FILE PHOTO: Tunisian President Kais Saied reacts after exit poll results were announced in a second round runoff of the…
الرئيس التونسي مدد التدابير الاستثنائية حتى إشعار آخر

شهدت تونس، بفارق ساعات محدودة، ليلة الاثنين-الثلاثاء قرارين هامين في مسار الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، إذ قرر الرئيس التونسي قيس سعيد مد التدابير الاستثنائية المثيرة للجدل حتى "إشعار آخر"، في حين أعلن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي حل مكتبها التنفيذي.

وقالت الصفحة الرسمية للرئاسة التونسية، عبر تويتر، إن سعيد "أصدر أمرا رئاسيا يقضي بالتمديد في التدابير الاستثنائية المتخذة بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 80 لسنة 2021 بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب وبرفع الحصانة البرلمانية عن كل أعضائه، وذلك إلى غاية إشعار آخر".

ويثير القراران التساؤلات حول مستقبل الأزمة السياسية الحالية، إذ أعلن الرئيس التونسي في يوليو، إعمال بنود المادة 80 من الدستور التونسي، لإقالة رئيس الحكومة، هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان برئاسة راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة)، لمدة شهر. 

وفي حين تنبأ محللون بأن الرئيس سيعين رئيس وزراء قبل نهاية مهلة الشهر ويعلن عن خارطة طريق سياسي لعودة الأمور لنصابها، جاء الإعلان ليشير إلى استمرار الوضع الاستثنائي بلا إطار زمني. 

أما حركة النهضة، فقد قالت، في بيان مقتضب، "تفاعلا مع ما استقر من توجه عام لإعادة هيكلة المكتب التنفيذي، فقد قرر رئيس الحركة إعفاء كل أعضاء المكتب التنفيذي و إعادة تشكيله بما يستجيب لمقتضيات المرحلة ويحقق النجاعة المطلوبة.

وأضافت أن زعيمها "يتقدم بجزيل الشكر لكل أعضاء المكتب على ما بذلوه من جهد فيما كلّفُوا به ودعوتهم لمواصلة مهامهم إلى حين تشكيل المكتب الجديد".

بسم الله الرحمن الرحيم بلاغ إعلامي: رئيس الحركة يقرر إعفاء المكتب التنفيذي ويعتزم تشكيل مكتب جديد 🇹🇳 تفاعلا مع ما...

Posted by ‎حركة النهضة التونسية‎ on Monday, August 23, 2021

"خطاب جديد للنهضة"

يرى المفكر والأكاديمي، صلاح الدين الجورشي، أن قرار حركة النهضة لا يعبر عن حل المكتب التنفيذي، بل هو "موافقة على استقالات سابقة تقدم بها الأعضاء منذ وقوع الأزمة"، على حد تعبيره.

وقال في تصريحات لموقع "الحرة" إن الغنوشي "استجاب لطلب أعضاء المكتب التنفيذي الذين تقدموا باستقالاتهم الفردية"، مضيفا أن رئيس النهضة "يريد خلق حالة من التغيير النسبي داخل الحركة ويريد أن يغير من الوجوه القيادية بوجوه أخرى".

ويشرح قائلا: "الأزمة الكبرى تفرض تغييرا جوهريا في كل القيادات بما فيها رئاسة الحركة وكذلك القواعد الخاصة بها، بالإضافة إلى مطالب باستراتيجية جديدة وخطاب سياسي جديد بعد أن فشلت (الحركة) في محاولتها السابقة في إدارتها للحكم والتعامل في مرحلة ما بعد الثورة".

وتعليقا على هذه الخطوة، قال القيادي بالحركة، خليل البرعومي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن "قرار حل المكتب التنفيذي كان متوقعا رغم أنه جاء متأخرا خاصة في ظل تصاعد غضب الشارع التونسي ضد الطبقة السياسية".

واعتبر القيادي بالحركة أن "إعفاء المكتب التنفيذي يعد خطوة إلى الوراء في مشهد يتطلب تجديد الطبقة السياسية لاستعادة ثقة التونسيين".

وفي ما يتعلق بدعوات بعض القيادات لتنحي الغنوشي عن رئاسة الحزب، انتقد البرعومي "بعض الأصوات داخل الحركة التي تريد القفز من السفينة"، داعيا " الجميع إلى إجراء مراجعات وتحمل جزء من مسؤولية الإخفاق في إدارة الشأن العام".

في المقابل، فسّر المحلل السياسي، باسل الترجمان، قرار حل المكتب التنفيذي بحالة التخبط التي تعيشها حركة النهضة"، مشيرا إلى أن " مسألة الديمقراطية الداخلية كذبة كبرى".

وقال الترجمان في تصريح لـ" أصوات مغاربية" إن " الغنوشي لا يتعامل مع الحركة كرئيس بل كمرشد عام يمنح لنفسه الحق  في حل جميع المؤسسات الداخلية وتعليق عملها".

وأكد أن "حل المكتب التنفيذي يعد خطوة استباقية من الغنوشي لمنع تنحيته من رئاسة الحركة من قبل عدد القيادات المعارضة له".

كما أشار الترجمان إلى أن "خطوة الغنوشي لا تهدف إلى خفض الاحتقان مع الرئاسة إنما يسعى إلى إنقاذ نفسه والرمي ببقية أعضاء حزبه إلى الهاوية".

ومن المنتظر أن تنظم الحركة مؤتمرها قبل نهاية العام الجاري الذي سيفرز مؤسسات جديدة، وسط جدل كبير حول إعادة ترشح الغنوشي لولاية جديدة على رأس الحزب.

وكانت الحركة شهدت انقسامات داخلية بعد قرارات سعيد، فقد تقدم عدد من الأعضاء باستقالاتهم، مما أثار تساؤلات حول المستقبل السياسي للحركة.

ومع ذلك، يعتقد الجورشي أن هذا الإجراء التنظيمي داخل الحركة ليس له إلا تأثير محدود على المدى القصير، إذ أن الوضع الحالي في رأيه "مثير للقلق".

وينتقد الجورشي، في المقابل، قرارات الرئيس التونسي، إذ يقول أنه كان عليه أولا أن يقدم  أسبابا منطقية لمد الإجراءات الاستثنائية. 

ويضيف: "كان عليه أن  يسلط الضوء ولو قليلا عن جزء من خارطة الطريق التي تطالب بها جميع الأطراف.. التونسيون يرغبون معرفة إلى أين تسير البلاد، خصوصا وأن الرئيس صاحب القرار ولا توجد أطراف أخرى تنازعه السلطة".

ويؤكد الجورشي أن الرئيس بحاجة إلى "توفير ضمانات حتى لا يشعر الديمقراطيون في تونس بأن فضاء الحرية الذي فتح بعد الثورة يغلق من جديد".

"حتى تستقر الأوضاع"

على الجانب الآخر، يرى المحلل السياسي، أيمن الزمالي، أن الغالبية العظمى مؤيدة لقرارات الرئيس، وأن الحديث عن قلق من الإجراءات الاستثنائية ليس في محله.

ويضيف الزمالي أن "الأطراف السياسية في البلاد وضعت مصالحها الضيقة على حساب المصالح العامة وبالتالي فإن الديمقراطية كانت شكلية، ولم تكن ملموسة إلا في احترام حرية الرأي والتعبير".

ويرى الزمالي أن هذا التنازع الحسي أدى إلى أن يكون "الفساد المسيطر على مجريات الأمور في البلاد، والأطراف السياسية طبعت مع منظومة الفساد لعشر سنوات ماضية"، على حد قوله. 

ولا يرى الزمالي غضاضة في قرارات قيس، إذ أن "الوضعية الاستثنائية لن تختصر في شهر أو اثنين"، معتبرا أن من حق الرئيس الاستمرار في مد الوضع الاستثنائي للبلاد إلى أن تستقر الأوضاع الاقتصادية والصحية، ويتسنى له فتح ملفات الفساد المتعلقة بالسياسيين ورجال الأعمال".

وقال الزمالي إن قرارات الرئيس أدت لتحسن الأوضاع الصحية نسبيا بعد أن كانت كارثية، بالإضافة إلى ملاحقة الفاسدين من مختلف القطاعات.

وفي حين يتفق معه الجوراشي في أن هناك تأييدا شعبيا واسع لقرارات قيس سعيد، وخاصة إعلانه بأنه سيحارب الفساد، لكنه يعترض قائلا: "الإيقافات التي تمت والملفات التي فتحت لا تمس جوهر شبكات الفساد وقوتها في البلاد.. الجميع ينتظر من الرئيس الكشف عن ملفات فساد حقيقة وقوية حتى يشعر الجميع بالارتياح لأن البلد بدأت تدخل منعرجا جديدا".

وكان الرئيس وضع عددا من أعضاء نواب البرلمان تحت الإقامة الجبرية، كما أصدر قرارات منع من السفر طالت رجال أعمال وقضاة، بحسب فرانس برس. 

ويتفق المحللان على أن الشواهد تشير إلى أن الإجراءات الاستثنائية تمهد لتعديل الدستور، إذ يتوقع الزمالي أن يعلن الرئيس عن استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي في البلاد وإجراء تعديلات على الدستور الحالي الصادر في العام 2014، والذي يقسم الصلاحيات بين البرلمان ورئيس الدولة.

ويذهب الجورشي في الاتجاه ذاته بقوله إن "هناك مؤشرات على ذلك"، موضحا أن "الرئيس لديه تصور بنظام رئاسي مختلف" عن بقية الأنظمة بحيث يكون الشعب عنصرا فاعلا مع إسناد الرئيس للصلاحيات".

سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)
سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)

في سابقة سياسية لافتة، عيّن الرئيس التونسي قيس سعيّد، المهندسة، سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة جديدة للحكومة، لتصبح بذلك ثاني امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد بعد نجلاء بودن، التي كانت قد شغلت رئاسة الحكومة بين أكتوبر 2021 وأغسطس 2023. 

وجاء تعيين الزعفراني في لحظة دقيقة من تاريخ تونس، حيث أكد سعيّد على ضرورة "إحكام تناسق العمل الحكومي وتذليل العقبات لتحقيق انتظارات الشعب التونسي".

من هي سارة الزعفراني؟

ولدت سارة الزعفراني الزنزري في 26 يناير 1963 في تونس العاصمة، وتنتمي إلى جيل من المهندسات اللواتي شققن طريقهن في ميدان ظل طويلاً حكراً على الرجال. تخرجت من المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس في اختصاص الهندسة المدنية، وهو مسار أكاديمي يتطلب ست سنوات من الدراسة بعد البكالوريا.

 ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على شهادة الماجستير في "الهندسة الجيوتقنية" من جامعة هانوفر في ألمانيا، متقنة إلى جانب لغتها الأم، اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، ما أعطاها قدرة على العمل في بيئة دولية متعددة التخصصات.

لم تكن الزعفراني طارئة على العمل الحكومي حين عُيّنت وزيرة للتجهيز والإسكان في 11 أكتوبر 2021، وهو المنصب الذي احتفظت به حتى تعيينها رئيسة للحكومة في مارس 2025، وكانت في الوقت نفسه مكلفة بتسيير وزارة النقل.

تجربة إدارية..و ثلاثة عقود

خلال 32 عامًا من العمل المتواصل في وزارة التجهيز والإسكان والبنية التحتية، ارتقت الزعفراني في سلم المسؤوليات، بداية من مهندسة أولى في إدارة الدراسات الفنية في سبتمبر 1989، وصولاً إلى منصب المديرة العامة لوحدة متابعة إنجاز مشاريع الطرقات السيارة وتحرير حوزة الطرقات في 2014، وهو المنصب الذي شغلته حتى توليها الحقيبة الوزارية في 2021.

ساهمت الزعفراني في إدارة ومتابعة عدد من أهم مشاريع البنية التحتية في البلاد، من بينها الطريق السيارة صفاقس – قابس، والطريق السيارة وادي الزرقاء – بوسالم، وهما من أهم شرايين النقل في تونس. 

كما تولّت مسؤوليات تقنية واستراتيجية تتعلّق بتحرير حوزة الطرقات في المدن ومراقبة إنجاز المنشآت الكبرى.

ولم يقتصر نشاطها المهني على الجانب التنفيذي، فقد شغلت عضوية مجالس إدارة لشركات استراتيجية مثل "شركة تونس للطرقات السيارة" و"شركة ميناء النفيضة".

وساهمت أيضا في إعداد كراسات المواصفات الفنية التونسية للمنشآت الهندسية، في مجالات تتعلّق بالخرسانة المسلحة، والهياكل المعدنية، وحماية المباني من النيران والرطوبة، ما يعكس دقة تخصّصها وعمق خبرتها الفنية.

وإلى جانب مؤهلاتها الهندسية، شاركت الزعفراني في دورات تدريبية مرموقة في معهد الدفاع الوطني، ومعهد القيادة الإدارية بالمدرسة الوطنية للإدارة.

 وخضعت كذلك لبرامج متقدمة في القيادة وتصرف الأزمات، وهي نقاط تُحسب لها خصوصاً في ظل وضع اقتصادي واجتماعي وسياسي دقيق تمرّ به تونس، يتطلّب إدارة حكيمة وقرارات حاسمة.

وتسلمت الزعفراني رئاسة الحكومة خلفًا لكمال المدوري، وفي خضم تحديات اقتصادية خانقة، منها تفاقم الدَّين العام، وتراجع احتياطي العملة الصعبة، وأزمات معيشية تمس المواطن التونسي يوميًا، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تمس منظومات التعليم والصحة والنقل.

ومع أن النساء التونسيات حققن مكاسب كبيرة منذ الاستقلال، إلا أن وصول سيدة إلى رئاسة الحكومة ما يزال يشكل استثناءً في المشهد السياسي العربي، وهو ما يجعل من تجربة الزعفراني محط اهتمام ليس فقط داخل تونس بل في مختلف أرجاء العالم العربي.

وقبل الزعفراني، كانت نجلاء بودن أول من فتح هذا الباب، عندما عيّنها الرئيس قيس سعيّد في سبتمبر 2021، لتكون أول امرأة ترأس حكومة في تاريخ تونس والعالم العربي.

و جاءت بودن من خلفية أكاديمية قوية، فهي مهندسة جيولوجية، وأستاذة في التعليم العالي، تحمل درجة الدكتوراه من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس. 

وقد عملت في عدة مناصب في وزارة التعليم العالي، وشاركت في برامج إصلاحية كبرى في مجال التعليم.

ومع أن تجربة بودن انتهت في أغسطس 2023 دون أن توضح الرئاسة التونسية الأسباب، إلا أن تعيين الزعفراني يُظهر أن رئاسة الحكومة لم تعد حكرًا على الرجال في تونس، وأن مشاركة المرأة في قيادة الدولة تتكرّس تدريجيا، ولو ضمن سياقات سياسية متغيرة.