A handout picture provided by the Tunisian Presidency Facebook Page on September 12, 2021 shows Tunisian President Kais Saied …
يراهن الرئيس التونسي وأنصاره على التأييد الشعبي لتعديل دستور البلاد

بعد انتخابه رئيسا لتونس في العام 2019، قال قيس سعيد في ذلك الوقت إن "السيادة للشعب، وكل شيء يجب أن يبدأ منه".

كرر سعيد ذلك حتى بعد تدابيره الاستثنائية التي أصدرها يوم 25 يوليو ومددها بعد شهر حتى إشعار آخر، متعهدا بـ "إعادة السيادة للشعب في أقرب وقت".

يراهن مؤيدو الرئيس التونسي على تأييد شعبي واسع النطاق تجلى بوضوح منذ إعلانه قراراته بإقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان وإسناد السلطات التنفيذية لنفسه.

في الأسبوع الماضي، دخلت الأزمة التونسية مسارا جديدا بعد تصريحات لأحد مستشاري سعيد قال فيها إن الرئيس يعتزم تعليق العمل بالدستور وتقديم نسخة معدلة عبر استفتاء شعبي، مما أثار معارضة الأحزاب السياسية واتحاد الشغل – أقوى المؤسسات النقابية في البلاد. 

وعلى ذات الخط، أكد سعيد احترامه للدستور وألمح في تصريحات تلفزيونية، السبت، إلى إمكانية تعديل جزء من بنوده. وخلال جولة في أحد شوارع العاصمة تونس، قال سعيد: "أحترم الدستور لكن يمكن إدخال تعديلات على النص".

لكن مسألة تعديل الدستور تصطدم في البرلمان المعطل، خاصة وأن أي تعديل دستوري يتوجب موافقة السلطة التشريعية.

وبينما يرى مؤيدو الرئيس إمكانية طرح استفتاء عام لتعديل الدستور في ظل الظروف الاستثنائية والنابعة من التأييد الشعبي الذي يحظى به سعيد في الشارع التونسي، تعارض الأحزاب السياسية تلك الخطوة وتعتبرها غير شرعية وعلى الرئيس إعادة الوضع السياسي إلى ما قبل 25 يوليو قبل أي تعديل دستوري.

ويقول عضو مجلس شورى حركة النهضة، جلال الورغي، لموقع قناة "الحرة" إن التضارب في تصريحات الرئيس ومستشاره تعكس حالة من الارتباك والغموض في المشهد التونسي.

يوضح قائلا: "قد نتفهم بعض خطوات الرئيس رغم ما فيها من خرق للدستور إذا كانت في إطار الإصلاح. لكن الرئيس لا يملك أي رؤية واضحة المعالم بدليل حالة التخبط وعدم الوضوح وقلق القوى السياسية بمختلف أطيافها حتى تلك التي دعمت خطواته"، على حد قوله. 

"تصريح خطير"

ولطالما اشتكى القادة السياسيون من الدستور منذ الموافقة عليه عام 2014، مطالبين بتغييره إما إلى نظام رئاسي، أو إلى نظام برلماني، فيما ألمح سعيد مرارا أنه سيلجأ لتغيير نظام الحكم إلى رئاسي.

يتابع الورغي: "نحن نعتبر حديث مستشار الرئيس وليد الحجام بشأن تعليق العمل بالدستور تصريح خطير أدين من جانب كل الأحزاب السياسية واعتبرته انتقال من إجراءات استثنائية لما يشبه الانقلاب".

وأشار إلى أن خروج الرئيس بالتصريحات الأخيرة عن إمكانية تعديل الدستور يعد تراجعا عن تصريحات مستشاره، وهو رأي كرره مدير قسم القانون العام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة تونس المنار، الصغير الزكراوي، خلال حديثه لموقع "الحرة".  

كان مستشار الرئيس التونسي وليد الحجام قال لوكالة رويترز، الخميس، إن هناك ميلا لتعديل النظام السياسي في تونس ربما عبر استفتاء وإنه يُفترض تعليق الدستور وإصدار نظام مؤقت للسلطات.

ويرى الورغي أن تصريحات الحجام "غير مسؤولة"، ولفت إلى أن "الثغرات (الدستورية) يجب أن تصحح في إطار توافقي"، مردفا: "زمن أن يفعل شخص واحد ما يريد ولى بعد ثورة 2011".

في هذا السياق، اتهمت حركة النهضة الإسلامية، السبت، التي تسيطر على البرلمان المجمدة صلاحياته، سعيد بتنفيذ انقلاب، وقالت إن الخروج عن الدستور يعني التراجع عن الديمقراطية. 

من جهته، أشار الاتحاد العام للشغل، وهو الاتحاد العمالي الرئيسي في تونس، السبت، إلى أنه يعارض فكرة تعليق الدستور ودعا بدلا من ذلك إلى انتخابات برلمانية جديدة.

في المقابل، يرى الزكراوي أن الرئيس بإمكانه طرح التعديلات الدستورية للاستفتاء العام في هذه الحالة الاستثنائية التي تمر بها تونس.

وقال إن "البرلمان انتهى وليس هناك محكمة دستورية. المخرج الوحيد هو تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي على اعتبار أن الفصل الثالث من الدستور ينص على أن الشعب صاحب السيادة وأنه مصدر السلطات".

ورجح أن تكون التعديلات المحتملة جوهرية في دستور البلاد وقد تمس النظام السياسي وربما فصول أخرى تابعة للسلطتين التنفيذية والتشريعية. 

ويعتقد الزكراوي أن دستور 2014 يجب أن يخضع لتعديلات على اعتبار أنه "أدى لشلل في الحكم"، مضيفا أن "الكل يحكم ولا أحد يحكم" فعليا.

في المقابل، يقول الورغي إن "الاعتماد على الشعبوية فكرة خاطئة ومن الممكن أن تدمر الحياة السياسية في البلاد وتسبب الانقسام وعدم الاستقرار".

وأضاف أن فكرة تعديل الدستور ليست جديدة، وهي قضية يطالب بها جميع السياسيين في البلاد، ولكن ليس بهذه الطريقة.

وأوضح أنه "لا أحد يعترض على التعديل من حيث المبدأ، ولكن يجب أن يحترم (الرئيس) الإجراءات الدستورية. ليس من حق أي جهة تتخذ قرارا بتعديل الدستور بمعزل عن بقية القوى السياسية".

ويختلف الزكراوي في الرأي منتقدا التجربة الديمقراطية في البلاد بقوله إن "الانتخابات فاشلة بدليل أن المترشح الرئاسي المنافس لقيس سعيد من حزب قلب تونس فر من البلاد لأنه يعرف أنه قام بخروقات كبيرة"، مشيرا إلى أن "الديمقراطية في تونس شكلية كرسها المال الفاسد، ومن يدافع عنها فهو يدافع عن مصالحه وامتيازاته"، وفق قوله.

خلاف دستوري

يجادل التونسيون بشأن إمكانية طرح تعديل دستوري في البلاد للاستفتاء العام وهو الإجراء الذي ألمح إليه سعيد، في ظل عدم وجود برلمان.

وتنص المادة 144 من الدستور على أن تعديل الوثيقة لا يمكن طرحه للاستفتاء إلا إذا تمت الموافقة عليه بالفعل من قبل ثلثي أعضاء البرلمان، وهي مؤسسة وصفها سعيد الشهر الماضي بأنها "خطر على الدولة". 

يعلق الورغي قائلا: "من باب أولى أن يوضح الرئيس كيف سيفعل ذلك؟ الحياة البرلمانية جوهر أساسي في العملية الديمقراطية. مثلما الرئيس منتخب من قبل الشعب، البرلمان أيضا منتخب من الشعب والشرعية هنا متساوية".

ودلل على حديثه بدعوات القوى الدولية بإعادة عمل البرلمان والعودة للمسار الدستوري.

وكان سفراء دول مجموعة السبع في تونس، أصدروا بيانا مشتركا شدد على "الحاجة الماسة" لتعيين رئيس للحكومة واستئناف عمل البرلمان التونسي الذي علقه الرئيس قيس سعيّد.

على الرغم من تصريحات الرئيس بإعلان تشكيل حكومة، إلا أنه لم يعين حكومة جديدة أو يقدم أي إعلان واضح عن نواياه طويلة المدى، في الوقت الذي تكافح فيه تونس لمواجهة أزمة اقتصادية متصاعدة.

يقول الورغي إنه من "الأفضل التعقل واحترام القانون والدستور، وكلما احترمنا ذلك، احترمتنا الإرادة الشعبية ... جميع الأحزاب تطالب باحترام النظام السياسي الحالي وأن أي تعديل فيه يجب أن يكون بتوافق".

وأضاف: "بالتأكيد عندما يحدث توافق، ستكون تونس هي الرابحة".

سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)
سارة الزعفراني الزنزري (بوابة الحكومة التونسية)

في سابقة سياسية لافتة، عيّن الرئيس التونسي قيس سعيّد، المهندسة، سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة جديدة للحكومة، لتصبح بذلك ثاني امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد بعد نجلاء بودن، التي كانت قد شغلت رئاسة الحكومة بين أكتوبر 2021 وأغسطس 2023. 

وجاء تعيين الزعفراني في لحظة دقيقة من تاريخ تونس، حيث أكد سعيّد على ضرورة "إحكام تناسق العمل الحكومي وتذليل العقبات لتحقيق انتظارات الشعب التونسي".

من هي سارة الزعفراني؟

ولدت سارة الزعفراني الزنزري في 26 يناير 1963 في تونس العاصمة، وتنتمي إلى جيل من المهندسات اللواتي شققن طريقهن في ميدان ظل طويلاً حكراً على الرجال. تخرجت من المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس في اختصاص الهندسة المدنية، وهو مسار أكاديمي يتطلب ست سنوات من الدراسة بعد البكالوريا.

 ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على شهادة الماجستير في "الهندسة الجيوتقنية" من جامعة هانوفر في ألمانيا، متقنة إلى جانب لغتها الأم، اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، ما أعطاها قدرة على العمل في بيئة دولية متعددة التخصصات.

لم تكن الزعفراني طارئة على العمل الحكومي حين عُيّنت وزيرة للتجهيز والإسكان في 11 أكتوبر 2021، وهو المنصب الذي احتفظت به حتى تعيينها رئيسة للحكومة في مارس 2025، وكانت في الوقت نفسه مكلفة بتسيير وزارة النقل.

تجربة إدارية..و ثلاثة عقود

خلال 32 عامًا من العمل المتواصل في وزارة التجهيز والإسكان والبنية التحتية، ارتقت الزعفراني في سلم المسؤوليات، بداية من مهندسة أولى في إدارة الدراسات الفنية في سبتمبر 1989، وصولاً إلى منصب المديرة العامة لوحدة متابعة إنجاز مشاريع الطرقات السيارة وتحرير حوزة الطرقات في 2014، وهو المنصب الذي شغلته حتى توليها الحقيبة الوزارية في 2021.

ساهمت الزعفراني في إدارة ومتابعة عدد من أهم مشاريع البنية التحتية في البلاد، من بينها الطريق السيارة صفاقس – قابس، والطريق السيارة وادي الزرقاء – بوسالم، وهما من أهم شرايين النقل في تونس. 

كما تولّت مسؤوليات تقنية واستراتيجية تتعلّق بتحرير حوزة الطرقات في المدن ومراقبة إنجاز المنشآت الكبرى.

ولم يقتصر نشاطها المهني على الجانب التنفيذي، فقد شغلت عضوية مجالس إدارة لشركات استراتيجية مثل "شركة تونس للطرقات السيارة" و"شركة ميناء النفيضة".

وساهمت أيضا في إعداد كراسات المواصفات الفنية التونسية للمنشآت الهندسية، في مجالات تتعلّق بالخرسانة المسلحة، والهياكل المعدنية، وحماية المباني من النيران والرطوبة، ما يعكس دقة تخصّصها وعمق خبرتها الفنية.

وإلى جانب مؤهلاتها الهندسية، شاركت الزعفراني في دورات تدريبية مرموقة في معهد الدفاع الوطني، ومعهد القيادة الإدارية بالمدرسة الوطنية للإدارة.

 وخضعت كذلك لبرامج متقدمة في القيادة وتصرف الأزمات، وهي نقاط تُحسب لها خصوصاً في ظل وضع اقتصادي واجتماعي وسياسي دقيق تمرّ به تونس، يتطلّب إدارة حكيمة وقرارات حاسمة.

وتسلمت الزعفراني رئاسة الحكومة خلفًا لكمال المدوري، وفي خضم تحديات اقتصادية خانقة، منها تفاقم الدَّين العام، وتراجع احتياطي العملة الصعبة، وأزمات معيشية تمس المواطن التونسي يوميًا، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تمس منظومات التعليم والصحة والنقل.

ومع أن النساء التونسيات حققن مكاسب كبيرة منذ الاستقلال، إلا أن وصول سيدة إلى رئاسة الحكومة ما يزال يشكل استثناءً في المشهد السياسي العربي، وهو ما يجعل من تجربة الزعفراني محط اهتمام ليس فقط داخل تونس بل في مختلف أرجاء العالم العربي.

وقبل الزعفراني، كانت نجلاء بودن أول من فتح هذا الباب، عندما عيّنها الرئيس قيس سعيّد في سبتمبر 2021، لتكون أول امرأة ترأس حكومة في تاريخ تونس والعالم العربي.

و جاءت بودن من خلفية أكاديمية قوية، فهي مهندسة جيولوجية، وأستاذة في التعليم العالي، تحمل درجة الدكتوراه من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس. 

وقد عملت في عدة مناصب في وزارة التعليم العالي، وشاركت في برامج إصلاحية كبرى في مجال التعليم.

ومع أن تجربة بودن انتهت في أغسطس 2023 دون أن توضح الرئاسة التونسية الأسباب، إلا أن تعيين الزعفراني يُظهر أن رئاسة الحكومة لم تعد حكرًا على الرجال في تونس، وأن مشاركة المرأة في قيادة الدولة تتكرّس تدريجيا، ولو ضمن سياقات سياسية متغيرة.