شهدت تونس هجمات دامية في 2015.
شهدت تونس هجمات دامية في 2015.

رغم الرقابة الشديدة التي يفرضها الأمن، ويتلمس المجتمع نتائجها، لا يزال كفاح تونس مستمرا للتصدي للتهديدات الجهادية، وكان آخرها الشاب التونسي إبراهيم العيساوي المشتبه فيه في هجوم نيس بفرنسا.

ووفقا للشرطة في كلا البلدين، فإن العيساوي لم يكن مدرجا على أي قائمة تونسية أو فرنسية للجهاديين الأمر الذي يشير إليه الكاتب الصحفي التونسي المختص بشؤون الجماعات الجهادية، باسل ترجمان، بقوله: "الجماعات الجهادية تواصل تجنيد واستقطاب عناصر جديدة، كثير منها غير معروف لدى الأجهزة الأمنية، وهذا واقع الحال مع العيساوي منفذ عملية نيس الإرهابية".

وكانت مزاعم انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، نسبت هجوم نيس إلى جماعة، لم تكن معروفة من قبل، تسمى منظمة "المهدي في الجنوب التونسي"، الأمر الذي قالت السلطات التونسية أنها تحقق فيه.

وشهدت تونس في السنوات الأخيرة، وهجمات جهادية نُفِّذت بشكل أساسي من قبل أشخاص متطرفين، يتم استقطابهم عبر الإنترنت.

ويقول ترجمان لموقع "الحرة": "طالما هنالك فضاءات تواصل مفتوحة تمرر من خلالها الجماعات الإرهابية فكرها المتطرف بكل يسر، علينا أن نتوقع دائما تجنيد أجيال جديدة من الإرهابيين".

وتتشابه عمليات الاستقطاب التي تقوم بها الجماعات الإرهابية في كل دول العالم، بحسب ما يقول الكاتب المختص بشؤون الجماعات الجهادية الذي أضاف "هذه الجماعات لا تذهب لأحد، بل تحاول تجنيد أعضاء جدد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانا عبر المساجد والحلقات الضيقة".

وأشار ترجمان إلى عملية أكودة الإرهابية التي شهدتها تونس في سبتمبر الماضي، قائلا إن "إمام جامع هو من قام باستقطاب الإرهابيين".

الأمن وحده لا يكفي

وبعد ثورة 2011، تنامت ظاهرة التشدد الديني في تونس، واستهدفت هجمات مسلحة قوات الشرطة والجيش والسياح الأجانب، ومنذ ذلك الحين، أحكمت السلطات الرقابة على دور العبادة.

وشهدت تونس هجمات دامية في 2015. ففي مارس، أسفر هجوم على متحف باردو في العاصمة عن مقتل 22 شخصا بينهم 21 سائحا أجنبيا وشرطي تونسي. وكان ذلك أول اعتداء يستهدف الأجانب في تونس منذ 2002 والأول الذي يتبناه تنظيم داعش.

وفي يونيو، استهدف هجوم تبناه التنظيم كذلك أيضا فندقا قرب سوسة، أدى لمقتل 38 شخصا بينهم 30 بريطانيا. 

وفي نوفمبر، فجر تونسي نفسه في حافلة تنقل عناصر من الأمن الرئاسية، مما أدى إلى مقتل 12 منهم في وسط تونس. وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية أيضا هذا الهجوم.

وبعد هذا الهجوم، أعلنت تونس حالة الطوارئ في البلاد، ولا تزال سارية منذ ذلك الحين. 

وتحسن الوضع الأمني بشكل ملحوظ في السنوات الثلاث الأخيرة، لكن الهجمات على قوات الأمن لا تزال تقع خصوصا في المناطق الجبلية الواقعة على الحدود مع الجزائر وأحيانا في العاصمة تونس.

وفي ظل هذه الرقابة فإن "الجماعات الإرهابية هي التي تنتظر من الشاب أو الفتاة أن يظهروا أو يحاولوا الاتصال أو البحث ليتم استدراجهم"، بحسب ترجمان.

ويرى ترجمان أن "دور المؤسسات الأمنية يبقى قاصرا طالما لم توضع استراتيجيات وطنية وإقليمية ودولية للتصدي للفكر المتطرف"، قائلا: "الاعتماد فقط على المؤسسات الأمنية للتصدي للتطرف لا يمكن أن ينجح في مواجهته وتفكيكه".

ولفت ترجمان إلى ما سماه بـ"حجم التهديدات الإرهابية الكبيرة والمتصاعدة" التي تشهدها تونس والقادمة إليها من ليبيا وشمال مالي والحدود مع الجزائر.

ومضى يقول: "لا توجد استراتيجية إقليمية للتصدي للإرهاب في ليبيا بسبب تقييم أطراف مختلفة للوضع هناك. كل دولة لها حساباتها بينما تونس الخاسر الأكبر من كل هذه التهديدات الإرهابية التي تستهدف المنطقة".

وشدد الكاتب المختص بشؤون الجماعات الجهادية على ضرورة "التكامل بين كل دول المنطقة للتصدي للإرهاب، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي تعمل منعزلة".

العائدون من القتال

وفي نفس السياق قال الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لموقع "الحرة"، إن التحالف الدولي ضد داعش أمام أزمة لأنه استهدف التنظيم استهدافا أمنيا وعسكريا فقط، بينما لم تكن هناك جهود في تفكيك الأفكار المتطرفة التي تعبر عنها جماعات تتحرك في الفضاء الإلكتروني ومن خلاله تسطيع تنفيذ عمليات.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن سقوط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 22 مارس 2019.

ومنذ ذلك الحين "تحولت دولة داعش إلى خلايا نائمة ونشطة وخاملة. عاد أفراد من هذه الخلايا إلى أوروبا، ومن بينهم من مارس الإرهاب في مدينتي الرقة السورية والموصل العراقية اللتين أعلنت عليهما داعش دولتها المزعومة في 29 يونيو 2014"، حسبما يقول أديب.

وأضاف "هنا أصبح خطر التنظيم أكبر مما كان عليه عندما سيطر على بقع جغرافية محدودة، مما يؤثر على أمن الدولة العربية والأوروبية".

وتابع "نحن نجد هؤلاء عادوا إلى بعض العواصم الأوروبية التي سبق وشاركت في التحالف الدولي لمواجهة داعش من أجل الانتقام ممن ساعد على سقوط دولتهم وقتل خليفتهم".

ووفقا لمركز الإمارات للدراسات، فإن تونس تحولت إلى إحدى الدول الرئيسة التي ينتقل مواطنوها إلى سوريا واليمن وليبيا خلال السنوات التسع الماضية. وتتفاوت التقديرات بشأن أعداد هؤلاء ما بين 2500 و3000 مقاتل. 

وبحسب دراسة نشرها المركز في سبتمبر الماضي، فإنه لا توجد مستندات تثبت قتال هؤلاء في بؤر الصراعات، بل توجد أوراق ثبوتية بسفرهم إلى تركيا وعدم خروجهم منها و"مثل هذا الأمر يسمح لهم بالعودة كمواطنين عاديين يُمكنهم التحرك بحرية في الداخل التونسي والقيام بعمليات تهز الأمن والاستقرار". 

ويعلق أديب قائلا: "أعتقد أن الخطر مازال كبيرا ويتهدد العالم وأصبح أكبر مما كان عليه عندما كان يسيطر هؤلاء على بقعة جغرافية معروفة".

غياب الحلم 

وتعد ولاية صفاقس الساحلية، التي ينحدر منها العيساوي، من أهم النقاط التي تنطلق منها محاولات الهجرة، وتشهد في فصل الصيف خصوصا حوادث غرق لقوارب يموت فيها العشرات.

وتنشط محاولات الهجرة من السواحل التونسية في اتجاه أوروبا عبر "قوارب الموت"، ويتم توقيف مهاجرين بصورة شبه يومية، لكن العيساوي تمكن من الوصول بأمان إلى إيطاليا على متن قارب صغير، في سبتمبر الماضي.

وتقول وزارة الداخلية التونسية إنه منذ مطلع العام الحالي وحتى أواسط سبتمبر، حاول 8581 شخصا عبور المياه التونسية تجاه السواحل الأوروبية، بينهم 2104 من جنسيات أجنبية.

وتحدث ياسين العيساوي، لوكالات أنباء عن طموحات شقيقه، قائلا: "لقد كان يقول أريد أن أعمل وأن أتزوج وأن أشتري منزلا وسيارة مثل أي شخص آخر".

لكن الشاب التونسي بمجرد وصوله نيس، دخل إلى الكنيسة، وقتل شخصين، وقطع رأس امرأة وهو يردد "الله أكبر". يقول ترجمان إن "الظروف الاقتصادية لا تدفع الشباب للتشدد، بالعكس تدفع الشباب لقضيتين أخطر، وهما غياب الحلم وغياب الأمل". 

وأضاف "عندما يصل الشباب إلى أن يلقى نفسه في قوارب الموت بحثا عن المستقبل والأمل هذا يعني أن الأوضاع وصلت إلى مرحلة خطيرة جدا، وهذا يعكسه تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العشر سنوات الماضية المرتكزة أساسا على غياب الحلم والأمل لدي الشباب الذي يجد نفسه خارج واقع يسمح له بالتواجد وبناء حياته بشكل متوازن".

الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)

رغم تقاطع الأحزاب المعارضة والمؤيدة لنظام الرئيس التونسي قيس سعيد في المطالبة بإرساء محكمة دستورية (أعلى هيئة قضائية) بالبلاد، إلا ان تجاهل الرئيس سعيد لهذه المطالب يثير تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

وتكتسي المحكمة الدستورية كهيئة قضائية مستقلة أهمية بالغة، إذ من ضمن اختصاصاتها مراقبة دستورية القوانين والمعاهدات، فضلا على أنه في حال حصول شغور، يحل رئيس المحكمة مكان رئيس الدولة في حالة العجز التام أو الوفاة أو الاستقالة. 

ورغم النص عليها في دستور البلاد لسنة 2014 وإعادة ضبط تركيبتها واختصاصها في دستور 2022، إلا أنها ظلت محل سجال سياسي تزداد حدته مع كل أزمة سياسية تشهدها تونس.

وفي الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، تنص المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، إلا أن عدم تركيزها حتى اليوم يطرح تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

لا موانع قانونية

تعليقا على تأخر إرساء المحكمة الدستورية بتونس، يؤكد المختص في القانون الدستوري معز الهادفي، أنه من الناحية القانونية لا توجد أي موانع تحول دون إرساء هذه المحكمة بتونس.

ويوضح الهادفي في حديثه لموقع "الحرة" أن دستور البلاد لسنة 2024 وكذلك الدستور الجديد لسنة 2022 نصّا صراحة على ضرورة إحداثها، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية ما قبل إجراءات 25 يوليو 2021 وما بعدها.

ويتابع في هذا الخصوص، بأن المحكمة الدستورية تمثل مؤسسة رقابية مهمة وهي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة دستورية القوانين والأوامر الرئاسية، لكن في ظل الوضع السياسي الراهن، نرى أن السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية لا يرغب في وجود هيئة قضائية مستقلة قد تحد من سلطاته أو تعيد النظر في قراراته، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي خطوات جديدة لإتمام عملية تشكيل المحكمة.

وشدد أستاذ القانون الدستوري على أن المحكمة الدستورية  إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وعدم وجودها يعني غياب الرقابة على القوانين واحتمال تمرير نصوص تتعارض مع الدستور، مما قد يؤدي إلى تضييق الحريات وتغول السلطة التنفيذية.

وفي ديسمبر الماضي، صوّت البرلمان التونسي على عدم تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2025، في خطوة أعقبتها مطالب عدة من الأحزاب والمنظمات الحقوقية بضرورة إحداث هذه المحكمة.

لا يريد رقابة أو مساءلة

من جانبه، يرى منسق ائتلاف صمود (ائتلاف مدني) حسام الحامي، أن كل المؤشرات تدل على أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يسعى لإحداث المحكمة الدستورية حتى يتخلص من كل مساءلة أو مراقبة للقوانين التي يصدرها.

وقال الحامي لموقع "الحرة" إن العديد من المراسيم الرئاسية التي أصدرها سعيد وأبرزها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة الاتصال والمعلومات كانت تهدف للتضييق على الحريات وملاحقة كل من يعارض النظام القائم رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة، كان يمكن أن تسقطها المحكمة الدستورية لو تم إحداثها.

وأوضح بأن السعيد كان يشدد دائما على أهمية المحافظة على الأمن القومي، ويتجاهل في المقابل أن المحكمة الدستورية أيضا من مقومات المحافظة على الأمن القومي للبلاد، لافتا إلى أن سعيد كان من أبرز منتقدي المنظومات السابقة التي لم تنجح في إحداث هذه المحكمة وهو أيضا من رفض في 2021 ختم مشروع قانون يقر إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية.

ولم تتمكن الكتل البرلمانية التي وقع انتخابها في 2014 من انتخاب سوى عضو واحد في مارس 2018 من بين 4 أعضاء بسبب الخلافات والتجاذبات الحزبية.

فراغ في المناصب القضائية

من جانب آخر، يؤكد الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" (داعم للسلطة) محمود بن مبروك أن الرئيس التونسي قيس سعيد لم يعارض إحداث المحكمة الدستورية، بل أعاد التنصيص عليها في دستور البلاد لسنة 2022.

وأرجع بن مبروك في حديثه لـ "الحرة" أسباب تأخر تشكيلها إلى تركيبة هذه المحكمة التي تستوجب خططا وظيفية معينة، فيما يظل هناك فراغ في مناصب عدة بمؤسسات قضائية عليا من ضمنها الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام وهي رتب قضائية تتوفر فيها شروط التأهل آليا لعضوية المحكمة الدستورية.

ويستبعد المتحدث أن يكون سعيد يخشى رقابة هذه الهيئة القضائية للمراسيم والقوانين التي يصدرها مشددا على أن هذه المسألة باتت محل سجال سياسي في البلاد، ترغب من خلاله المعارضة إلى استبدال الرئيس في أي حالة شغور.

وختم بالقول: من المتوقع إحداث المحكمة الدستورية فور الانتهاء من سد الشغور في الهيئات القضائية الأخرى، لما لها من أهمية في استكمال تثبيت أحد ركائز الدولة الديمقراطية.