الخلافات بين الأحزاب في البرلمان أدت إلى تصاعد غضب الرأي العام
الخلافات بين الأحزاب في البرلمان أدت إلى تصاعد غضب الرأي العام

في الساعات التي أعقبت إعلان الرئيس التونسي، قيس سعيد، تجميد أعمال البرلمان وإعفاء الحكومة، تجمعت حشود ضخمة لدعمه في العاصمة ومدن أخرى، وتعالت الهتافات والزغاريد في مقابل خروج مظاهرات مناهضة لهذه الإجراءات،  وسط تطويق الجيش مبنى البرلمان والتلفزيون الحكومي.

ومساء الأحد، أعلن سعيد "تجميد" أعمال مجلس النواب لمدة 30 يوما، في قرار اعتبر أنه كان يُفترض أن يتخذه "منذ أشهر"، كما قرر إعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه.

وعقب اجتماع طارئ في قصر قرطاج عقده سعيد مع مسؤولين أمنيين، أعلن أنه سيتولى بنفسه السلطة التنفيذية "بمساعدة حكومة، يرأسها رئيس الحكومة، ويعينه رئيس الجمهورية".

وقد سُمعت أصوات أبواق السيارات في شوارع تونس العاصمة ومناطق أخرى بُعيد إعلان قرارات الرئيس التي أتت إثر احتجاجات في كثير من المدن في أنحاء البلاد، على الرغم من انتشار الشرطة بشكل كثيف للحد من التنقلات. 

بالمقابل، أظهرت صور بثها التلفزيون التونسي العشرات من أنصار النهضة، وهم بالقرب من مبنى البرلمان اعتراضا على إجراءات سعيد، فيما منعت قوات الجيش المتمركزة خارج المبنى رئيس البرلمان راشد الغنوشي من الدخول.

وتوجه الغنوشي ونواب آخرون إلى المجلس منذ الساعة الثالثة فجرا (02,00 ت غ)، إلا أنهم مُنعوا من الدخول من جانب الجيش المتواجد في الداخل خلف أبواب موصدة.

ويصف الكاتب والمحلل السياسي، باسل ترجمان، لموقع "الحرة" احتفالات تونسيين بقرارات الرئيس بـ"المنطقية"، قائلا إنها تعبر عن حالة الغضب الشعبي من "فشل المنظومة السياسية التي قادت تونس إلى أن تصبح دولة فاشلة على جميع الأصعدة؛ الصحية والاقتصادية الاجتماعية، مضافا إليها أزمة سياسية خانقة".

وفي المقابل، وصف بلقاسم حسن، عضو المكتب السياسي لحزب النهضة، الاحتفالات بـ"الانقلاب"، قائلا لموقع "الحرة": "هناك من يعارض الحكومة والبرلمان والنهضة" التي تشكل أكبر كتلة نيابية في المجلس (54 من أصل 217).

واستنكر متظاهرون عدم إدارة الحكومة الأزمة الصحية بشكل جيد، خصوصا أن تونس تعاني نقصا في إمدادات الأكسوجين. ومع نحو 18 ألف وفاة لعدد سكان يبلغ 12 مليون نسمة، فإن البلاد لديها أحد أسوأ معدلات الوفيات في العالم.

وكانت مجموعات مجهولة وجهت، عبر موقع فيسبوك، دعوات إلى التظاهر في 25 يوليو، الموافق لعيد الجمهورية.

يقول ترجمان إن البرلمان الحالي "يقوم بكل ما يمكن أن يسيء إلى التجربة الديمقراطية، مما أدى إلى ترحيب شعبي كبير جدا بقرارات الرئيس". 

وفي أكتوبر 2019، أبدى الناخبون استياءهم من الأحزاب الكبرى، الأمر الذي انعكس على نتيجة الانتخابات التي أسفرت عن برلمان مقسم بقوة ثم انتخبوا بعد ذلك السياسي المستقل قيس سعيد، أستاذ القانون الدستوري السابق، رئيسا للبلاد. 

وفي 2020، بلغ العجز المالي لتونس مستوى قياسيا، حيث تجاوز 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بينما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات منذ شهر يناير الماضي للمطالبة بتوفير فرص العمل وإنهاء الظلم الاقتصادي والاجتماعي.

ويرى ترجمان أن "المنظومة السياسية والأحزاب" هي المسؤولة عن الأوضاع الصعبة، التي تواجهها تونس حاليا، مضيفا "لا يعقل أن تكون قبة مجلس النواب قاعة لحماية الفاسدين".

وفي المقابل، يحمّل حسن نتيجة الأوضاع التي تشهدها تونس حاليا إلى ما وصفها بـ"القرارات غير الدستورية" للرئيس.

ويقول حسن إن التعطيل السياسي الذي واجهه البرلمان لفترة طويلة أدى إلى تفاقم الأزمتين الاقتصادية والصحية في تونس. 

وتابع: "مجلس النواب سن قوانين من بينها الطوارئ الصحية والإنعاش الاقتصادي وتشغيل أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل منذ عشر سنوات فأكثر، فضلا عن قوانين أخرى تتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني".

"لكن رغبة الرئيس في الانفراد بالسلطة والتي عبر عنها في أكثر من مناسبة خلال لقاءاته بأجهزة رسمية في الدولة" تقف عائقا أمام تنفيذ بعض القوانين، حسبما يقول عضو حزب النهضة.

وبموجب الدستور، فإن الرئيس مسؤول بشكل مباشر عن الشؤون الخارجية والجيش فقط ولكن بعد ما شهدته مراكز التطعيم من فوضى الأسبوع الماضي طلب الرئيس من الجيش تولي مسؤولية التصدي للجائحة.

الأرقام الرئيسيّة المسجّلة بتاريخ 24 جويلية 2021 #كوفيد_19 🇹🇳

Posted by ‎Ministère de la santé وزارة الصحة‎ on Sunday, July 25, 2021

وعلى الجانب الآخر، ينتقد ترجمان القوانين التي مررها البرلمان منذ انتخابه، خاصا بالذكر قانون الصرف الجديد (الإنعاش الاقتصادي) الذي وصفه بـ"الفضيحة" وصادق عليه البرلمان "ليسمح لمبيضي الأموال والمتهربين من الضرائب بتبييض أموالهم"، على حد قوله.

وفي وقت سابق من يوليو الجاري، صادق البرلمان التونسي على قانون جديد لإنعاش الاقتصاد وتسوية مخالفات الصرف لكنه أثار جدلا واسعا، إذ يتضمن تسوية مخالفات الصرف الأجنبي للشركات والأفراد ويسمح لجميع التونسيين بفتح حسابات بالعملة الصعبة لأول مرة.

وكان القانون أثار خلافات بين نواب الائتلاف الحاكم المؤيدين له ونواب المعارضة الذين انتقدوا ما جاء به من "تسوية مخالفات الصرف" التي ارتكبتها بعض المؤسسات على مدار سنوات.

وردا على ذلك، عقد البنك المركزي التونسي اجتماعا استثنائيا، الجمعة الماضية، وفي اليوم التالي أصدر بيانا قال فيه إن قانون إنعاش الاقتصاد "تضمن إجراءات تؤدي إلى عرقلة قيادة السياسة النقدية، وتؤثر في بعض الالتزامات الدولية لتونس، وقدرة البلاد على مواصلة تعبئة التمويلات الخارجية الضرورية".

وإلى جانب ذلك، يرى ترجمان أن القانون "يشكل خرقا لتعهدات واتفاقات تونس الموقعة مع المنظمات الدولية بخصوص محاربة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب (...) للأسف هذه هي الحالة التي وصلت إليها الأوضاع في تونس".

خلاف سعيد والبرلمان

وبموازاة الأزمة المالية غير مسبوقة، شهدت تونس أزمة سياسية حادة بين الرئيس سعيد ورئيس الوزراء هشام المشيشي.

وبدأت الخلافات تظهر في الحياة السياسية في تونس منذ إقرار الدستور الذي نص على نظام سياسي هجين بين البرلماني والرئاسي، فيما تعهد سعيد قبيل الانتخابات بتقديم مبادرة تشريعية لتعديله.

وبعد انتخابه، برز بقوة الخلاف حول الصلاحيات بينه وبين البرلمان. ويقول حسن إن سعيد كان واضحا جدا في رغبته بـ"الحكم المطلق".

بينما يرى ترجمان أن الأزمة التي تواجهها بلاده اليوم تتعلق بتقاسم السلطة مع أطراف تهدف لتحويل تونس إلى دولة تديرها "المافيا ولوبيات الفساد والعصابات"، على حد قوله.

وقد أدت الخلافات بين الأحزاب في البرلمان إلى تصاعد غضب الرأي العام، حيث يشل هذا الواقع السياسي اتخاذ القرارات.

ويقول حسن إن الرئيس "كان يغذي التعطيل السياسي للبرلمان، وكان يؤيد الأحزاب المعارضة في المجلس مما أدى إلى تقويض الديمقراطية في المجلس الذي سن كثيرا من القوانين".

ومنذ انتخابه، شهد البرلمان مناوشات بين النواب المؤيدين والمعارضين للنهضة، وكان آخرها صفع النائب الصحبي سمارة للبرلمانية عبير موسي على الملأ، الأمر الذي أسفر عن استنكار واسع.

ومؤخرا شرع حزب النهضة بإعادة النقاش في البرلمان بشأن قانون المحكمة الدستورية من أجل تجاوز الخلافات والحسابات السياسية التي أخرت إنشاءها منذ سبعة أعوام.

وفي نهاية مارس الماضي، صادق البرلمان على فصول جديدة في القانون لتسهيل عملية انتخاب الأعضاء. لكن سعيد رد على ذلك بإرسال رسالة تفسيرية طويلة بخط يده الى البرلمان، يُبين فيها أن تنقيحاته غير قانونية وجاءت بعد الآجال الدستورية.

وقال سعيد حينذاك: "القوانين أصبحت توضع على المقاس، كاللباس وكالحذاء ولن أقبل بوضع قوانين على مقاس الحكام. لن أقبل بمحكمة لتصفية الحسابات. بعد أكثر من خمس سنوات وبعد سبات عميق وبعد نفاق وبعد شقاق، تذكروا المحكمة الدستورية الآن".

وهذه الواقعة لم تكن الأولى التي يرفض فيها سعيد قانونا أو قرارا يتخذه البرلمان ويصادق عليه، الأمر الذي أعاق عمل الهيئات والمؤسسات في البلاد.

فقد رفض سعيد تعديلا وزاريا اقترحه المشيشي، في منتصف ينايرالماضي وصادق عليهم البرلمان لاحقا، وشمل إقالة وزراء مقربين من سعيد من بينهم وزير الداخلية السابق توفيق شرف الدين. 

وبرر الرئيس رفضه بأن بعض الشخصيات التي تم تعيينها تحوم حولها شبهات تضارب مصالح وفساد.

وفي المقابل كلف المشيشي وزراء آخرين، لم يشملهم التعديل الوزاري، بمهام الوزراء المعلق تعيينهم. وكانت من بين الوزارت التي تسير بالنيابة منذ أشهر الداخلية والعدل والصحة والزراعة.

ويحظى المشيشي بدعم الغنوشي الذي قال إن سعيد يعطل الآلة الدستورية برفضه المصادقة على التعديل وهو اختصاص حصري لرئيس الحكومة. وكان هذا الوضع غير مسبوق في البلاد، حيث طالت مدة الأزمة بين رأسي السلطة في البلاد.

واعتراضا على تحميل سعيد الوضع الذي آلت إليه الأمور في البلاد، يتساءل ترجمان، قائلا: "ما دخل الرئاسة في عمل مجلس النواب؟". وبموجب الدستور فإن الرئيس مسؤول بشكل مباشر عن الشؤون الخارجية والجيش فقط.

وأضاف "المشكلة لا تكمن في خلاف شخصي، إنما في فشل الحكومة اقتصاديا إلى جانب فشلها في إدارة الكارثة الصحية التي تعيشها تونس اليوم".

إلا أن حسن يقول إن "البرلمان والحكومة والنهضة يواجهون رفضا، الأمر الذي لا يتوافق مع النظام السياسي في تونس". 

سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)
سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)

في سابقة سياسية لافتة، عيّن الرئيس التونسي قيس سعيّد، المهندسة، سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة جديدة للحكومة، لتصبح بذلك ثاني امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد بعد نجلاء بودن، التي كانت قد شغلت رئاسة الحكومة بين أكتوبر 2021 وأغسطس 2023. 

وجاء تعيين الزعفراني في لحظة دقيقة من تاريخ تونس، حيث أكد سعيّد على ضرورة "إحكام تناسق العمل الحكومي وتذليل العقبات لتحقيق انتظارات الشعب التونسي".

من هي سارة الزعفراني؟

ولدت سارة الزعفراني الزنزري في 26 يناير 1963 في تونس العاصمة، وتنتمي إلى جيل من المهندسات اللواتي شققن طريقهن في ميدان ظل طويلاً حكراً على الرجال. تخرجت من المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس في اختصاص الهندسة المدنية، وهو مسار أكاديمي يتطلب ست سنوات من الدراسة بعد البكالوريا.

 ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على شهادة الماجستير في "الهندسة الجيوتقنية" من جامعة هانوفر في ألمانيا، متقنة إلى جانب لغتها الأم، اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، ما أعطاها قدرة على العمل في بيئة دولية متعددة التخصصات.

لم تكن الزعفراني طارئة على العمل الحكومي حين عُيّنت وزيرة للتجهيز والإسكان في 11 أكتوبر 2021، وهو المنصب الذي احتفظت به حتى تعيينها رئيسة للحكومة في مارس 2025، وكانت في الوقت نفسه مكلفة بتسيير وزارة النقل.

تجربة إدارية..و ثلاثة عقود

خلال 32 عامًا من العمل المتواصل في وزارة التجهيز والإسكان والبنية التحتية، ارتقت الزعفراني في سلم المسؤوليات، بداية من مهندسة أولى في إدارة الدراسات الفنية في سبتمبر 1989، وصولاً إلى منصب المديرة العامة لوحدة متابعة إنجاز مشاريع الطرقات السيارة وتحرير حوزة الطرقات في 2014، وهو المنصب الذي شغلته حتى توليها الحقيبة الوزارية في 2021.

ساهمت الزعفراني في إدارة ومتابعة عدد من أهم مشاريع البنية التحتية في البلاد، من بينها الطريق السيارة صفاقس – قابس، والطريق السيارة وادي الزرقاء – بوسالم، وهما من أهم شرايين النقل في تونس. 

كما تولّت مسؤوليات تقنية واستراتيجية تتعلّق بتحرير حوزة الطرقات في المدن ومراقبة إنجاز المنشآت الكبرى.

ولم يقتصر نشاطها المهني على الجانب التنفيذي، فقد شغلت عضوية مجالس إدارة لشركات استراتيجية مثل "شركة تونس للطرقات السيارة" و"شركة ميناء النفيضة".

وساهمت أيضا في إعداد كراسات المواصفات الفنية التونسية للمنشآت الهندسية، في مجالات تتعلّق بالخرسانة المسلحة، والهياكل المعدنية، وحماية المباني من النيران والرطوبة، ما يعكس دقة تخصّصها وعمق خبرتها الفنية.

وإلى جانب مؤهلاتها الهندسية، شاركت الزعفراني في دورات تدريبية مرموقة في معهد الدفاع الوطني، ومعهد القيادة الإدارية بالمدرسة الوطنية للإدارة.

 وخضعت كذلك لبرامج متقدمة في القيادة وتصرف الأزمات، وهي نقاط تُحسب لها خصوصاً في ظل وضع اقتصادي واجتماعي وسياسي دقيق تمرّ به تونس، يتطلّب إدارة حكيمة وقرارات حاسمة.

وتسلمت الزعفراني رئاسة الحكومة خلفًا لكمال المدوري، وفي خضم تحديات اقتصادية خانقة، منها تفاقم الدَّين العام، وتراجع احتياطي العملة الصعبة، وأزمات معيشية تمس المواطن التونسي يوميًا، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تمس منظومات التعليم والصحة والنقل.

ومع أن النساء التونسيات حققن مكاسب كبيرة منذ الاستقلال، إلا أن وصول سيدة إلى رئاسة الحكومة ما يزال يشكل استثناءً في المشهد السياسي العربي، وهو ما يجعل من تجربة الزعفراني محط اهتمام ليس فقط داخل تونس بل في مختلف أرجاء العالم العربي.

وقبل الزعفراني، كانت نجلاء بودن أول من فتح هذا الباب، عندما عيّنها الرئيس قيس سعيّد في سبتمبر 2021، لتكون أول امرأة ترأس حكومة في تاريخ تونس والعالم العربي.

و جاءت بودن من خلفية أكاديمية قوية، فهي مهندسة جيولوجية، وأستاذة في التعليم العالي، تحمل درجة الدكتوراه من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس. 

وقد عملت في عدة مناصب في وزارة التعليم العالي، وشاركت في برامج إصلاحية كبرى في مجال التعليم.

ومع أن تجربة بودن انتهت في أغسطس 2023 دون أن توضح الرئاسة التونسية الأسباب، إلا أن تعيين الزعفراني يُظهر أن رئاسة الحكومة لم تعد حكرًا على الرجال في تونس، وأن مشاركة المرأة في قيادة الدولة تتكرّس تدريجيا، ولو ضمن سياقات سياسية متغيرة.