People walk in the center of Tunis, Tunisia, July 28, 2021.  REUTERS/Zoubeir Souissi
غليان سياسي في تونس رغم الهدوء على الأرض

بعد أيام من الخطوات الاستثنائية التي أصدرها الرئيس، قيس سعيد، لا يزال الجدل مستمرا في تونس عقب إقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان في مشهد لم يسفر عن أي بوادر لإنهاء هذه الأزمة.

يجادل المؤيدون لقرارات سعيد بأنه استخدم حقه في استخدام المادة 80 من الدستور والتي تتناول أحقية الرئيس باتخاذ إجراءات استثنائية أثناء تعرض الدولة لخطر داهم، لكن المعارضون يرون أن تلك القرارات هي مجرد "انقلاب" على الدستور باعتبار أنه لم يستشر رئيس مجلس النواب.

في وقت سابق من الأسبوع الحالي، أقال الرئيس قيس سعيد، رئيس وزراء البلاد الذي اختاره، هشام المشيشي، وأنهى خدمات بعض الوزراء وجمد عمل البرلمان لمدة 30 يوما، بالإضافة إلى إقالة عدد من المسؤولين في الحكومة ورفع الحصانة عن أعضاء السلطة التشريعية وإسناد كامل السلطة التنفيذية لنفسه، علاوة على فرض حظر للتجول وتعطيل العمل الرسمي ليومين قابلة للتمديد. 

في الناحية الأخرى، أعلن رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس تكوين جبهة وطنية لمواجهة الرئيس قيس سعيد.

نظام رئاسي جديد أم تراجع؟

ويرى مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية في جنيف، رياض الصيداوي، أن حل الخروج من هذه الأزمة تتمثل في التحول إلى النظام الرئاسي.

وقال لموقع قناة "الحرة" إن النظام البرلماني فشل في تونس، كما هو الحال في لبنان والعراق، على حد وصفه.

وأضاف: "الأزمة الحالية هي أزمة هيكلية وليست ظرفية. النظام البرلمان في البلاد أثبت عجزه ... التفكير في استفتاء للتحول إلى نظام رئاسية مثلما فعل شارل ديغول في فرنسا أو إردوغان بتركيا من شأنه أن يخرج تونس من الأزمة".

وبدأت الخلافات تظهر في الحياة السياسية التونسية منذ إقرار الدستور الذي رأى النور بعد ثورة 2011 ونص على تأسيس نظام سياسي هجين بين البرلماني والرئاسي، فيما تعهد سعيد قبيل الانتخابات الاخيرة بتقديم مبادرة تشريعية لتعديله.

وأردف الصيداوي: "الأنظمة البرلمانية في الدول العربية في فشل دائم وجمود سياسي ولم تنجح التجربة بالعراق ولبنان ولا حتى في تونس".

يشرح قائلا: "في السنوات العشر الأخيرة لا يوجد استقرار سياسي للبلاد، إذ لا تدوم الحكومة التونسية إلا أشهر محدودة على الرغم من كونه نظام ديمقراطي يصلح للتصدي للدكتاتورية".

المواجهة تشتد بين الرئيس التونسي ورئيس البرلمان

لكن في المقابل، يعتقد القانوني والمحلل السياسي، عبداللطيف الدربالة، أنه لا حل للأزمة التونسية سوى "تراجع الرئيس عن قراراته"، مشيرا إلى أن الرئيس يرغب بتأسيس نظام سياسي جديد للبلاد.

وكان الرئيس قيس سعيد ألمح في الكثير من خطاباته إلى رغبته في تعديل النظام السياسي بإقرار النظام الرئاسي لكن هذه الخطوة تستوجب أولا وجود المحكمة الدستورية لم ترَ النور منذ 7 أعوام بسبب التجاذبات بين الأحزاب.

يضيف الدربالة في حديثه لموقع "الحرة" أن الرئيس سعيد "يطمح أن تكون هذه المرحلة أطول لإعادة صياغة المشهد السياسي بالطريقة التي يحلم بها، بحيث تكون المنظومة تحت إمرة الرئيس فقط فيما يقتصر البرلمان على مراقبة عمل الحكومة".

بين محاربة الفساد وإنقاذ الديمقراطية

ويثار الاختلاف أيضا بين مؤيدي الرئيس الذين يرون بأنه يرغب في مكافحة الفساد من خلال إسناد لنفسه السلطات التنفيذية الكاملة، ومعارضيه الذين يرون في القرارات عودة البلاد إلى المربع الأول لما قبل ثورة 2011 التي أسقطت نظام زين الدين بن علي وفتحت الأجواء الديمقراطية.

يقول الصيداوي إن "الرئيس سعيد منتخب وصل عن طريق صناديق الاقتراع ولم يأت على ظهر دبابة ... هو صاحب الشرعية، علاوة عن كونه رجل قانون حصل على ثقة الشعب باعتباره شخص نزيه".

قرارات الرئيس التونسي أثارت جدلا كبير في الشارع بين مؤيد ومعارض
المحكمة الدستورية.. المفتاح المفقود لحل أزمة تونس
كان من المقرر أن تكون الكلمة الفصل للمحكمة الدستورية في تونس بشأن شرعية القرارات التي اتخذها رئيس البلاد، قيس سعيد، بشأن تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة وفرض إجراءات استثنائية لمدة شهر، مما أثار الكثير من التساؤلات بشأن عدم إنشاء تلك الهيئة القضائية الرفيعة إلى حد الآن.

في العام 2019، تولى قيس سعيد رئاسة البلاد على خلفية فوزه في الانتخابات بنسبة 72,71 بالمئة في استحقاق بلغت نسبة المشاركة فيه 55 بالمئة.

وأشار الصيداوي في حديث سبق الإعلان عن فتح تحقيقات مع ثلاث أحزاب سياسية في البلاد، إلى أن "الرئيس يتلقى تقارير يومية من المخابرات وفوجئ بحجم الفساد المستشري في البلاد سياسيا وماليا".

وتابع: "الرئيس ألمح سابقا لوجود ملفات فساد تتعلق بجواسيس وعملاء للخارج. الشعب التونسي يهمه ملفات الفساد، والتحول إلى نظام رئاسي يعطي الرئيس صلاحيات أكبر على اعتبار الصلاحيات التي يمنحها النظام الحالي للرئيس تقتصر في الخارجية والدفاع فقط".

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصدر قضائي عن فتح تحقيق مع 3 أحزاب سياسية، بما فيها حركة النهضة وقلب تونس بسبب تلقيهم أموال أجنبية خلال حملات انتخابية العام 2019.

وقال إن نقل صلاحيات إضافية للرئيس بموجب القرارات الأخيرة يعطي قيس سعيد المجال لمكافحة الفساد في ظرف استثنائي تعيش فيه البلاد "مأزق حقيقي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بالإضافة إلى تردي القطاع الصحي بسبب جائحة فيروس كورونا"، وفقا للصيداوي.

ودلل على رأيه باتجاه الرئيس سعيد لإسناد مهام النائب العام لنفسه حتى "يفتح ملفات الفاسدين ويقيل المسؤولين المتورطين بناء على المعلومات الاستخباراتية التي يمتلكها".

وتعيش تونس أزمة اقتصادية فاقمها الوباء الذي أدى إلى تضرر بالغ في المنظومة الصحية للبلاد، في حين كانت الاختلافات واضحة بين الرئيس سعيد والحكومة فيما يتعلق بتعديلات وزارية برزت خلال الأشهر الماضية.

في المقابل، يقول الدربالة إنه لا يجب أن يتم إسناد مهام النيابة العامة للرئيس سعيد على اعتبار أنه سيكون صاحب الحق في فتح تحقيقات وتوجيه اتهامات لأحد.

ويرى أن "الرئيس سعيد كان مشاركا في بث الشلل بالحياة السياسية وتأزيم الوضع في تونس"، محملا إياه المسؤولية للنتيجة التي وصلت لها البلاد حاليا بعد استحواذه على كافة السلطات، على حد قوله.

ومع ذلك، يرجح الدربالة أن يلطف الرئيس سعيد الأجواء بعد بيانات الدول الكبرى التي طالبته بالحوار مع الأحزاب السياسية، والضغوطات من قبل مؤسسات المجتمع المدني الداخلية.

وقال إنه "يمكن إنقاذ المسار الديمقراطي وحفظ ماء وجه الجميع وإنهاء حالة الانقسام بعد ضغوطات من قبل منظمات المجتمع المدني في البلاد".

وكان سعيد اجتمع بعد يوم من قراراته المثيرة للجدل مع مسؤولي مؤسسات نقابية ومدنية ومنظمات خاصة بالمرأة، بما في ذلك الاتحاد العام للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين والاتحاد الوطني للمرأة التونسية.

تونس- تطورات
تجميد برلمان تونس.. جدل حول "المخالفة" وخبير يفسر "دستورية" القرار
تتوالى الأحداث في تونس بشكل متسارع، بينما يترقب متابعون الخطوات التالية من الفاعلين السياسيين، إثر القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس، قيس سعيد، بخصوص مجلس الشعب، والحكومة، وما أعقب ذلك من مراسيم، اتخذها الإثنين، أنهت مهام بعض الوزراء.

وبينما أشار الصيداوي إلى أن حركة "النهضة لا ترغب في النظام الرئاسي لأنها تخشى السقوط في الدور الثاني ... باعتبار أن كل الفرقاء السياسيين ضدها وهي مستفيدة في الانتخابات التشريعية من تمزق الليبراليين واليساريين وبقية الأحزاب الأخرى"، قال الدربالة إن النظام البرلماني الحالي لم يحصل على حقه في العمل بطريقة طبيعية منذ الثورة؛ لأنه بعد سنوات من الديكتاتورية والحزب الواحد شهدت تونس ولادة أطيافا سياسية مختلفة دون أن يكون لها خبرة لتشكيل حكومة ائتلافية، على حد وصفه.

وأوضح الدربالة أن البلاد "لا تملك أحزابا قوية مستمرة ... فكل حزب يأخذ السلطة وبمجرد وصوله يتفكك وينحل".

سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)
سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)

في سابقة سياسية لافتة، عيّن الرئيس التونسي قيس سعيّد، المهندسة، سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة جديدة للحكومة، لتصبح بذلك ثاني امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد بعد نجلاء بودن، التي كانت قد شغلت رئاسة الحكومة بين أكتوبر 2021 وأغسطس 2023. 

وجاء تعيين الزعفراني في لحظة دقيقة من تاريخ تونس، حيث أكد سعيّد على ضرورة "إحكام تناسق العمل الحكومي وتذليل العقبات لتحقيق انتظارات الشعب التونسي".

من هي سارة الزعفراني؟

ولدت سارة الزعفراني الزنزري في 26 يناير 1963 في تونس العاصمة، وتنتمي إلى جيل من المهندسات اللواتي شققن طريقهن في ميدان ظل طويلاً حكراً على الرجال. تخرجت من المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس في اختصاص الهندسة المدنية، وهو مسار أكاديمي يتطلب ست سنوات من الدراسة بعد البكالوريا.

 ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على شهادة الماجستير في "الهندسة الجيوتقنية" من جامعة هانوفر في ألمانيا، متقنة إلى جانب لغتها الأم، اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، ما أعطاها قدرة على العمل في بيئة دولية متعددة التخصصات.

لم تكن الزعفراني طارئة على العمل الحكومي حين عُيّنت وزيرة للتجهيز والإسكان في 11 أكتوبر 2021، وهو المنصب الذي احتفظت به حتى تعيينها رئيسة للحكومة في مارس 2025، وكانت في الوقت نفسه مكلفة بتسيير وزارة النقل.

تجربة إدارية..و ثلاثة عقود

خلال 32 عامًا من العمل المتواصل في وزارة التجهيز والإسكان والبنية التحتية، ارتقت الزعفراني في سلم المسؤوليات، بداية من مهندسة أولى في إدارة الدراسات الفنية في سبتمبر 1989، وصولاً إلى منصب المديرة العامة لوحدة متابعة إنجاز مشاريع الطرقات السيارة وتحرير حوزة الطرقات في 2014، وهو المنصب الذي شغلته حتى توليها الحقيبة الوزارية في 2021.

ساهمت الزعفراني في إدارة ومتابعة عدد من أهم مشاريع البنية التحتية في البلاد، من بينها الطريق السيارة صفاقس – قابس، والطريق السيارة وادي الزرقاء – بوسالم، وهما من أهم شرايين النقل في تونس. 

كما تولّت مسؤوليات تقنية واستراتيجية تتعلّق بتحرير حوزة الطرقات في المدن ومراقبة إنجاز المنشآت الكبرى.

ولم يقتصر نشاطها المهني على الجانب التنفيذي، فقد شغلت عضوية مجالس إدارة لشركات استراتيجية مثل "شركة تونس للطرقات السيارة" و"شركة ميناء النفيضة".

وساهمت أيضا في إعداد كراسات المواصفات الفنية التونسية للمنشآت الهندسية، في مجالات تتعلّق بالخرسانة المسلحة، والهياكل المعدنية، وحماية المباني من النيران والرطوبة، ما يعكس دقة تخصّصها وعمق خبرتها الفنية.

وإلى جانب مؤهلاتها الهندسية، شاركت الزعفراني في دورات تدريبية مرموقة في معهد الدفاع الوطني، ومعهد القيادة الإدارية بالمدرسة الوطنية للإدارة.

 وخضعت كذلك لبرامج متقدمة في القيادة وتصرف الأزمات، وهي نقاط تُحسب لها خصوصاً في ظل وضع اقتصادي واجتماعي وسياسي دقيق تمرّ به تونس، يتطلّب إدارة حكيمة وقرارات حاسمة.

وتسلمت الزعفراني رئاسة الحكومة خلفًا لكمال المدوري، وفي خضم تحديات اقتصادية خانقة، منها تفاقم الدَّين العام، وتراجع احتياطي العملة الصعبة، وأزمات معيشية تمس المواطن التونسي يوميًا، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تمس منظومات التعليم والصحة والنقل.

ومع أن النساء التونسيات حققن مكاسب كبيرة منذ الاستقلال، إلا أن وصول سيدة إلى رئاسة الحكومة ما يزال يشكل استثناءً في المشهد السياسي العربي، وهو ما يجعل من تجربة الزعفراني محط اهتمام ليس فقط داخل تونس بل في مختلف أرجاء العالم العربي.

وقبل الزعفراني، كانت نجلاء بودن أول من فتح هذا الباب، عندما عيّنها الرئيس قيس سعيّد في سبتمبر 2021، لتكون أول امرأة ترأس حكومة في تاريخ تونس والعالم العربي.

و جاءت بودن من خلفية أكاديمية قوية، فهي مهندسة جيولوجية، وأستاذة في التعليم العالي، تحمل درجة الدكتوراه من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس. 

وقد عملت في عدة مناصب في وزارة التعليم العالي، وشاركت في برامج إصلاحية كبرى في مجال التعليم.

ومع أن تجربة بودن انتهت في أغسطس 2023 دون أن توضح الرئاسة التونسية الأسباب، إلا أن تعيين الزعفراني يُظهر أن رئاسة الحكومة لم تعد حكرًا على الرجال في تونس، وأن مشاركة المرأة في قيادة الدولة تتكرّس تدريجيا، ولو ضمن سياقات سياسية متغيرة.