أثار قرار قاض عسكري تونسي بسجن نائبين من ائتلاف الكرامة الإسلامي المعارض للرئيس قيس سعيد، تساؤلات حول مستقبل حقوق الإنسان في البلاد بعد قرارات 25 يوليو، حيث أعرب نشطاء ومنظمات حقوق إنسان عن رفضهم لإحالة مدنيين إلى محاكمات عسكرية.
والثلاثاء، أصدر قاض بالمحكمة العسكرية بطاقة إيداع بالسجن ضد سيف الدين مخلوف ونضال السعودي القياديين باتئلاف الكرامة المعارض للرئيس سعيد.
وقال بيان للقضاء العسكري إن مخلوف وجه تهديدا للقضاة العسكريين أثناء تواجده في المحكمة.
وأضاف البيان "أن مخلوف تطاول على أحد القضاة العسكريين" وهدده بأن "جهات أجنبية" ترصد كافة المشاركين في الانقلاب بما في ذلك أسماء المشاركين في المحاكمات العسكرية.
ومن جانبه، قال ائتلاف الكرامة في بيانه، الأربعاء، إن ما حدث " نقاش عادي بين مخلوف وبين مساعد وكيل الجمهورية بالمحكمة العسكرية، لكن تم توجيه إليه تهمة ارتكاب جريمة المس بمعنويات الجيش".
وأضاف الائتلاف في بيانه على فيسبوك: "نحمل رئاسة الجمهورية مسؤولية هذه المحاكمات العسكرية السياسية الرامية لتصفية خصومها السياسيين وتجريد النواب من الحصانة البرلمانية، كما نحمّلها مسؤولية السلامة الجسدية والنفسية للنائبين نضال السعودي وسيف الدين مخلوف".
في المقابل، قال المحلل السياسي الصغير الذكراوي، إن "مخلوف متهم في جريمة تلبس بتهديد القاضي"، مستنكرا ادعائه بأن هناك جهات أجنبية تراقب وترصد أسماء مؤيدي قرارات قيس سعيد.
واقعة المطار
تعود القضية إلى مارس الماضي، حين منعت السلطات التونسية مواطنة من السفر في مطار قرطاج. وقال نواب الكرامة إنهم تلقوا منها مكالمة هاتفية، تستنجد من التوقيف "غير القانوني"، ونشب على أثر ذلك مشادات بين النواب والشرطة بالمطار.
وقالت صحف محلية وقتها إن السيدة "متشددة" وأنها كانت متجهة إلى تركيا، تمهيدا للانضمام إلى تنظيم إرهابي، واتهم البعض "ائتلاف الكرامة" بأنه يدافع عن إرهابيين، وهو ما أنكره الائتلاف، مؤكدا أن الأمن قد حقق مع السيدة ولم يثبت عليها أي تهمة.
وعلى أثر هذه الأحداث، وجه القضاء العسكري اتهاما لنواب من "ائتلاف الكرامة" باقتحام مطار تونس قرطاج الدولي.
وقالت المحامية إيناس حراث لوكالة رويترز للأنباء إن القاضي أمر بسجن السعودي بدعوى الاعتداء على رجال الأمن في مطار تونس قرطاج منذ شهور.
وذكر عضو ائتلاف الكرامة، ماهر زيد، في تصريحات لموقع "الحرة" أنه كان قد تم توقيفه على أساس هذه القضية في نهاية شهر يوليو قبل أن يتم الإفراج عنه. وأضاف: "تم القبض علينا وتحويلنا إلى محاكمة عسكرية ليلا، وتوجيه تهم إلينا تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام"، على حد قوله، قبل أن يتم الإفراج عنه مع الإبقاء على زملائه.
مع سجن السعودي ومخلوف يرتفع عدد النواب المسجونين إلى خمسة، أبرزهم ياسين العياري، الذي يحتجز منذ 28 يوليو بسجن المرناقية، حيث يمضي شهرين بموجب حكم صادر عن محكمة عسكرية بسبب منشورات انتقد فيها الجيش، وفقا لمنظمة العفو الدولية.
وأشارت المنظمة إلى أن ياسين يواجه دعاوى عسكرية جديدة بسبب 4 منشورات على فيسبوك نشرها بين 25 و28 يوليو انتقد فيها بشدة ما وصفه بإساءة استخدام الرئيس قيس سعيد للسلطة، مسميًا قرار 25 يوليو بأنه "انقلاب".
وأضرب ياسين العياري عن الطعام بدايةً من 7 سبتمبر 2021، احتجاجًا "على سجنه ظلمًا وأوضاع السجن حيث منعت سلطات السجن عنه تلقّي الرسائل من مؤيديه أو أسرته"، بحسب المنظمة الحقوقية". وناشدت المنظمة السلطات بالإفراج عن ياسين فورًا وإسقاط الدعوى العسكرية بحقه.
محاكمات عسكرية
وكان سعيد أعلن في 25 يوليو الماضي، تدابير استثنائية جمّد بموجبها عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة هشام المشيشي وتولّى بنفسه السلطة في البلاد.
ولقيت قرارات سعيّد ترحيباً واسعاً من شريحة واسعة من التونسيين وقد خرج كثيرون منهم للاحتفال ولا سيّما بعد فرض منع السفر أو الإقامة الجبرية على العديد من الشخصيات والسياسيين ورجال الأعمال فضلاً عن توقيف وملاحقة نواب في البرلمان قضائياً بعد أن رُفعت عنهم الحصانة النيابية، وفقا لفرانس برس.
ودافع سعيد عن تدخله ورفض الاتهامات بالانقلاب وتعهد بدعم الحقوق. وقال إنه لن يتم منع أي شخص من السفر ما لم يكن خاضعًا لقضية قائمة.
أما زيد فيقول إن "تونس تشهد حملة قمع غير مسبوقة بسبب التدابير التي فرضها سعيد"، وأشار إلى أنها "حولت البلاد إلى سجن كبير".
وأضاف أنه "تم منع عشرات الأشخاص بل المئات من السفر دون أي اتهام أو سند قضائي، بالإضافة إلى التضيق على الحريات وإغلاق مقار السيادة المتمثلة في البرلمان والحكومة".
وتعد إحالة عدد من أعضاء البرلمان إلى محاكمة عسكرية أمر غير مسبوق، إذ يقول زيد أنه "بعد 25 يوليو، أصبح القضاء العسكري مسلطا على الشعب والنواب، وهو ما يخل بالديمقراطية".
كما أكدت نسرين مباركة، مدير الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية، أن المنظمة ترفض إجراء أي محاكمات عسكرية للمدنيين مهما كانت القضية.
وذكرت مباركة لموقع "الحرة" أن هذه المحاكمات هي انتهاك لحقوق الإنسان، لأن المدنيين يجب أن يتم محاكمتهم عبر القنوات المدنية وليس أمام المحاكم العسكرية.
وأكدت مباركة أنه لا يجوز تجميد أو تعطيل القانون حتى في ظل التدابير الاستثنائية، لأن ذلك يعتبر انتهاك لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي وقعت تونس على احترامها في السابق.
في المقابل، قال الذكراوي إنه في ظل "الإجراءت الاستثنائية يجوز فيها فرض بعض القيود على الحقوق والحريات باسم المصلحة العليا للدولة".
وأوضح أنه يتم فرض قيود على حرية التنقل على بعض الفاسدين أو المجرمين لمنعهم من الهروب حتى يتم محاكمتهم، على حد قوله.
وأشار الذكراوي إلى أن الرئيس سعيد شدد مرارا على حماية الحريات والحقوق، واستشهد بالمظاهرات التي خرجت ضد سعيد يوم الأحد، وقال: "لم تتعرض لأي قمع أو انتهاكات، وهو ما يؤكد أن حقوق الإنسان مازالت قائمة في تونس".
رغم ذلك، فقد قال الذكراوي أنه "يرفض من حيث المبدأ محاكمة أي مدني أمام المحاكم العسكرية".
قلق حقوقي
وكان المئات من التونسيين نظموا، السبت، احتجاجا في شارع الحبيب بورقيبة (وسط العاصمة تونس) ضد قرارات الرئيس قيس سعيد المعلنة في 25 من يوليو الماضي، قوبل بوقفة تضامنية مؤيدة للرئيس.
وفي 11 سبتمبر، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اليوم إنّ تونس شهدت ارتفاعا في أعمال القمع التعسفية وذات الدوافع السياسية منذ 25 يوليو 2021. فقد سُجن ثلاثة أعضاء في البرلمان بتهم تتعلّق بحرية التعبير، ووَضع ما لا يقلّ عن 50 تونسيا قيد الإقامة الجبريّة التعسفية، منهم مسؤولون سابقون، وقاض، وثلاثة نواب. كما واجه عشرات التونسيين الآخرين حظر سفر تعسفي انتهك حريتهم في التنقل.
وقال إريك غولدستين، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: "تبدو تطمينات الرئيس سعيّد بشأن حقوق الإنسان جوفاء عندما يركّز السلطات في يده، ويصير أعضاء البرلمان والتونسيون الآخرون فجأة عرضة لقيود تعسفية على حريتهم، ويُزجّ ببعضهم في السجن".
وأشارت إلى أنه منذ إعلان سعيّد، أعلنت النيابة المدنية والعسكرية عن فتح تحقيقات ضدّ عشرة أعضاء في البرلمان على الأقل، أربعة منهم موقوفون.
في 9 سبتمبر ، قال عماد الغابري، الناطق باسم المحكمة الإدارية في تونس العاصمة، إنّ الأشخاص الخاضعين للإقامة الجبريّة، بأمر من وزير الداخلية المؤقت الذي عيّنه سعيّد، يشملون أيضا مسؤولين حكوميين، ومسؤولين سابقين، ونوابا في البرلمان، وقضاة، ورجال أعمال، ومستشارين في حكومات سابقة.
وقال شوقي الطبيب، المحامي والرئيس السابق لـ "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" إنّ أعوان أمن من مركز شرطة حيّ النصر بتونس العاصمة وضعوه تحت الإقامة الجبرية يوم 20 أغسطس، دون كشف الأسباب، وأخبروه أن هذا الوضع سيستمر حتى نهاية حالة الطوارئ، التي تنتهي في 19 يناير 2022، وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
وقال إنه طالب بقرار رسمي، لكن أحد الأعوان "أخرج هاتفه وأطلعني على ما قال إنها نسخة رقمية من القرار. وعندما طلبت منه مدّي بالوثيقة الأصلية، قال لي إنه سوف يرسلها لي. لكن مرّت أسابيع ولم أحصل عليها بعد".
وأضاف: "لا أعرف إن كانت هناك شكوى [قضائية] ضدّي، وإن كنت أواجه أي قضايا قانونية. لم يتمّ استدعائي للاستجواب أو أي شيء، ولم أعرض على قاض في أي قضية حتى الآن".
بدورها، قالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "الحريات والمكاسب التي حققتها انتفاضة تونس 2011 بصعوبة بالغة عرضة للخطر، خاصة في غياب محكمة دستورية لحماية حقوق الجميع في البلاد. ويجب على الرئيس قيس سعيد ضمان أن أي أفعال يأمر بها تتماشى بشكل صارم مع التزامات تونس بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أنه يجب عليه الامتناع عن القيام بعمليات تطهير سياسي تعسفي".
وذكرت منظمة العفو في بيانها أنها " تشعر منظمة العفو الدولية بالقلق بشكل خاص من إعلان الرئيس أنه سيتولى رئاسة النيابة العمومية في الشؤون القضائية المتعلقة بالبرلمانيين، بعد رفع الحصانة عنهم".
على الجانب الآخر، أعلن الرئيس التونسي أنّه سيكلّف رئيس حكومة جديداً لكنّه سيبقي على الإجراءات الاستثنائية التي أقرّها منذ حوالي شهرين.
وقال سعيّد في خطاب من محافظة سيدي بوزيد (وسط) مهد ثورة 2011 إنّ "هذه التدابير الاستثنائية ستتواصل وقد تمّ وضع أحكام انتقالية وسيتمّ تكليف رئيس حكومة ضمن أحكام انتقالية تستجيب لإرادتكم وسيتمّ وضع مشروع انتخابي جديد".
وفي كلمته التي ألقاها من أمام مقرّ محافظة سيدي بوزيد وسط جمع من المواطنين قال الرئيس التونسي "ليسمع العالم كلّه، الأحكام المتعلّقة بالحقوق والحريّات التي نصّ عليها الدستور ستبقى سارية المفعول، عملت على أن لا يتمّ المساس بأية حرية". وأضاف "اليوم نحن في مرحلة تاريخية" وهي تواصلٌ للثورة.