أثارت الميزانية المالية التونسية لعام 2022، منذ إقرارها الثلاثاء الماضي، موجة من الانتقادات، بدأت من الرئيس قيس سعيد، ووصلت إلى المعارضة والاتحاد العام التونسي للشغل.
وبزيادة قدرها 2,3 في المئة عن ميزانية عام 2021، أقرت تونس ميزانيتها للعام الجديد، وقدرها 57,2 مليار دينار (نحو 20 مليار دولار)، ويبلغ العجز فيها 9,3 مليار دينار (3,2 مليار دولار)، أي ما يعادل 6,7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لرويترز.
وقال الرئيس التونسي قيس سعيد لدى استقباله، الثلاثاء، بقصر قرطاج، رئيسة الحكومة، نجلاء بودن، إنه وقع "على قانون المالية رغم ما تضمنه من بعض الاختيارات، التي لم تكن مقنعة، ولم تسمح بتحقيق مطالب الشعب في العدالة الجبائية، لأن هذه الاختيارات كانت نتيجة لما لحق بالدولة التونسية لمدة عقود من الزمن"، وفقا للرئاسة التونسية.
انتقادات
من جانبه علق عصام الشابي، الأمين العام للحزب الجمهوري، على قانون المالية الجديد قائلا إنه أتى "بعد خمسة أشهر من خطاب سياسي قام على الانحياز الظاهري إلى الطبقات المفقرة ووعود بالقطع مع الماضي وتحقيق ما يريده الشعب".
وأضاف في منشور على فيسبوك أن القانون "جاء على شاكلة ما سبقته من قوانين، فاقدا لكل تصور جديد أو روح إصلاحية، بل لعله تميز عليها بكونه أعد خلف الأبواب المغلقة وحمل في طياته ما سيثقل كاهل المواطن بزيادات وضرائب لا نعتقد أنه قادر على تحملها".
بدوره قال الناطق الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري، في تصريح لموقع "الشعب نيوز"، إن هذه الميزانية "كانت كغيرها من الميزانيات السابقة، وتم إعدادها إداريا في المكاتب المغلقة".
وأشار الطاهري إلى عدم حصول مشاورات مع أي طرف قبل إقرارها، قائلا إن "هذه الميزانية تم تمريرها مباشرة إلى الرائد الرسمي دون أي تشاور أو إعلام أو حوار".
وتابع أن "التصور العام لبنود الميزانية يفتقد لأي إجراء اجتماعي حقيقي، ما عدا بعض الإجراءات الترقيعية بخصوص العائلات المعوزة، واستكمال منحة الدعم الخاصة بالقطاع السياحي للعمال"، التي وصفها بأنها "دعاية سياسية".
الاقتراض من صندوق النقد
قال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إن "القانون المالي لا يحظى بتوافق (...) وفي ظل غياب التوافق لن يقدم صندوق النقد الدولي أي تمويل للميزانية، ولا خيار آخر للحكومة سوى توسيع التشارك".
وعن سبل تمويل هذا العجز، في ظل الخلافات السياسية الداخلية التي تعيشها تونس، أكد الشكندالي في حديثه لموقع "الحرة" أنه يمكن تمويله جزئيا من "الاقتراض الداخلي".
وأوضح الشكندالي في حديثه لموقع "الحرة" أن "الاقتراض الداخلي يمكن أن يكون من طرف البنك المركزي، أو بيع سندات حكومية".
وأضاف أن الاقتراض يمكن أن يتم "من مصادر خارجية، ولكن تونس تعيش نوعا من العزلة عن المؤسسات الدولية، ولم تتفق بعد مع صندوق النقد الدولي".
وتابع أن الاقتراض الخارجي "مرهون بموافقة صندوق النقد الدولي، وبتوسيع التشارك مع الأطراف الاجتماعية والاقتصادية في تونس".
تحاول تونس، التي تمر بأزمة سياسية عميقة منذقرارات الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو بتعليق عمل البرلمان وحل الحكومة، إيجاد حلول لإنعاش اقتصادها المتعثر والمتضرر بشدة من تداعيات كوفيد-19.
وبلغت ديونها الخارجية ذروتها عام 2021 عند 100 مليار دينار (حوالى 30 مليار يورو)، أي 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وكشفت وزيرة المالية، سهام بوغديري، أنه لملء خزائن الدولة وإنعاش الاقتصاد، تعتزم السلطات إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وأضافت أن "المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ستستأنف في بداية عام 2022".
وأردفت أنه سيتم التفاوض مع الصندوق على وثيقة صاغها أكثر من 80 خبيرا تونسيا تقترح "برنامج إصلاحات في عدة قطاعات".
وأجرت تونس التي تواجه صعوبات في سداد ديونها، نقاشات مع صندوق النقد الدولي عام 2021 للحصول على قرض جديد مقابل إصلاحات مكلفة اجتماعيا تهدف إلى تعزيز مواردها المالية.
ومن أبرز تلك الإصلاحات خفض الدعم المالي لسلع أساسية وتقليص فاتورة أجور موظفي القطاع العام البالغ عددهم نحو 680 ألفا في بلد يعد 12 مليون نسمة، وإعادة هيكلة العديد من الشركات العامة، بحسب فرانس برس.
وفي هذا الإطار، يقول الشكندالي إن "الحكومات السابقة لم تستطع تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل، لأن هناك معارضة لها".
وأكد أن "صندوق النقد الدولي يشترط توسيع التشارك والحوار حول البرنامج الذي ستقدمه الحكومة، ليكون هناك أرضية مشتركة وتوافق عام" قبل الحصول على تمويل.
"الوضع صعب"
ويتفق أستاذ علوم الاقتصاد، غازي معلي، مع هذا الرأي، وقال إن "الحكومة ليس لديها حل إلا الاقتراض الداخلي والخارجي" لسد العجز في الميزانية.
وأضاف معلي في حديثه لموقع "الحرة" أن "الحكومة بحاجة لقروض من البنوك المحلية والدائنين الخارجيين مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو بعض الدول الشقيقة والصديقة".
وأشار إلى أن "الوضع الاقتصادي في تونس صعب، والوضع المالي أصعب بكثير، وليس هناك طرق أخرى للحصول على موارد".
وعما إذا كان صندوق النقد الدولي يشترط رفع الضرائب في إطار الإصلاحات المطلوبة، نفى الشكندالي ذلك، وقال إن "صندوق النقد الدولي مقتنع تماما أن نسبة الضغط الجبائي هي الأعلى من بين الدول الأفريقية (...) وقد يشترط الصندوق تخفيف النفقات" في إطار الإصلاحات.
بدوره أكد معلي أن "الضرائب ليست أمر أساسي وليست شرطا للحصول على تمويل"، مبينا أن "النظام الجبائي في تونس بحاجة لبعض التعديلات لجعله أكثر عدلا، ولتصبح الجباية متوازنة أكثر بين جميع طبقات وشرائح المجتمع التونسي".
"شروط سياسية"
وعن متطلبات وشروط صندوق النقد الدولي لتمويل العجز، أوضح معلي أن "هذه الشروط سياسية بالدرجة الأولى، وهناك شروط اقتصادية أخرى".
وتابع أنه " لا بد أن يكون هناك إجماع وطني على السياسة العامة، ولا بد أن يكون هناك عودة للمسار الديمقراطي، أي أن يكون هناك برلمان وحكومة منبثقة عنه، ولا بد أن نعود لوضع سياسي طبيعي لنخرج من هذه المرحلة الاستثنائية".
وبالنسبة للشروط الاقتصادية، قال معلي إن "هناك مجموعة من الإصلاحات التي كان لا بد أن تقوم بها الدولة التونسية منذ سنوات عديدة، ومنها تنقيص الأجور للموظفين العموميين والتخلص من بعض المؤسسات العمومية غير الضرورية، ودعم المستحقين فيما يخص المواد الأساسية والطاقة".
من جانبه، قال غازي شواشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، في منشور على فيسبوك، إن "قانون المالية لسنة 2022 (...) هو مجرد محاولة بائسة لإرضاء صندوق النقد الدولي وإيهامه بأن حكومة التدابير الاستثنائية قادرة على توفير الشروط المطلوبة للاقتراض منه من جديد".
وأضاف شواشي: "والحال أن هذه الحكومة غير مؤهلة وفاقدة للشرعية وللشخصية والصلاحيات التي تخول لها الالتزام في حق الدولة التونسية".
من جانبه بين الطاهري أنه "من الصعب التفاعل مع هذه الميزانية، في ظل تردي الوضع الاجتماعي إلى أبعد الحدود، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية وتضرر آلاف العمال وافتقادهم لمواطن شغلهم".