لاستغلال هذه الأساليب، مما يتطلب إجراءات مضادة أكثر قوة واستجابات تنظيمية.

وفيما يتعلق بالتدابير الوقائية، توقعت المنصة أن يتم فرض قواعد صارمة على شبكات التواصل الاجتماعي، وأن تنتقل حيازة بيانات الهوية من التخزين العالمي إلى السلطات المحلية، ما من شأنه أن يعزز من أمن البيانات والخصوصية والسيطرة المحلية على المعلومات الشخصية الحساسة.

كذلك قد تدفع اللوائح الأكثر صرامة إلى اعتماد الهوية الإلكترونية (eID) أو التحقق من الهوية باستخدام الفيديو مع العمليات الآلية، الأمر الذي سيوفر طرقا محسنة لتأكيد الهويات الفردية.

وقد تحظى تقنيات "Web3" والحلول اللامركزية باعتماد أوسع، وفق الدراسة، مما يوفر أمانا أفضل وتحكما في البيانات الشخصية في بيئة رقمية لامركزية.

وتوقع التقرير أيضا أن يكون هناك تركيز متزايد على التحقق من الهوية بدون وثائق واعتماد طرق بديلة للتحقق من الهوية، مما يوفر خيارات متنوعة وقوية لتأكيد الهويات.

كما من المرجح أن يشهد سوق التحقق من الهوية ومنع الاحتيال توحيدا، حيث تتعاون الجهات الفاعلة الرئيسية لتقديم حلول أكثر شمولا.

وسيصبح تحليل الشبكات ضروريا، بحسب الدراسة، لمكافحة الاحتيال بشكل فعال، مما يسمح للمؤسسات بالكشف عن الأنماط والاتصالات المعقدة التي تشير إلى أنشطة الاحتيالية.

نصائح عامة

وفي سبيل منع الاحتيال المتعلق بالهوية للشركات تنصح الدراسة بـ:

تنفيذ بروتوكولات "اعرف عميلك" (KYC): وذلك من خلال فرض إجراءات قوية عند إدراج العملاء الجدد، وتحديث بيانات العملاء ومصادقتها بشكل منتظم، إضافة إلى الاستثمار في التقنية لتحديد مقاطع الفيديو والصوت المزيفة باستخدام التزييف العميق.

تأمين تخزين البيانات: عبر استخدام التشفير للبيانات الحساسة وتحديث قواعد البيانات والاحتفاظ بنسخ احتياطية بشكل منتظم، فضلا عن تحديد الوصول إلى المعلومات الحساسة.

تطبيق طرق مصادقة قوية عبر المصادقة الثنائية للوصول إلى أنظمة الشركة، وتحديث وتقوية سياسات كلمات المرور بشكل منتظم.

برامج التدريب والتوعية المنتظمة، عبر تثقيف الموظفين حول أحدث أساليب الاحتيال، وإجراء تدريبات منتظمة على الأمن السيبراني.

مراقبة المعاملات في الوقت الفعلي لرصد الأنشطة المشبوهة، وإعداد تنبيهات للأنماط غير المعتادة.

التحقق من البائعين عبر التأكد من أنهم يتبعون بروتوكولات أمنية صارمة، ومراجعة إجراءاتهم الأمنية بانتظام.

تحديث أنظمة الأمن عبر الحفاظ على تحديث جميع البرامج، وخاصة برامج الأمان، ومعالجة نقاط الضعف في النظام بشكل منتظم.

تطبيق خطة استجابة للاختراقات المحتملة وتدريب الموظفين عليها بانتظام.

تطبيق الأمن المادي عبر ضمان وجود ضوابط وصول آمنة إلى مباني الشركة واستخدام أنظمة المراقبة مثل كاميرات المراقبة (CCTV).

إجراء مراجعة وفحص أمني منتظم ومراجعة وتحديث سياسات الأمن حسب الحاجة.

تشجيع الموظفين على الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة وإنشاء نظام إبلاغ مجهول المصدر إذا لزم الأمر.

نصائح للموظفين: 

حماية المعلومات الشخصية وعدم مشاركة التفاصيل الشخصية على المنصات العامة.

مراجعة وتنظيف ملفات تعريف وسائل التواصل الاجتماعي بانتظام.

الحذر من الاتصالات غير المرغوب فيها خاصة تلك التي تطلب معلومات شخصية، والتأكد دائما من هوية مقدم الطلب.

استخدم كلمات مرور قوية وفريدة لجميع الحسابات، وتثبيت وتحديث برامج مكافحة الفيروسات بانتظام.

تعلم كيفية اكتشاف مقاطع الفيديو والمقاطع الصوتية المزيفة وخصائص التزييف العميق

حماية المستندات الورقية المهمة في مكان آمن وتمزيق المستندات غير الضرورية التي تحتوي على تفاصيل شخصية.

مراقبة الحسابات الشخصية والبحث فيها عن أنشطة مشبوهة

تجنب استخدام شبكات الواي فاي العامة غير الآمنة.

الحذر مع رسائل البريد الإلكتروني لناحية الروابط المشبوهة والمرفقات والتصيد الاحتيالي

الاطلاع على أحدث مخططات الاحتيال ومتابعة تدريبات الأمن السيبراني التي تقدمها الشركة.

استخدم البصمة أو رموز PIN لقفل الأجهزة الشخصية، وقم بتسجيل الخروج من التطبيقات أو المواقع الإلكترونية بعد الاستخدام.

الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة خاصة ما يتعلق بالبيانات الشخصية والأموال. 

وجوه وقضايا

الجانب المظلم من حقيقة الذكاء الاصطناعي

الحرة / خاص - واشنطن
21 مارس 2025

لتقنيات الذكاء الاصطناعي أثر إيجابي على كثير من مجالات حياتنا اليومية، لكن ما قد يخفى عن كثيرين هو تأثيراتها الضارة على الحياة بشكل عام: الحياة على هذا الكوكب.

استهلاك شركة مايكروسوفت من الكهرباء في عام 2023، على سبيل المثال، تجاوز 24 تيراواط، أي أكثر من استهلاك بلد مثل الأردن، أو حتى السعودية.

ويزيد الاستخدام المفرط للطاقة غير النظيفة لإنتاج الكهرباء من تداعيات الانبعاثات الضارة على البيئة. 

إلى جانب الكهرباء، يستخدم قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من المياه لتبريد الأجهزة المعالجة للخوارزميات المعقدة.

الجبهة الأمامية

مراكز البيانات هي الجبهة الأمامية في الصراع نحو تصدر مجال الذكاء الاصطناعي.

هذه المراكز ليست حديثة العهد، فقد أُسس أول مركز معني بالبيانات في جامعة بنسلفانيا الأميركية عام 1945 لدعم ما عُرف حينها كأول كمبيوتر رقمي متعدد الأغراض، "ENIAC" اختصارا.  

هذه المراكز هي العمود الفقري للحوسبة الحديثة المعنية بتخزين كميات ضخمة من البيانات ومعالجتها.

تلك البيانات تكفل استمرار تشغيل كافة المواقع العاملة عبر شبكة الإنترنت، ما يسهل عمل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.

لكن ظهور الذكاء الاصطناعي، التوليدي منه تحديدا، مثل خدمات "تشات جي.بي.تي" و"جيميناي" مثلا، غيّر "دراماتيكيا" في عمل مراكز البيانات، وفقا لمقال نشره معهد ماساتشوستس للتقنية "أم آي تي". 

واليوم، تتكون تلك المراكز من بنايات صناعية كبيرة، في داخلها مجموعة من الأجهزة الإلكترونية الضخمة.

داخل تلك البنايات هناك أجهزة تخزين البيانات الرقمية وخوادم الاتصالات والحوسبة السحابية، التي تمكن من تخزين ومعالجة البيانات.

بين عامي 2022 و 2023 ارتفعت متطلبات مراكز البيانات من الطاقة، في أميركا الشمالية، من 2,688 ميغاواط إلى 5,341 ميغاواط، وفق تقديرات علماء.

جزء من هذا الارتفاع مرتبط بالاحتياجات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق "أم آي تي".

عالميا، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الطاقة، في عام 2022، 460 تيراواط.

وتحتل مراكز البيانات المرتبة 11 بين الأكثر استهلاكا للكهرباء سنويا حول العالم، وهي مرتبة وسط بين فرنسا (463 تيراواط) والسعودية (371 تيراواط)، وفقا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وبحلول 2026، تشير "أم آي تي"، إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يصل إلى 1,050 تيراواط، ما قد يرفعها إلى المرتبة الخامسة، بين اليابان وروسيا.

الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده ليس العامل الوحيد، يوضح المعهد التقني، لكنه "دافع أساسي" باتجاه زيادة الطلب على الطاقة والمياه. 

تستخدم تلك المراكز كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، وتكون لديها مصادر طاقة بديلة عند انقطاع التزويد أو في حالات الطوارئ، ما يمكّنها من الاستمرار في العمل.

لكن توفير الطاقة الكافية لتشغيل تلك المراكز أصبح تحديا في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدّم خطة لتطوير الطاقة النووية في الولايات المتحدة تحظى بدعم لافت من جمهوريين وديمقراطيين على حد السواء، وقد تشكل الحل الأكثر رفقا بالبيئة.

البروفسور آناند راو من جامعة كارنيغي ميلون أوضح لموقع "الحرة" أنه بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطاقة الكهربائية، ظهرت معضلة جديدة أمام تلك المراكز.

الأجهزة الإلكترونية الضخمة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة ترتفع حرارتها إلى درجات عالية جدا، ما يؤثر على قدرتها، وقد يؤدي حتى إلى تلفها.

قد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن على عكس حاسوبك الصغير الذي يستعمل مروحة أو اثنتين لتبريد رقاقاته الإلكترونية، تستخدم أجهزة مراكز البيانات الماء للتبريد.

تدخل آلاف الغالونات من الماء إلى مبادل حراري يشغل شبكة ضخمة ومتشعبة من الأنابيب والمبردات تمتد إلى كافة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، دون أن يلامس الماء، طبعا، أيا من الدارات الكهربائية.

ومثلما هو الحال بالنسبة للكهرباء، يضع استهلاك تلك الكميات الكبيرة من الماء ضغطا كبيرا على الموارد المحلية للمنطقة حيث تكون مركز البيانات.

بات من الواضح أن استدامة عمل تلك المراكز أصبحت مرتبطة بتأمين موارد كبيرة من الكهرباء والماء.

لكنّ هناك حلولا أخرى، بحسب البروفيسور راو، مثل استخدام النيتروجين للتبريد عوضا عن الماء.

رغم أن النيتروجين متوفر بكميات كبيرة، إذ يمثل نحو 78 في المئة من الهواء في الغلاف الجوي للأرض، فإن استخدامه للتبريد مكلف كثيرا، ما يجعل الماء خيارا اقتصاديا أفضل.

حلول مبتكرة تعيقها "الهلوسة"

عوضا عن بذل جهد كبير في محاولة تبريد الأجهزة الإلكترونية، لماذا لا يتم استخدام أجهزة تطلق حرارة أقل، ما يعني بالضرورة أنها تستهلك كمية أقل من الطاقة؟

قد يخيل إليك أن هذه فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، ولكن، مرة أخرى، يتحول الخيال إلى حقيقة.

تجري منذ مدة أبحاث تهدف لتطوير ما اصطلح على تسميته بحواسيب الكوانتوم التي تُعرف أيضاً باسم الحواسيب الكمومية.

اعتماد هذا النوع من الحواسيب على "فيزياء الكم" جعلها قادرة على القيام بعدد ضخم من الحسابات في وقت قصير ما جعلها تستخدم كمية طاقة أقل.

البيانات المعروفة بالإنكليزية بكلمة "بايت" وتعتمد نظام الرياضيات الثنائي المكون من رقمين هما 0 و1، وهو النظام المستخدم في الحواسيب.

لكن حواسيب الكم تعتمد على "الكيوبتات"، التي بإمكانها أن أن تكون في حالتي 0 و1 في نفس الوقت، وهو ما يعرف باسم التراكب الكمومي.

مكنت تلك الخاصية الفريدة هذه الحواسيب من إظهار قدرة كبيرة على فك المعادلات المعقدة وتقديم أجوبة متطورة على أسئلة مركبة، عبر معالجة العديد من المعادلات والمسائل في نفس الوقت.

وبالطبع، استخدمت حواسيب الكم في تطوير النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، لكن الأجوبة التي قدمتها كانت "غير مستقرة".

وتعبير "غير مستقرة" يعبر عنها أحياناً بـ "الهلوسة"، حسب ما أوضح لموقع "الحرة"، كل من سام رزنيك، الباحث في معهد الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورج تاون الأميركية، والبروفيسور راو.

هذه "الهلوسة" البرمجية تتمثل في تقديم نموذج الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة وغير منطقية أو مخالفة للواقع أو عبثية لا معنى لها.

مجتمع الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يسعى لتحسين قدرات حواسيب الكم، للاستفادة من قدراتها الفريدة خصوصا من ناحية الوصول إلى نفس النتائج لكن بجهد أقل ووقت أقصر.

سباق العمالقة

ويتوالى سباق السيطرة على هذه التكنولوجيا التي فتحت أبواب الأرباح المالية الضخمة والسيطرة السياسية وحتى العسكرية، وسط مخاوف من تهديدها حرية التفكير والتعبير.

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي نموا صاروخيا وحققت أرقاما فلكية.

ارتفع عدد مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نهاية فبراير بنسبة 33 في المئة مقارنة بنفس العدد في ديسمبر الماضي ليصل إلى 400 مليون مستخدم أسبوعيا.

ومن أهم مستخدمي "تشات جي.بي.تي" نجد بنك "مورغان ستانلي" الاستثماري وشركات كبرى مثل "تي موبايل" و"مودرنا" و"أوبر".

أما نموذج "ديب سيك" الصيني، فارتفع عدد مستخدميه 12 مرة خلال شهر يناير الماضي، ليصل الآن إلى معدل 700 ألف مستخدم أسبوعيا.

والتحقت شركة "أكس.أيه.آي" بالركب، ومنذ طرحها نموذج "غروك 3" ارتفع عدد مستخدميه من 4.3 مليون إلى 31.5 مليون مستخدم يوميا، وذلك خلال 3 أسابيع فقط.

وزعمت الشركة المنتجة لنموذج "ديب سيك" الصيني أنه يقدم خدمة أقل كلفة ومماثلة لنظيره الأميركي "تشات جي.بي.تي" من شركة "أوبن أيه آي".

سرعان ما خرج نموذج أميركي آخر بعد أقل من شهر، يسمى "غروك 3"، ليقدم قدرات أكبر.

شركة "أكس أيه آي"، التي أسسها إيلون ماسك عام 2023، تقول إن نموذج "غروك 3" هو الأفضل حتى الآن.

ظهور "ديب سيك" شكل صدمة ليس للباحثين المختصين بل للأسواق العالمية وحتى السياسة الدولية.

"ديب سيك" اعتمد تقنية تسمى استخلاص النماذج، يقول رزنيك في حديثه لموقع "الحرة".

تعتمد هذه التقنية على طرح آلاف من الأسئلة على نموذج "تشات جي.بي.تي"، لفهم طريقة تحليله للمعلومات.

أي لفهم طريقة تفكيره، والتعلم منها عبر التدرب على ذلك النموذج.

وبناء على ذلك قام الباحثون الصينيون ببناء نموذج "ديب سيك"، باستخدام الأجوبة المقدمة من "تشات جي.بي.تي".

ومع ارتفاع عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتزايد الحاجة إلى مزيد من مراكز البيانات، ما يعني، في المحصلة، استهلاكا أكبر للكهرباء والمياه، وما يصحب ذلك من تآكل لإمكانيات استمرار الحياة على كوكب الأرض.

مفاجآت بالجملة

الباحثان اللذان تحدثنا إليهما يخالفان الاعتقاد السائد بأن الصينيين لا يملكون  قدرات حاسوبية كبيرة نظرا لتأخرهم في مجال الرقائق الإلكترونية.

فمنظومة "ديب سيك" أصبحت تستخدم عددا كبيرا من الرقائق المصنعة من طرف شركة هواوي الصينية.

يكشف رزنيك لنا سرا آخر من خبايا الصراع الخفي للسيطرة على شعلة القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي.

نموذج "ديب سيك" يعتمد على قدرات حاسوبية كبيرة، لكن السر يكمن في طبيعة الرقاقات الإلكترونية.

هناك نوعان رئيسيان من الرقاقات الإلكترونية المعتمدة في نماذج الذكاء الاصطناعي.

الرقائق المتقدمة مثل تلك المنتجة من شركة "إنفيديا"، ومقرها ولاية كاليفورنيا الأميركية، تعرف باسم رقائق "جي.بي.يو"، وتستخدم للعمليات المعقدة مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

كلمة "جي.بي.يو" هي الاختصار الإنكليزي لمصطلح "graphic processing unit" أو (GPU) اختصارا، وتعني "وحدات معالجة الصور".

مكنت قدرات تلك الرقائق شركة "إنفيديا" من الوصول إلى قيمة سوقية تعادل نحو 3 ترليون دولار.

رقائق "جي.بي.يو" لم تكن في الأصل معدة للاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي.

"إنفيديا" عملت منذ تأسيسها عام 1993، في مجال الألعاب الإلكترونية أو ألعاب الفيديو، وأرادت الحصول على صور ذات نوعية جيدة، تضفي طابعا أكثر واقعية على ألعاب الفيديو.

في ذلك الوقت كانت شركات التكنولوجيا مثل "إنتل" الأميركية تعمل على إنتاج رقائق حواسيب تعرف باسم "سي بي يو"، وهو الاختصار الإنكليزي لكلمة "سنترال بروسيسنغ يونت"، أو "وحدات المعالجة المركزية".

الرقائق الإلكترونية لوحدات المعالجة المركزية هي الأساس للحواسيب لذلك فهي أكثر انتشارا، لكن طريقة عملها تجعلها أقل تقدما في مجال الحسابات المعقدة.

من خلال التجارب الأولى للنماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي، تبين أن وحدات معالجة الصور المنتجة من شركة "إنفيديا"، هي الأفضل بسبب قدرتها على إجراء العمليات الحسابية المعقدة، مع حجم معالجة أكبر.

تحولت "إنفيديا" من شركة تعمل في مجال ألعاب الفيديو إلى المزود الرئيسي للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

منذ أعوام تشهد الولايات المتحدة والصين نزاعا بشأن الرقاقات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي

المفارقة أن التحول المفاجئ كان سبباً في قوة الصدمة الناجمة عن نجاح نموذج "ديب سيك".

القدرة على تقديم نموذج يستخدم قدرات حاسوبية أقل تقدماً وضع مستقبل شركة "إنفيديا" في مرمى الشك وأثر على التداولات في الأسواق.

وأصبحت رقاقات "إنفيديا" طلبا أساسيا لدى كبرى شركات التقنية مثل "أمازون" و"غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" وغيرها.

لكن الاهتمام بذلك الحدث تجاوز عالم المال والأعمال.

الحرة / خاص - واشنطن