خرج التونسيون في مسيرة استكمالا لاحتجاجات على الفقر ونقص الوظائف
خرج التونسيون في مسيرة استكمالا لاحتجاجات على الفقر ونقص الوظائف

توتر سياسي كبير تشهده تونس بين اللاعبين الأساسيين، يتزامن مع احتجاجات متواصلة مناهضة للحكومة ضد تفشي البطالة وعدم المساواة الاجتماعية في الدولة التي انطلقت منها شرارة انتفاضات "الربيع العربي" منذ 10 أعوام.

وتشهد تونس صراعا سياسيا بشأن التعديل الحكومي بين الرئيس قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، المدعوم من حركة النهضة، أكبر الأحزاب في البرلمان.

وبينما كان مجلس نواب الشعب، الذي يخضع لحراسة مشددة، يصوت على تعديل وزاري، لم يُعرض على سعيد، الثلاثاء الماضي، خرج التونسيون في مسيرة أمام مقره استكمالا لاحتجاجات على الفقر ونقص الوظائف، أسفرت عن مقتل متظاهر شاب وسجن المئات.

وشمل التعديل الوزاري الذي نال موافقة البرلمان 11 وزيرا، من بينهم وزراء جدد للعدل والداخلية والصحة، بعد أن استبعد رئيس الحكومة وزراء مقربين من الرئيس قيس سعيد، لكن الأخير قال إن التعديل غير دستوري من الناحية الإجرائية، مستنكرا عدم وجود نساء بين الوزراء الجدد. وأضاف أن بعضهم تحيط به شبهة تضارب المصالح.

يقول المحلل السياسي باسل ترجمان: "التونسيون يعانون أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، أما البرلمان فهو في واد آخر بعيد تماما عن نبض الشارع وما يحدث به؛ يحمي نفسه بأسوار وحواجز أمنية خوفا من غضب المحتجين".

ووصلت حدة التوتر في تونس إلى تلقي الرئاسة التونسية، الاثنين الماضي، ظرفا مشبوها يحتوي على مسحوق، فيما وصف بأنه "محاولة لتسميم" سعيد، بحسب ما جاء في بيان أصدرته الرئاسة التونسية الخميس، وكذلك بيان اطمئنان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على نظيره التونسي.

ويعلق ترجمان، على هذا التطور، قائلا لموقع "الحرة": "هذه خطوة خطيرة جدا تزيد من تعقيد الأمور في تونس؛ هناك أطراف تسعى لاغتيال رئيس الجمهورية".

تحدثت الرئاسة الجزائرية عن "محاولة لتسميم" سعيد.

وقالت بعض المصادر والمواقع المحلية إن الأمر يتعلق برسالة بها مسحوق غاز الريسين القاتل. 

وفي أول تعليق رسمي على ما تردد حول محاولة تسميم سعيد، أصدرت الرئاسة بيانا، الخميس، جاء فيه أنه "لم يتسن إلى حد هذه الساعة تحديد طبيعة المادة التي كانت داخل الظرف"، مؤكدة أنها "محاولة تسميم".

وذكر البيان أن مديرة ديوان الرئيس أصيبت بالصداع وفقدت البصر لوقت قصير عندما فتحت الظرف المشبوه.

وأضاف البيان أن مديرة الديوان نادية عكاشة نُقلت إلى المستشفى العسكري، مؤكدا أن الرئيس بخير.

مديرة ديوان الرئيس فقدت البصر لوقت قصير بعد تلقي رسالة مشبوهة

وختم البيان بإعلان الرئاسة  "مساندتها المطلقة للكلمة الحرة المعبرة عن الرأي الحر، وتستغرب في المقابل مطاردة من تولى تناقل خبر محاولة التسميم هذه، عوض البحث عمن قام بهذه المحاولة البائسة".

وفي محاولة للبحث  عمن قام بهذه المحاولة البائسة، على حد وصف بيان الرئاسة، سأل موقع "الحرة" عضو مجلس شورى حركة النهضة جلال الورغي الذي قال: "لا علم لي، ولا أحد يعرف من قام بذلك". وتساءل مشككا: "هل هناك أصلا محاولة للتسميم؟".

وأشار الورغي إلى أن الرئاسة، في بيانها، لم تؤكد أنها أحالت الموضوع للتحقيق، وكذلك النيابة العامة قالت إنه لم يتم إعلامها.

وأضاف عضو مجلس شورى حركة النهضة: "نوع من الغموض يلف هذا الحادث (...) التفاصيل التي أوردها البيان بها التباس، وشخصيا أميل إلى أن هذه الواقعة لم تحدث أصلا، ربما يتعلق الأمر بسوء فهم".

وحقق قيس سعيد، وهو مستقل، فوزا كاسحا في انتخابات الرئاسة عام 2019. وقبيل محاولة التسمم المزعومة، قال سعيد إن التعديل الحكومي، الذي أقره البرلمان، غير دستوري، لأن رئيس الوزراء لم يتبع إجراءات إبلاغ الرئيس أولا.

وفي كلمة له باجتماع مجلس الأمن القومي، أشار سعيد، الذي كان يعمل أستاذا في القانون الدستوري، إلى مؤامرات تهدف لإفشال عمله في الداخل والخارج.  

اندلعت الاحتجاجات هذا الشهر في ذكرى مرور عشر سنوات على الثورة التونسية عام 2011

من وراء المؤمرات؟

ويقول الهاشمي نويرة، الكاتب والمحلل السياسي، إن سعيد اعتاد الحديث عن المؤامرات، دون ذكر تفاصيلها أو من يقف ورائها.

وفي نفس السياق، يقول الورغي: "جميع القوى السياسية، بما فيهم الاتحاد العام للشغل، ووسائل الإعلام والخبراء المراقبين طالبوا سعيد بالتحدث علانية عن الجهة التي تقف وراء هذه المؤامرات لكنه لم يفعل".

لكن نويرة يعتقد أن سعيد يقصد "حركة النهضة الإخوانية"، قائلا: "الصراع الأساسي لرئيس الجمهورية مع حركة النهضة ومن تحالف معها".

ويرى نويرة أن حزب النهضة الإسلامي ينظر إلى سعيد باعتباره "من أشد المنافسين والأعداء".

ويقول نويرة، في حديث مع موقع "الحرة"، إن النهضة حاولت في مرات عديدة أن تلجم إلى حد ما من طبيعة عمل سعيد الذي لا يزال يتمتع بتأثير كبير وبسند قوي في المجتمع.

ويقسم الدستور التونسي السلطة بين الرئيس والحكومة مما أدى لفترات من الصراع السياسي بين المؤسستين في السنوات الماضية.

قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي

وبحسب نويرة، فإنه على المستويين القانوني والدستوري، يعد الرئيس الحلقة الأضعف قياسا برئيس الحكومة والبرلمان.

وتعليقا على ذلك يقول الورغي: "حركة النهضة مقتنعة أن تونس لن تدار إلا بتعاون مؤسسات الحكم الثلاث (الرئيس، البرلمان، رئاسة الحكومة). يحدث اختلاف لكنه ليس خلاف أو ليس معركة".

وأضاف "نحن نكن كل الاحترام والتقدير لرئيس الدولة، ونقر أنه الضامن الأول للدستور والقوانين والأمن الجمهوري، وهو ممثل السياسة الخارجية لتونس"، مشيرا إلى تصويت الحركة لصالحه في انتخابات الدور الثاني من الرئاسة، عام 2019.

وتابع "لكن أحيانا يحدث تفسير متباين للدستور، وهذا أمر متوقع في ظل حداثة الدستور، وغياب المحكمة الدستورية".

ويعرقل الجمود السياسي الذي يعتري تونس منذ انتخابات 2019 جهودها لعلاج أزمتها الاقتصادية التي فاقمتها جائحة فيروس كورونا، مما دفع كثير من التونسيين للتشكيك في ثمار الثورة.

والعام الماضي، انكمش الاقتصاد التونسي بنسبة أكبر من ثمانية في المئة، وزاد العجز المالي إلى ما يزيد على 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي،  وارتفع الدين العام إلى أكثر من 90 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

دولة داخل الدولة

ومع تصاعد حدة الاحتجاجات على الأرض والاشتباك مع الرئاسة، أثارت دعوة قياديين في حركة النهضة أنصارها لحماية الممتلكات العامة والخاصة من المحتجين غضب الشارع التونسي.

ولم تنجح الحكومات المتعاقبة، التي كانت النهضة جزءا منها، في تحقيق النمو، وتوفير فرص عمل لأكثر من 650 ألف عاطل، رغم الانتقال الديمقراطي السلس الذي جعل تونس موضع إشادة، ونظر إليها الشباب العربي باعتبارها قصة النجاح الوحيدة المحتملة بين دول "الربيع".

وكان رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني قال، في تصريح تلفزيوني، إن المكتب التنفيذي للحركة "سيتفرغ لخدمة التونسيين وحل مشاكلهم، بما في ذلك الوضع الاجتماعي المتأزم".

وأضاف "أبناء النهضة سيكونون في الميدان لحماية أمن التونسيين وممتلكاتهم الخاصة والعامة وحقوقهم ومعالجة المطالب المشروعة".

كما قال القيادي محمد القوماني: "حركة النهضة موجودة في كامل البلاد، وواجب شبابها أن يحمي ممتلكات الشعب وينسق مع الأمن ويساعد قدر استطاعته في مواجهة أعمال الشغب".

ويعلق ترجمان على ذلك بقوله: "هذه الدعوة تُظهر أن حركة النهضة لديها ميليشيات، بالمخالفة لسلمية العمل السياسي الذي تتحدث عنه، وللقانون أيضا الذي يمنع التشكيلات شبه العسكرية لأي طرف من الأطراف".

أنصار حركة النهضة التونسية في مظاهرات وسط العاصمة. أرشيف

وأضاف "عندما تتحدث حركة النهضة عن خروج شبابها للشوارع لمساندة قوات الأمن فهي تخالف قانون حظر التجول وكذلك قانون الطوارئ".

ويعتقد ترجمان أن هذه "المخالفات القانونية تعكس استمرارية تبني قيادات داخل حركة النهضة عقلية الميليشيات التي عملت بها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي".

ولا يذهب نويرة بعيدا عن هذا التفسير، قائلا: "هذه محاولة أخرى من النهضة توضح بها أنها تمتلك كل ما هو مواز للدولة، فتأمين الممتلكات من اختصاص أجهزة الدولة وليس الأحزاب السياسية".

وأضاف "هذا يعني أنه لا يزال للنهضة باع وذراع في قضية الأجهزة الموازية، الأمر الذي دفع أحد قياديها للحديث عن إمكانية الدعم وكأنها دولة داخل الدولة".

وتابع نوير "ما فهمناه من تصريحات قياداتها أن النهضة لم تستطع الاندماج والانصهار التام مع المجتمع التونسي، وبالتالي لم تتخلص من طبيعة عملها كحزب سري، مواز للدولة".

وأشار نويرة إلى تأثير مثل هذه التصريحات على نفسية عناصر الأمن وغيرهم ممن هم "على يقين باختراق الأجهزة التونسية".

وفي المقابل، قال الورغي إن الهاروني استحضر أيام الثورة عندما خرج المواطنون لحماية ممتلكاتهم، في ظل عمليات التخريب والسرقة لبعض المؤسسات العامة والخاصة.

وتساءل قائلا: "هل يعقل أن يمتلك حزب سياسي ميليشيات؟. إذا كانت النهضة لديها ميليشيات فليخبرونا أين هي ومن هم عناصرها. هذا استغلال للأحداث".

ومضى يقول: "رئيس الجمهورية كان قد خاطب الشباب في ساحة عامة، وقال لهم إنه يمكنهم حماية المؤسسات، التي تعرضت للتدمير على إثر المواجهات التي حدثت مؤخرا، ولم يقل أحد أن سعيد لديه ميليشيات".

وفي وقت سابق من يناير الجاري، تحدث سعيّد مع مئات المتظاهرين الذين تجمعوا أمام منزله في بلدية المنيهلة، وحثهم على احترام الممتلكات العامة وتجنب تدميرها، وأكد على حقهم في العمل والحرية وفي الكرامة الوطنية.

لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تحقيق النمو وتوفير فرص عمل لآلاف العاطلين.

فشل نظام الحكم

ويرجع المحلل السياسي باسل ترجمان تصاعد الأزمة في تونس إلى ما وصفه بـ"فشل" إدارة شؤون الحكم، قائلا: "هذا جلي ولم يعد خفيا على أحد".

ويرى ترجمان أن تونس بحاجة إلى تغيير هيكلية الحكم، مضيفا "الدستور الحالي الذي تشكل في 2014 أثبت فشله بامتياز، وكذلك شكل الحكم، والقانون الانتخابي".

وأوصى ترجمان بمراجعة القانون الانتخابي، واستقالة الحكومة، والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، ومضى يقول: "البرلمان الحالي لم يعد قادرا على تمثيل الشعب التونسي".

نور الدين الطبوبي الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي

أما نويرة فيرى أن المخرج الوحيد من الأزمة الحالية لابد أن يكون سياسيا، كالحوار الذي بادر به الاتحاد العام التونسي للشغل، بين "الأطراف القابلة للدولة المدنية، بعيدا عن التوظيفات الدينية"، بحسب قوله.

وفي 2015، فاز الاتحاد العام التونسي للشغل مع هيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان واتحاد الصناعة والتجارة بجائزة نوبل للسلام عن دورهم في إنهاء الخلافات بين الخصوم العلمانيين والإسلاميين والتوصل إلى دستور حداثي.

وقدم اتحاد الشغل مبادرة لإجراء حوار وطني يضم الفرقاء السياسيين بهدف التوصل لاتفاق واسع بشأن إصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة تحتاجها البلاد للخروج من الأزمة التي تتخبط فيها.

ويرى اتحاد الشغل، ذو النفوذ القوي، أن الحوار المقترح يمثل فرصة حقيقية لإعادة الأمل للتونسيين في إنعاش الاقتصاد العليل، وتحقيق الاستقرار السياسي.

ويهدف المقترح إلى الاتفاق حول إصلاح النظام الانتخابي الذي لا يسمح لأي طرف بالفوز بأغلبية واضحة، إضافة إلى مراجعة تمويل الأحزاب، وطرح نقاش وطني بشأن طبيعة النظام السياسي.

ونهاية الشهر الماضي، قال الرئيس قيس سعيد إنه قبل المبادرة التي سيشارك فيها شبان من أرجاء البلاد. 

كما أكد الورغي لموقع "الحرة" أن حركة النهضة قبلت المبادرة، وطالبت الجميع بالالتفاف حولها.

لكن حتى الآن لم يُعلن عن أي موعد للحوار، مما يعزز الشكوك حول انعقاده، خاصة بعد التوترات الأخيرة.

أعضاء من الحزب الدستوري الحر يقدمون خارطة طريق سياسية خلال مؤتمر صحفي
أعضاء من الحزب الدستوري الحر يقدمون خارطة طريق سياسية خلال مؤتمر صحفي

في خطوة تهدف إلى مجابهة "الدكتاتورية والاستبداد" في تونس، أعلن الحزب الدستوري الحر (معارض) عن خارطة طريق سياسية لتوحيد المعارضة لنظام الرئيس قيس سعيد.

يأتي ذلك في ظرف تعيش فيه أحزاب المعارضة في تونس حالة من التشتت، عمقتها المواقف المناهضة للإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها الرئيس سعيد في 25 يوليو 2021، وأحكم بمقتضاها قبضته على السلطة مع استمرار الملاحقات القضائية والاعتقالات في صفوف قيادات سياسية معارضة.

وتعود مبادرة الحزب الدستوري الحر إلى أواخر فبراير الماضي، إذ أعلن عن اعتزامه الدخول في تواصل مع مختلف مكونات المشهد السياسي والمدني في البلاد.

وقال إن هذه الخطوة تهدف إلى "توحيد الصفوف واتخاذ مواقف وخطوات مشتركة للقطع نهائيا مع الدكتاتورية والاستبداد والفشل في تحقيق مطالب وطموحات الشعب الاقتصادية والاجتماعية"، بحسب بلاغ صادر عن الحزب.

في السياق ذاته خلال مؤتمر صحفي عُقِدَ الخميس بمقره بتونس العاصمة، أعلن الحزب الدستوري الحر الذي تقبع رئيسته عبير موسي منذ أكتوبر 2023 في السجن وتواجه تهما تصل عقوبتها للإعدام، أنه انطلق في "صياغة ميثاق وطني إطاري مشترك لتأسيس منظومة سياسية يعمل فيها الجميع بكلّ أريحية".

مشروع سياسي جديد

وعن تفاصيل خارطة الطريق السياسية، أكد عضو الديوان السياسي للحزب الدستوري الحرّ، ثامر سعد، أن هذه المبادرة تعد مشروعا سياسيا جديدا يضم مختلف الأطياف السياسية ومنظمات المجتمع المدني، التي تؤمن بالجمهورية المدنية، والغرض من ذلك تجاوز الصراعات وتوحيد صفوف المعارضة في تونس.

وقال سعد، لموقع "الحرة" إنه رغم الاختلافات الفكرية لأحزاب المعارضة، فإنه تم التواصل مع عدد من الأحزاب من ضمنها حركة حقّ وحزب الائتلاف الوطني وحزب آفاق تونس والتيار الديمقراطي فضلا عن بعض مكونات المجتمع المدني، بهدف إصدار نصّ دستوري غير قابل للتعديل ولا يدفع إلى حالة عدم الاستقرار السياسي.

وأضاف في هذا السياق، أنه "سيتم قريبا عقد اجتماع مع ممثلي الأحزاب لتلقي مقترحاتهم لتأسيس لجمهورية مدنية ديمقراطية".

وبخصوص ما إذا كانت خارطة الطريق السياسية الجديدة ستقتصر فقط على الأحزاب ذات المرجعية الدستورية، أوضح عضو الديوان السياسي للحزب الدستوري الحرّ، ثامر سعد أنها ستكون مفتوحة أمام كل من يؤمن بمدنية الدولة وجمهوريتها.

في المقابل، ورغم رغم تقاطع المطالب السياسية لأحزاب المعارضة في تونس بشأن رفضها لمسار 25 يوليو 2021 وما أعقبه من إجراءات فإن مسألة توحيد تحركاتها بقيت رهانا يشق صفوفها ويعمق الخلافات بين مكوناتها خاصة بين الإسلاميين والدستوريين واليسار.

لا للإقصاء

من جانبه، يرى الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، أن أبرز تحد يواجه خارطة الطريق السياسية التي يطرحها الحزب الدستوري الحر هو توحيد مختلف القوى السياسية المعارضة مهما كانت خلفياتها الفكرية والأيديولوجية وعدم إقصاء أي طرف بناء على الصراعات القديمة.

وأوضح الصغير، في حديثه لموقع "الحرة"، أن نجاح هذه المبادرة هو رهين مدى جديتها لطرح موضوع تشكيل جبهة سياسية ضد الاستبداد وقمع الحريات وإخضاع الدولة لسلطة مطلقة لسعيد فضلا عن التصدي للنظام الحالي وطرح بديل جدّي لا يقوم على الإقصاء أو الاعتماد على التفرقة السياسية. 

وقال إن "الحزب الجمهوري يعتبر أن وحدة أحزاب المعارضة لا يجب أن تقصي إلا من أقصى نفسه، ويؤيد كل مبادرة تهدف إلى التصدي للاستبداد والنظام الشمولي الذي يكرسه الرئيس التونسي قيس سعيد".

كما يؤمن هذا الحزب الذي يقبع أمينه العام عصام الشابي في السجن منذ ما يزيد عن عامين، بحسب الصغير بـ "الحد الأدنى المشترك بين مختلف الأطياف السياسية بما فيها من تناقضات وذلك لوضع حد لسياسة التنكيل والقمع التي تمارسها السلطة ضد كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات".

في مقابل ذلك، انتقد سعيد، مساء الخميس، خلال اشرافه على اجتماع مجلس الأمن القومي الوطني، التقارب بين أحزاب المعارضة قائلا: "إن خصماء الدهر بالأمس القريب، صاروا حلفاء وإخوانا، وإن العدو الذي كان في الظاهر لدودا صار لعدوه اليوم خليلا ودودا". 

المعارضة معارضات

زعيم حزب العمال بتونس حمة الهمامي، أفاد، في حديثه لموقع "الحرة"، بأن حزبه لم يطّلع بعد على المبادرة السياسية الجديدة لتوحيد المعارضة، مؤكدا أن الحزب سيردّ عليها في "الوقت المناسب".

وعن أسباب تشتت المعارضة وعدم توحدها في جبهة سياسية، قال الهمامي: إن المعارضة في تونس معارضات لكل منها تاريخها ومنطلقاتها ومواقفها وهو أمر طبيعي طالما أنها تعبر عن مصالح مختلفة. ثمة جبهة الخلاص ومحورها حركة النهضة التي حكمت مع قوى أخرى لمدة عشر سنوات وكانت السبب في انقلاب 25 يوليو 2021. وثمة الحزب الدستوري الحر المرتبط بالنظام القديم وهو يعتبر ثورة 2010-2011 الشعبية مؤامرة. وثمة معارضة ديمقراطية تقدمية مشتتة لم تنجح إلى حد الآن في توحيد صفوفها.

وشدد زعيم حزب العمال المعارض على أن وحدة أحزاب المعارضة لا يمكن أن تبنى على مجرد المصلحة في معارضة قيس سعيد وسلطة الاستبداد التي يديرها، بل تبنى على برامج وأهداف مشتركة تنهض بالبلاد وتحقق مطامح الشعب التونسي.

وعلى امتداد الأشهر الماضية، تعددت الدعوات إلى جمع الفرقاء السياسيين في تونس، والالتقاء على أساس وحدة تنظيمية فكرية وسياسية مشتركة، والقطع مع التشتت الذي ميز المشهد السياسي على امتداد ا بعد 14 يناير 2011

ليست الأولى ولا أخيرة

" إن الدعوة لتوحيد المعارضة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بيد أن ما يمنع اتفاق هذه الأحزاب على مهام تقدر أنها راهنة، ليس فقط ما يشقها من خلافات أيديولوجية، بل بغياب برامج بديلة وجدية تجد صداها عند التونسيين" هذا ما يراه المحلل السياسي خالد كرونة بخصوص مساعي تشكيل جبهة سياسية تعارض السلطة في تونس.

وأضاف كرونة، لموقع "الحرة"، "ربما أنه من عبث الأقدار أن سبب اختلاف أحزاب المعارضة هو نقطة تشابه بينها وهي أنها بكل أطيافها تمثل طبقة سياسية قديمة ولى زمنها، لا برامج جدية لها ولا تصور حقيقي لبديل اقتصادي اجتماعي ولا ابتكار في أشكال التنظيم والدعاية السياسية وغيرها".

ويرى أنه وفق موازين القوى القائمة، لا أحد يجبر الرئيس على الالتفات إلى هذه الدعوات التي كرر السخرية منها خلال كلمته أمام مجلس الأمن القومي الخميس معلنا المضي قدما في سياسة التطهير.

وتبعا لذلك ختم المتحدث بالقول "ستظل البلاد بلا معارضة جدية لأن الأجسام التي تلبس هذا الثوب الآن لا تملك ما ترقى به إلى مصاف المعارضة الجدية".

ويناهز عدد التنظيمات السياسية في تونس نحو 240 حزبا، بعضها أعلن مساندته وانخراطه الكامل في مسار 25 يوليو 2021 الذي أعلن الرئيس سعيد بموجبه قرارات زكت سلطته الرئاسية وتضمنت حل الحكومة والبرلمان وعدد من الهيئات الدستورية. أما البعض الآخر فقد اختار طريق المعارضة التي تحولت في ما بعد إلى ائتلافات حزبية تناهض توجهات السلطة وقراراتها.