خطوات سعيد تأتي في ظل وضع سياسي محتدم في تونس
خطوات سعيد تأتي في ظل وضع سياسي محتدم في تونس

أقال الرئيس التونسي، قيس سعيد، الاثنين، وزير الدفاع، ووزيرة العدل بالإنابة، وكلف "الكتاب العامين" في الوزارتين بتصريف الأمور الإدارية والمالية إلى حين تسمية حكومة جديدة.

وجاءت إقالات وزير الدفاع، إبراهيم البرتاجي، والوزيرة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالوظيفة العمومية، ووزيرة العدل بالنيابة، حسناء بن سليمان، على خلفية الأزمة السياسية التي تمر بها تونس، والتي نتج عنها إقالة حكومة، هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان.

وكلف سعيد، "الكتاب العامين أو المكلفين بالشؤون الإدارية والمالية برئاسة الحكومة والوزارات المذكورة تصريف أمورها الإدارية والمالية إلى حين تسمية رئيس حكومة جديد وأعضاء جدد فيها".

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر أمنية تونسية لم تسمها، أن سعيد كلف، خالد اليحياوي، المدير العام لوحدة الأمن الرئاسي بالإشراف على وزارة الداخلية بعد إقالة الحكومة، الأحد.

تأتي هذه الخطوات بعد قرار سعيد، الأحد، بتجميد أعمال مجلس النواب، وإعلانه تولي السلطة التنفيذية، في خطوة وصفها رئيس البرلمان راشد الغنوشي بأنها "انقلاب".

وفي محيط البرلمان، تجمع عشرات المؤيدين لقرار سعيد يقابلهم أنصار حركة النهضة، ليتطور الأمر إلى مناوشات وتقاذف بالحجارة بين الطرفين اللذين فصلت بينهما القوات الأمنية.

كما ينفذ الغنوشي اعتصاما بدأه صباح الاثنين أمام البرلمان في العاصمة تونس، بعدما منعه الجيش من الدخول إلى المبنى.

احتجاجات أمام إحدى المحاكم بتونس للطالبة بإطلاق سراح سجناء الرأي
احتجاجات أمام إحدى المحاكم بتونس للطالبة بإطلاق سراح سجناء الرأي

قررت المحكمة الابتدائية بتونس عقد عدد من الجلسات المعينة خلال شهر أبريل 2025، وفق إجراءات المحاكمة عن بعد، في خطوة تباينت بشأنها المواقف الحقوقية والسياسية.

واعتبرت رئاسة المحكمة أنه تم اتخاذ هذا الإجراء، نظرًا لوجود "خطر حقيقي"، مع ملاحظة أن هذه الإجراءات سوف تتواصل إلى أن يقع البت في القضايا المنشورة (حوالي 150 قضية)، ومن بينها ما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة".

وذكرت المحكمة ذاتها، أنها اتخذت قرار المحاكمة عن بعد استنادًا إلى الفصل 73 من القانون عدد 16 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلق بإمكانية إجراء المحاكمة عن بعد.

يأتي ذلك في ظرف تثير فيه إجراءات المحاكمة عن بعد الكثير من الانتقادات الحقوقية والسياسية، بعد ان طلبت في وقت سابق عائلات المعتقلين في قضية "التآمر على أمن الدولة" بضرورة علنية جلسات المحاكمة لإطلاع الرأي العام في تونس عليها. 

قرار إجراءات المحاكمة عن بعد، تباينت بشأنه المواقف الحقوقية والسياسية، وذلك في ظل السجال الحاصل بشأن الملاحقات القضائية لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة وعدد من رجال الأعمال والمحامين. 

نسف لمقومات المحاكمة العادلة

تعليقا على هذا الموضوع، يرى المحامي، عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين في تونس، سمير ديلو، أن القرار الجديد بالمحاكمة عن بُعد خلال شهر أبريل الجاري، غير مبرر وغير قانوني، فضلا عن نسفه إمكانية المحاكمة العادلة.

وقال ديلو لموقع "الحرة" إن هذا القرار يقضي على إمكانية المحاكمة العادلة، إذ تم الاستناد إلى الفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية، وهو نص قانوني صدر خلال جائحة كورونا لكنه لم يعد ساري المفعول قانونيا. 

وأضاف مبررا موقفه بأن القرار القضائي تجاهل اشتراط الموافقة الكتابية والمعلّلة، واستند إلى مبرر "الخطر الحقيقي" بدلًا من "الخطر المُلمّ"، وهو ما يثير تساؤلات قانونية. 

وتابع في السياق ذاته، أن القاضي المعيّن للنظر في القضية تم اختياره بقرار وزاري، في تجاوز لصلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، ما يعزز شبهة تضارب المصالح، خاصة أن وزيرة العدل خصم سياسيّ للمتهمين، ومحلّ شبهة جزائية، وفق قوله.

وسبق أن اتخذت رئاسة المحكمة الابتدائية بتونس قرارًا مماثلاً خلال شهر مارس الماضي، ما أثار عديد من ردود الأفعال، من مكونات المجتمع المدني والسياسي.

والقرار رفضته هيئة الدفاع والمتهمون فيما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة"، وتمسكت هيئة الدفاع بجلب الموقوفين في القضية وكذلك الشهود إلى قاعة الجلسة.

ضرب للمسار القضائي

من جانبه، اعتبر الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري (معارض) وسام الصغير، أن قرار عقد الجلسات عن بعد للمرة الثانية، سعي لـ"ضرب المسار القضائي العادل ويؤكد تهرب السلطة من مواجهة الحقيقة وممّا ارتكبته من مظالم في حق المعتقلين السياسيين".

وأضاف الصغير في حديثه لـ"لحرة" أن مثل هذه القرارات تؤكد ارتهان القضاء للقرار السياسي الذي يهدف لتصفية الخصوم السياسيين للرئيس التونسي قيس سعيد.

وتابع في هذا الخصوص، بأن القرار القضائي الجديد يأتي في سياق التنكيل بالخصوم السياسيين ورفض السلطة مواجهة "من نكلت بهم داخل السجون لما يزيد عن سنتين".

وتبعا لذلك، طالب المتحدث بتمتيع كل المتقاضين ومن ضمنهم المتهمون في قضية "التآمر على أمن الدولة" في الدفاع عن أنفسهم والوقوف أمام القضاء لمواجهته بالحجة والبرهان لافتا إلى أن قضية "التآمر" هي عنوان أزمة حقيقية تعيشها تونس ولا يمكن الخروج منها بانتهاج سياسة الهروب إلى الأمام من قبل النظام الحالي.

وتعود قضية "التآمر على أمن الدولة" إلى فبراير 2023، إذ شنت قوات الأمن في تونس حملة اعتقالات واسعة ضد قيادات سياسية معارضة للنظام ورجال أعمال وأمنيين.

ووجه القضاء وقتها تهما خطيرة للمعتقلين تصل عقوبتها إلى الإعدام كتكوين "مجموعة إرهابية" و"التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي".

قضايا حساسة

وفي مقابل الانتقادات الموجهة للسلطة والقضاء، يؤكد الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" (داعم للسلطة) محمود بن مبروك أن الوضع الذي تعيشه تونس دقيق وليس هناك أي تأثير في سير الملفات المعروضة على القضاء في البلاد.

وأوضح بن مبروك في تصريح لموقع "الحرة" أن القرار القضائي بإجراء محاكمات عن بعد جاء نتيجة لطبيعة القضايا الحساسة التي تنظر فيها المحكمة الابتدائية بتونس من بينها قضية "التآمر على أمن الدولة" مشددا على أن ليس هناك أي انحياز من المؤسسة القضائية لفائدة السلطة.

وتابع بالقول: "لو كانت السلطة تتحكم في القضاء لما تم الإفراج عن الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، المنتهية عهدتها، سهام بن سدرين، فضلا عن إطلاق سراح عدد من المسؤولين الآخرين في تهم خطيرة".

وفي فبراير المنقضي تم إطلاق سراح بن سدرين، والوزير السابق رياض المؤخر، والإعلامي محمد بوغلاب، بعدما تم اعتقالهم سابقا على خلفية قضايا مختلفة.

من جانب آخر، يرى الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" محمود بن مبروك أن المعارضة في تونس تسعى من خلال بيانات التنديد إلى الضغط على القضاء في البلاد والتأثير في سير القضايا المعروضة عليه.

يشار إلى انه من المرتقب ان تنعقد جلسة في 11 أبريل الجاري للنظر في قضية "التآمر على أمن الدولة"، التي تشمل نحو 40 شخصا من ضمنهم قيادات سياسية بارزة ورجال أعمال.