اشتباكات عنيفة بين الشرطة ومحتجين في تونس
اشتباكات عنيفة بين الشرطة ومحتجين في تونس

تغيرت اللهجة الرسمية في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في تونسل، كن هذا لم يمنع استمرار الاشتباكات العنيفة  بين الشرطة ومحتجين  في عدة مدن تونسية، من بينها العاصمة تونس وسيدي بوزيد مهد انتفاضات الربيع العربي، حيث تتصاعد وتيرة الغضب والإحباط بسبب الصعوبات الاقتصادية.

فبعد أيام من وصف المحتجين بـ"الجانحين" من قبل معلقين مؤيدين للحكومة، أكد رئيس الحكومة هشام المشيشي، الثلاثاء، في كلمة توجه بها إلى الشعب التونسي، على خلفية التظاهرات التي تشهدها مدن عدة، أنه يتفهم المطالب الاقتصادية والإجتماعية للشباب المحتج. 

ويقول المحلل السياسي والدبلوماسي التونسي السابق، جلال الأخضر، "في الواقع انطلقت هذه الاحتجاجات منذ حوالي خمسة أيام في البداية في مناطق وأحياء شعبية حول المدن الكبرى، وكانت أغلب هذه الاحتجاجات يقودها شباب مراهقون وبعض الأطفال، ولاحظنا أنهم كانوا يشعلون العجلات المطاطية ويسطون على المتاجر بغاية النهب والسرقة، وبدأت تتطور هذه الاحتجاجت إلى صدامات مع قوات الأمن التي بدورها استعملت الغاز المسيل للدموع وأدت إلى اعتقال حوالي ألف شاب". 

"شباب غاضب"

لكن الناشط، معتز بلكود، يرى في حديثه مع "موقع الحرة" إن التظاهرات التي خرجت تعبر عن شباب غاضب بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية"، مشيرا إلى أن أغلب المتظاهرين تبلغ أعمارهم ما بين 13 إلى 25 عاما. 

قوات الأمن تواجه التظاهرات الغاضبة في تونس وتعتقل المئات

ويضيف "هؤلاء الشباب يعانون من التهميش والبطالة، جائحة كورونا زادت من المعاناة. كان بعض هؤلاء الشباب يعملون في المقاهي أو المتاجر لكن كل هذه اغلقت بسبب كورونا فزاد فقرهم ومعاناتهم". 

واندلعت الاضطرابات في تونس غداة الذكرى العاشرة لسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في 14 2011. واستمرت حتى ليل الثلاثاء الأربعاء.

ومنذ ثورة 2011 عادة ما تشهد البلاد خلال يناير احتجاجات مطالبة الحكومات بتوفيبر فرص عمل والتنمية، وهذا العام زادت تداعيات وباء كوفيد-19 من تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

تظاهرات مستمرة لليوم الخامس على التوالي في تونس

مظاهرات عفوية أم أياد خفية؟

لكن بلكود يرى أن المظاهرات في السنوات الماضية والتي تلت الثورة عادة ما كان يتم تنظيمها من شباب أحزاب معارضة أو حركات مدنية وكانت أهدافها واضحة إما ضد الحكومة أو ضد قانون معين، "لكن المختلف هذه المرة أن هذه المظاهرات عفوية اندلعت بدون تنظيم مسبق من قبل الشباب في الأحياء الشعبية الذين يرفضون أصلا الأحزاب ولا يثقون فيها، وليس هناك اتصال بينهم وبين الطبقات السياسية". 

في المقابل لا يعتقد الأخضر أن هناك شيئا عفويا في الأحداث التي تمر بها تونس، بل إنه يرى أن الاحتجاجات قد تتطور بصبغة اقتصادية واجتماعية مثلما كانت الثورة تونسية، "هناك خمسة آلاف من حملة الدكتوراة 250 ألف صاحب إجازة يعانون من البطالة، وكان عدد العاطلين عن العمل منذ عشر سنوات حوالي 300 ألف لكن وصل العدد حاليا إلى مليون مليون عاطل عن العمل وأغلبهم شباب ولديهم كفاءات". 

لكن الأخضر يرى في حديثه مع "موقع الحرة" أن هناك ما سماها بـ"أياد خفية" هي التي أشعلت التظاهرات، مشيرا إلى عمق الانقسامات والخلافات ما بين قصر القرطاج (الرئاسة) وبين قصر القصبة (الحكومة) وقصر باردو (البرلمان)، بينما يرى بلكود أن التعامل الأمني مع الاحتجاجات هي التي ستؤجج التظاهرات. 

تظاهرات مستمرة لليوم الخامس على التوالي في تونس

ويقول بلكود قبل أسبوع من الاحتجاجات المستمرة حاليا، كانت هناك مسيرة سلمية لجمهور النادي الأفريقي ضد إدارة النادي الذي يعاني من ديون وأزمة فساد، لكن قوات الأمن قابلت هذه المسيرة بالعنف واعتقلت نحو 200 شاب. 

وقال "طريقة الإيقاف والمعاملة كانت فيها مشاهد مخزية كما أن الاعتقال طال لساعات طويلة حتى تم إخراج الكل ما عدا ثمانية أشخاص، مما زاد من حالة النقمة من قبل الشباب، وغضبهم ضد التعامل الأمني، في ظل وضع اقتصادي متدهور". 

ولا تزال المظاهرات مستمرة لليوم الخامس على التوالي، حيث تجمع متظاهرون الأربعاء أمام مقر المحكمة في العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين وغالبيتهم من القصر، متحدين قرار حظر التجمع الذي اقرته السلطات لمكافحة تفشي وباء كوفيد-19.

ويقول الأخضر "في ال48 ساعة الأخيرة لاحظنا أن بعض الجهات السياسية تحاول الركوب على هذه الأحداث سواء من الحركات التي ساندت الرئيس في حملته الانتخابية قيس سعيد والاتحاد العام للشغل، وبعض النقابيين الذين يحاولون توظيف هذه الاحتجاجات وكسب نقاط سياسية ضد السلطات". 

ويقول الأخضر إنه "منذ انتخاب قيس سعيد ونحن في متاهات الخلافات وعدم الاتفاق على تشكيل حكومة، حتى أصبحنا في حافة انفجار مهددين بها في كل وقت". 

تظاهرات مستمرة لليوم الخامس على التوالي في تونس

انقسامات عميقة

يشير الأخضر إلى أن ما يحدث حاليا هو انعكاس للخلاف بين الرئيس قيس سعيد ورئيس الوزراء وعدم استشارة رئيس الوزراء المعارضة حول التعديل الوزاري الأخير. 

ويقول "في ليلة رأس السنة، زار رئيس الجمهورية قيس سعيد وزارة الداخلية وصرح بأنه القائد الأعلى لوزارة الدفاع والقوات الأمنية، هذا خرق للدستور، نظرا لأن الدستور يفصل بين الرئيس المسؤول عن الأمن القومي ووزارة الدفاع والخارجية، ورئيس الوزراء هو المسؤول عن وزارة الداخلية والأمن الوطني الداخلي"، مشيرا إلى أن ما فعله الرئيس أثار غضب رئيس الوزراء. 

وأضاف أن رئيس الوزراء تشاور مع الأغلبية في البرلمان وهي أحزاب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وتحيا تونس، وتحاشى التشاور مع المعارضة والاتحاد العام للشغل حول التعديل الوزاري، حيث استغل ما فعله الرئيس كمبرر وقام بتعديل وزارة شمل 11 وزارة وأقال وزير الداخلية وأصبح هو وزير الداخلية أيضا". 

ويتهم الخضر "التنسيقيات المحسوبة على الرئيس قيس سعيد والحركات اليسارية بأنها وراء رفع شعارات إسقاط الحكومة وحل البرلمان، وذلك ردا على عدم مشاورتهم في التعديل الوزاري الأخير". 

ومساء الثلاثاء قال رئيس الحكومة هشام المشيشي في كلمة متلفزة "الأزمة حقيقية والغضب مشروع والاحتجاج شرعي لكن الفوضى مرفوضة وسنواجهها بقوة القانون".

وتابع رئيس الوزراء التونسي "صوتكم مسموع وغضبكم مشروع ودوري ودور الحكومة جعل مطالبكم واقعا والحلم ممكنا".

ويقول بلكود "رئيس الوزراء قال إنه يتفهم مطالب الشباب لكنه لم يطرح أي حلول، كما أن المعالجة الوحيدة الموجودة هي المعالجة الأمنية"، مشيرا إلى أن هذا سيؤدي إلى تكرار التظاهرات وتوسعها "حتى لو على موجات". 

ويقول الأخضر إن "كل الشواهد تؤكد أننا نسير نحو التصعيد، وأن الأمور لن تهدأ بسهولة خاصة وأن المتظاهرين أصبح لهم سند سياسي، فضلا عن حالة العناد بين السياسيين". 

أعضاء من الحزب الدستوري الحر يقدمون خارطة طريق سياسية خلال مؤتمر صحفي
أعضاء من الحزب الدستوري الحر يقدمون خارطة طريق سياسية خلال مؤتمر صحفي

في خطوة تهدف إلى مجابهة "الدكتاتورية والاستبداد" في تونس، أعلن الحزب الدستوري الحر (معارض) عن خارطة طريق سياسية لتوحيد المعارضة لنظام الرئيس قيس سعيد.

يأتي ذلك في ظرف تعيش فيه أحزاب المعارضة في تونس حالة من التشتت، عمقتها المواقف المناهضة للإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها الرئيس سعيد في 25 يوليو 2021، وأحكم بمقتضاها قبضته على السلطة مع استمرار الملاحقات القضائية والاعتقالات في صفوف قيادات سياسية معارضة.

وتعود مبادرة الحزب الدستوري الحر إلى أواخر فبراير الماضي، إذ أعلن عن اعتزامه الدخول في تواصل مع مختلف مكونات المشهد السياسي والمدني في البلاد.

وقال إن هذه الخطوة تهدف إلى "توحيد الصفوف واتخاذ مواقف وخطوات مشتركة للقطع نهائيا مع الدكتاتورية والاستبداد والفشل في تحقيق مطالب وطموحات الشعب الاقتصادية والاجتماعية"، بحسب بلاغ صادر عن الحزب.

في السياق ذاته خلال مؤتمر صحفي عُقِدَ الخميس بمقره بتونس العاصمة، أعلن الحزب الدستوري الحر الذي تقبع رئيسته عبير موسي منذ أكتوبر 2023 في السجن وتواجه تهما تصل عقوبتها للإعدام، أنه انطلق في "صياغة ميثاق وطني إطاري مشترك لتأسيس منظومة سياسية يعمل فيها الجميع بكلّ أريحية".

مشروع سياسي جديد

وعن تفاصيل خارطة الطريق السياسية، أكد عضو الديوان السياسي للحزب الدستوري الحرّ، ثامر سعد، أن هذه المبادرة تعد مشروعا سياسيا جديدا يضم مختلف الأطياف السياسية ومنظمات المجتمع المدني، التي تؤمن بالجمهورية المدنية، والغرض من ذلك تجاوز الصراعات وتوحيد صفوف المعارضة في تونس.

وقال سعد، لموقع "الحرة" إنه رغم الاختلافات الفكرية لأحزاب المعارضة، فإنه تم التواصل مع عدد من الأحزاب من ضمنها حركة حقّ وحزب الائتلاف الوطني وحزب آفاق تونس والتيار الديمقراطي فضلا عن بعض مكونات المجتمع المدني، بهدف إصدار نصّ دستوري غير قابل للتعديل ولا يدفع إلى حالة عدم الاستقرار السياسي.

وأضاف في هذا السياق، أنه "سيتم قريبا عقد اجتماع مع ممثلي الأحزاب لتلقي مقترحاتهم لتأسيس لجمهورية مدنية ديمقراطية".

وبخصوص ما إذا كانت خارطة الطريق السياسية الجديدة ستقتصر فقط على الأحزاب ذات المرجعية الدستورية، أوضح عضو الديوان السياسي للحزب الدستوري الحرّ، ثامر سعد أنها ستكون مفتوحة أمام كل من يؤمن بمدنية الدولة وجمهوريتها.

في المقابل، ورغم رغم تقاطع المطالب السياسية لأحزاب المعارضة في تونس بشأن رفضها لمسار 25 يوليو 2021 وما أعقبه من إجراءات فإن مسألة توحيد تحركاتها بقيت رهانا يشق صفوفها ويعمق الخلافات بين مكوناتها خاصة بين الإسلاميين والدستوريين واليسار.

لا للإقصاء

من جانبه، يرى الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، أن أبرز تحد يواجه خارطة الطريق السياسية التي يطرحها الحزب الدستوري الحر هو توحيد مختلف القوى السياسية المعارضة مهما كانت خلفياتها الفكرية والأيديولوجية وعدم إقصاء أي طرف بناء على الصراعات القديمة.

وأوضح الصغير، في حديثه لموقع "الحرة"، أن نجاح هذه المبادرة هو رهين مدى جديتها لطرح موضوع تشكيل جبهة سياسية ضد الاستبداد وقمع الحريات وإخضاع الدولة لسلطة مطلقة لسعيد فضلا عن التصدي للنظام الحالي وطرح بديل جدّي لا يقوم على الإقصاء أو الاعتماد على التفرقة السياسية. 

وقال إن "الحزب الجمهوري يعتبر أن وحدة أحزاب المعارضة لا يجب أن تقصي إلا من أقصى نفسه، ويؤيد كل مبادرة تهدف إلى التصدي للاستبداد والنظام الشمولي الذي يكرسه الرئيس التونسي قيس سعيد".

كما يؤمن هذا الحزب الذي يقبع أمينه العام عصام الشابي في السجن منذ ما يزيد عن عامين، بحسب الصغير بـ "الحد الأدنى المشترك بين مختلف الأطياف السياسية بما فيها من تناقضات وذلك لوضع حد لسياسة التنكيل والقمع التي تمارسها السلطة ضد كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات".

في مقابل ذلك، انتقد سعيد، مساء الخميس، خلال اشرافه على اجتماع مجلس الأمن القومي الوطني، التقارب بين أحزاب المعارضة قائلا: "إن خصماء الدهر بالأمس القريب، صاروا حلفاء وإخوانا، وإن العدو الذي كان في الظاهر لدودا صار لعدوه اليوم خليلا ودودا". 

المعارضة معارضات

زعيم حزب العمال بتونس حمة الهمامي، أفاد، في حديثه لموقع "الحرة"، بأن حزبه لم يطّلع بعد على المبادرة السياسية الجديدة لتوحيد المعارضة، مؤكدا أن الحزب سيردّ عليها في "الوقت المناسب".

وعن أسباب تشتت المعارضة وعدم توحدها في جبهة سياسية، قال الهمامي: إن المعارضة في تونس معارضات لكل منها تاريخها ومنطلقاتها ومواقفها وهو أمر طبيعي طالما أنها تعبر عن مصالح مختلفة. ثمة جبهة الخلاص ومحورها حركة النهضة التي حكمت مع قوى أخرى لمدة عشر سنوات وكانت السبب في انقلاب 25 يوليو 2021. وثمة الحزب الدستوري الحر المرتبط بالنظام القديم وهو يعتبر ثورة 2010-2011 الشعبية مؤامرة. وثمة معارضة ديمقراطية تقدمية مشتتة لم تنجح إلى حد الآن في توحيد صفوفها.

وشدد زعيم حزب العمال المعارض على أن وحدة أحزاب المعارضة لا يمكن أن تبنى على مجرد المصلحة في معارضة قيس سعيد وسلطة الاستبداد التي يديرها، بل تبنى على برامج وأهداف مشتركة تنهض بالبلاد وتحقق مطامح الشعب التونسي.

وعلى امتداد الأشهر الماضية، تعددت الدعوات إلى جمع الفرقاء السياسيين في تونس، والالتقاء على أساس وحدة تنظيمية فكرية وسياسية مشتركة، والقطع مع التشتت الذي ميز المشهد السياسي على امتداد ا بعد 14 يناير 2011

ليست الأولى ولا أخيرة

" إن الدعوة لتوحيد المعارضة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بيد أن ما يمنع اتفاق هذه الأحزاب على مهام تقدر أنها راهنة، ليس فقط ما يشقها من خلافات أيديولوجية، بل بغياب برامج بديلة وجدية تجد صداها عند التونسيين" هذا ما يراه المحلل السياسي خالد كرونة بخصوص مساعي تشكيل جبهة سياسية تعارض السلطة في تونس.

وأضاف كرونة، لموقع "الحرة"، "ربما أنه من عبث الأقدار أن سبب اختلاف أحزاب المعارضة هو نقطة تشابه بينها وهي أنها بكل أطيافها تمثل طبقة سياسية قديمة ولى زمنها، لا برامج جدية لها ولا تصور حقيقي لبديل اقتصادي اجتماعي ولا ابتكار في أشكال التنظيم والدعاية السياسية وغيرها".

ويرى أنه وفق موازين القوى القائمة، لا أحد يجبر الرئيس على الالتفات إلى هذه الدعوات التي كرر السخرية منها خلال كلمته أمام مجلس الأمن القومي الخميس معلنا المضي قدما في سياسة التطهير.

وتبعا لذلك ختم المتحدث بالقول "ستظل البلاد بلا معارضة جدية لأن الأجسام التي تلبس هذا الثوب الآن لا تملك ما ترقى به إلى مصاف المعارضة الجدية".

ويناهز عدد التنظيمات السياسية في تونس نحو 240 حزبا، بعضها أعلن مساندته وانخراطه الكامل في مسار 25 يوليو 2021 الذي أعلن الرئيس سعيد بموجبه قرارات زكت سلطته الرئاسية وتضمنت حل الحكومة والبرلمان وعدد من الهيئات الدستورية. أما البعض الآخر فقد اختار طريق المعارضة التي تحولت في ما بعد إلى ائتلافات حزبية تناهض توجهات السلطة وقراراتها.