رئيس الجمهورية قيس سعيد رفض التعديلات الوزراية التي قام بها هشام المشيشي
رئيس الجمهورية قيس سعيد رفض التعديلات الوزراية التي قام بها هشام المشيشي

تزداد الأزمة في تونس تعقيدا بعد ما رفض رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي، تقديم استقالته، وإعلان المحكمة الإدارية أنه ليس من اختصاصها النظر في الخلاف بشأن التعديل الوزاري بين رئيس الجمهورية قيس سعيد، ورئيس الحكومة.

وتشهد تونس صراعا سياسيا بشأن التعديل الحكومي بين الرئيس قيس سعيد والمشيشي، المدعوم من حركة النهضة، أكبر الأحزاب في البرلمان.

وشمل التعديل الوزاري الذي نال موافقة البرلمان 11 وزيرا، من بينهم وزراء جدد للعدل والداخلية والصحة، بعد أن استبعد رئيس الحكومة وزراء مقربين من الرئيس سعيد، الذي رفض أداء اليمين الدستورية لعدد من الوزراء الجدد، وقال إن بعضهم تتعلق بهم شبهة فساد وتضارب مصالح، وأضاف أن التعديل غير دستوري من الناحية الإجرائية، مستنكرا عدم وجود نساء بين الوزراء الجدد. 

وقال المشيشي في تصريح لوسائل إعلام محلية، إنه لن يستقيل، ودعا الرئيس سعيد إلى تحديد أسماء الوزراء الذين تتعلق بهم شبهات فساد أو تضارب مصالح. واعتبر المشيشي أن رفض الرئيس سعيد لأداء اليمين الدستورية عطل المرافق العامة وسير دواليب الدولة. 

وقال المحلل السياسي، الصغير الذاكراوي، إن الأزمة في تونس بدأت دستورية لكنها هي أزمة سياسية بامتياز بين رأسي السلطة التنفيذية في البلاد.

سياسة وليست دستورية

وأضاف الذاكراوي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن "رئيسي الحكومة والجمهورية لجأ إلى سياسة لي الذراع وتكسير العظام بدلا من اللجوء إلى الحوار والحل السياسي"، مشيرا إلى أن "سعيد متسلط في موقفه من الحكومة والتعديلات الوزارية الجديدة".

ويرى الكاتب الصحفي كمال بن يونس أن الأزمة ليست دستورية بل سياسية، تعمقت مع استفحال أزمة الثقة داخل مؤسسات الدولة العليا وخاصة بين قصري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان.

وقال في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إنه "في هذا السياق تستخدم بعض الأطراف في الصراع ورقة الاحتجاجات الاجتماعية وأعمال العنف والمظاهرات السياسية، بالرغم من كون البلاد في حالة طوارئ منذ 2011، ويفترض منع المظاهرات والاضرابات".

وأشار الباحث والأكاديمي الدكتور خالد عبيد، إلى أنه من الصعب أن يكون هناك اجتماع بين المشيشي وسعيد، وأن يكون بينهما تفاهم، ولفت إلى أن الأزمة بالأساس هي بين رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، وأن رئيس الحكومة وجد نفسه بينهما مضطرا.

ومع تعمق الأزمة بين الأطراف السياسية وفشلها في الوصول إلى حل سياسي، لجأت الأطراف المتنازعة إلى الشارع ودعت أنصارها للنزول للتظاهر، مما أثار المخاوف من وقوع اشتباكات واقتتال بين أنصار الطرفين.

ودعت حركة النهضة أنصارها وحلفائها من الأحزاب والقوى السياسية إلى النزول إلى الشوارع في مظاهرات تأييد للحكومة.

وفي المقابل، دعت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، في مؤتمر صحفي الجمعة بمقر البرلمان، مؤيدي حزبها والتونسيين للخروج للاحتجاج في الشارع.  وقالت إن دعوة الأحزاب الداعمة لحكومة هشام المشيشي لهياكلها ومؤيديها للخروج في مسيرات شعبية داعمة للحكومة ستستغل إمكانات الدولة لتعبئة التونسيين في الشارع محذرة من قمع الاحتجاجات لأحزاب المعارضة.

وقالت موسى إن الحكومة الحالية فشلت في إدارة الأزمة ولا يمكن أن تقدم أي اضافة للتونسيين وفقدت شرعيتها، كما دعت إلى إبعاد راشد الغنوشي عن رئاسة البرلمان.

حمام دم

وأكد الزاكروي أن الاحتكام إلى الشارع "عملية وعرة وخطيرة يمكن أن تؤدي إلى انفلات في البلاد ومن ثم إلى حمام دم"، وأوضح أن دعوات حزب النهضة جاءت ردا على لجوء رئيس الجمهورية إلى الشارع في الأزمة. ولفت إلى أنه كيف يلجأ من هم في السطلة ويديرون البلاد إلى الشارع للاحتكام بينهم.

وعقب صلاة الجمعة، وقعت مشادة بين رئيس الجمهورية وأحد أعضاء حزب النهضة، أثناء أداء سعيد صلاة الجمعة في أحد المساجد بحي التضامن بالعاصمة تونس، وإلقائه خطبة بعد الصلاة يؤكد فيها لأنصاره تمسكه بموقف في "محاربة الفساد" ويدعوهم إلى تأييده.

وقال محمد صالح الرمضاني، عضو النهضة إنه توجه للرئيس وأخبره أنه لا يجوز استخدام المساجد لأغراض سياسية، وإنه بعد خروج سعيد تعرض للضرب والسحل من أنصار الرئيس وأعوانه.

بينما يعتقد عبيد أنه لن تذهب الأمور إلى حد اقتتال أو اشتباك بين المتظاهرين، وأن دعوات النزول إلى الشارع طبيعي أن تحدث، ولفت إلى أنه في النهاية سيتم تغليب مصلحة البلاد والوصول إلى حل يتوافق عليه الجميع.

بدوه أكد يونس أنه قد تقع اشتباكات سياسية وإعلامية عنيفة بين الأطراف السياسية دون أن تتطور إلى صدام لأن قوات الجيش والأمن محايدة وقوية.

سيناريوهات الحل

أما بالنسبة لحل الأزمة، يرى خبراء القانون الدستوري أن الأزمة بين السلطات الثلاث سياسية بالأساس وتستوجب حلا سياسيا في غياب المحكمة الدستورية.

وأشار الذاكراوي إلى أن حل الأزمة يكون عن الحوار وتنازل كل طرف سياسي، وأن أفضل هذه الحلول وأيسرها هو أن يقوم رئيس الحكومة بتغيير الوزراء، الذين رفضهم سعيد بسبب شبهات الفساد، أو أن يقوم بتقديم استقالته.

وأكد أنه في حالة تعميق الأزمة التي ستؤثر على تونس اقتصاديا، سيضطر المشيشي لتقديم استقالته، مراعاة لمصلحة البلاد والخروج من هذه الأزمة.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل و عدد من القوى السياسية دعوا الوزراء الجدد المقترحين في حكومة المشيشي والذين تتعلق بهم شبهات الفساد و تضارب مصالح إلى الاعتذار عن المسؤوليات المسندة إليهم لتتمكن الحكومة من مباشرة مهامها و تجاوز أزمة أداء اليمين الدستورية أمام الرئيس قيس سعيد.

ويرى يونس أن 3 هناك سيناريوهات للخروج من الأزمة: أولها أن يحدث توافق سياسي في الكواليس بين الرؤساء الثلاثة وقيادات النقابات وكبري الأحزاب من أجل هدنة تفرض نفسها بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومضاعفات وباء كورونا.

والثاني: أن تعميق الخلاف والصدام بين قصر قرطاج والحكومة والبرلمان والأحزاب التي تدعم كل طرف، قد يودي إلى إسقاط الحكومة أو إلى المزيد من اضعافها بما سيعني تمديد الأزمة السياسية.

أما السيناريو الثالث هو ترجيح كفة طرف من الأطراف السياسية المتصارعة بفعل ورقة الشارع وبشرط انحياز المؤسسات العسكرية والأمنية والسفارات الأجنبية المهمة إليه.

وأشار إلى أن سفارات الاتحاد الأوربي والسفارة الأميركية بصدد عقد مقابلات مع كل الأطراف، وأوضح أن هناك قرار دولي لضمان استقرار تونس وبلدان جنوب المتوسط، لمنع استغلالها محطة لتسلل مئات الآلاف من المهاجرين السريين إلى أوروبا.

الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)

رغم تقاطع الأحزاب المعارضة والمؤيدة لنظام الرئيس التونسي قيس سعيد في المطالبة بإرساء محكمة دستورية (أعلى هيئة قضائية) بالبلاد، إلا ان تجاهل الرئيس سعيد لهذه المطالب يثير تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

وتكتسي المحكمة الدستورية كهيئة قضائية مستقلة أهمية بالغة، إذ من ضمن اختصاصاتها مراقبة دستورية القوانين والمعاهدات، فضلا على أنه في حال حصول شغور، يحل رئيس المحكمة مكان رئيس الدولة في حالة العجز التام أو الوفاة أو الاستقالة. 

ورغم النص عليها في دستور البلاد لسنة 2014 وإعادة ضبط تركيبتها واختصاصها في دستور 2022، إلا أنها ظلت محل سجال سياسي تزداد حدته مع كل أزمة سياسية تشهدها تونس.

وفي الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، تنص المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، إلا أن عدم تركيزها حتى اليوم يطرح تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

لا موانع قانونية

تعليقا على تأخر إرساء المحكمة الدستورية بتونس، يؤكد المختص في القانون الدستوري معز الهادفي، أنه من الناحية القانونية لا توجد أي موانع تحول دون إرساء هذه المحكمة بتونس.

ويوضح الهادفي في حديثه لموقع "الحرة" أن دستور البلاد لسنة 2024 وكذلك الدستور الجديد لسنة 2022 نصّا صراحة على ضرورة إحداثها، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية ما قبل إجراءات 25 يوليو 2021 وما بعدها.

ويتابع في هذا الخصوص، بأن المحكمة الدستورية تمثل مؤسسة رقابية مهمة وهي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة دستورية القوانين والأوامر الرئاسية، لكن في ظل الوضع السياسي الراهن، نرى أن السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية لا يرغب في وجود هيئة قضائية مستقلة قد تحد من سلطاته أو تعيد النظر في قراراته، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي خطوات جديدة لإتمام عملية تشكيل المحكمة.

وشدد أستاذ القانون الدستوري على أن المحكمة الدستورية  إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وعدم وجودها يعني غياب الرقابة على القوانين واحتمال تمرير نصوص تتعارض مع الدستور، مما قد يؤدي إلى تضييق الحريات وتغول السلطة التنفيذية.

وفي ديسمبر الماضي، صوّت البرلمان التونسي على عدم تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2025، في خطوة أعقبتها مطالب عدة من الأحزاب والمنظمات الحقوقية بضرورة إحداث هذه المحكمة.

لا يريد رقابة أو مساءلة

من جانبه، يرى منسق ائتلاف صمود (ائتلاف مدني) حسام الحامي، أن كل المؤشرات تدل على أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يسعى لإحداث المحكمة الدستورية حتى يتخلص من كل مساءلة أو مراقبة للقوانين التي يصدرها.

وقال الحامي لموقع "الحرة" إن العديد من المراسيم الرئاسية التي أصدرها سعيد وأبرزها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة الاتصال والمعلومات كانت تهدف للتضييق على الحريات وملاحقة كل من يعارض النظام القائم رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة، كان يمكن أن تسقطها المحكمة الدستورية لو تم إحداثها.

وأوضح بأن السعيد كان يشدد دائما على أهمية المحافظة على الأمن القومي، ويتجاهل في المقابل أن المحكمة الدستورية أيضا من مقومات المحافظة على الأمن القومي للبلاد، لافتا إلى أن سعيد كان من أبرز منتقدي المنظومات السابقة التي لم تنجح في إحداث هذه المحكمة وهو أيضا من رفض في 2021 ختم مشروع قانون يقر إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية.

ولم تتمكن الكتل البرلمانية التي وقع انتخابها في 2014 من انتخاب سوى عضو واحد في مارس 2018 من بين 4 أعضاء بسبب الخلافات والتجاذبات الحزبية.

فراغ في المناصب القضائية

من جانب آخر، يؤكد الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" (داعم للسلطة) محمود بن مبروك أن الرئيس التونسي قيس سعيد لم يعارض إحداث المحكمة الدستورية، بل أعاد التنصيص عليها في دستور البلاد لسنة 2022.

وأرجع بن مبروك في حديثه لـ "الحرة" أسباب تأخر تشكيلها إلى تركيبة هذه المحكمة التي تستوجب خططا وظيفية معينة، فيما يظل هناك فراغ في مناصب عدة بمؤسسات قضائية عليا من ضمنها الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام وهي رتب قضائية تتوفر فيها شروط التأهل آليا لعضوية المحكمة الدستورية.

ويستبعد المتحدث أن يكون سعيد يخشى رقابة هذه الهيئة القضائية للمراسيم والقوانين التي يصدرها مشددا على أن هذه المسألة باتت محل سجال سياسي في البلاد، ترغب من خلاله المعارضة إلى استبدال الرئيس في أي حالة شغور.

وختم بالقول: من المتوقع إحداث المحكمة الدستورية فور الانتهاء من سد الشغور في الهيئات القضائية الأخرى، لما لها من أهمية في استكمال تثبيت أحد ركائز الدولة الديمقراطية.