الرئيس التونسي يصدر قرارا بحل مجلس النواب
الرئيس التونسي يصدر قرارا بحل مجلس النواب

بعد ثمانية أشهر من قرار تعليق عمل البرلمان، قرر الرئيس التونسي قيس سعيد، حل المجلس نهائيا، ردا على تصويت النواب خلال اجتماع عبر الإنترنت لصالح إلغاء قرارات 25 يوليو.

وقال سعيد بعد الجلسة في تسجيل مصور نشر على الإنترنت "تونس تعيش اليوم محاولة انقلابية فاشلة. أُعلن اليوم في هذه اللحظة التاريخية حل البرلمان حفاظا على الدولة ومؤسساتها". كما توعد بملاحقة النواب جزائيا.

وكان نحو 124 عضوا من أصل 217 حضروا جلسة عبر الإنترنت، هي الأولى منذ تعليق المجلس في 25 يوليو الماضي، وصوّت 116 نائبا بنعم وبدون رفض أو تحفظ على مشروع قانون يلغي التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس.

ويخشى محللون أن تؤدي هذه الجلسة ورد سعيد عليها بحل البرلمان إلى تفاقم الأزمة التونسية، وزيادة الانقسام في المشهد السياسي، لكن محللين آخرين يرون أنها قد تكون بداية للحل.

"قرار سياسي"

وأكد القيادي في حركة النهضة، محسن السوداني، أن قرار سعيد بحل البرلمان "سيزيد من تعقيد المشهد السياسي وسيفاقم الأزمة ويبعد بالبلاد عن فكرة الحوار" .

وأضاف السوداني في حديثه مع موقع قناة "الحرة" أن هذا "القرار سياسي وغير دستوري"، مشيرا إلى أن مواد الدستور التي اعتمدها سعيد تنص على أن المجلس "يجب أن يبقى في حالة انعقاد دائم".

وأوضح أن سعيد "كثيرا ما ردد أنه لا يستطيع دستوريا حل المجلس ولكنه بعدها بـ24 ساعة حل البرلمان بالمخالفة للدستور".

وقال السوداني إن سعيد يعاني من "عزلة على جميع المستويات برلمانيا وسياسيا وشعبيا، وتراجعت شعبيته منذ انقلاب 25 يوليو. وأغلب الأحزاب تعارضه".

في المقابل، يرى أستاذ القانون الدستوري، خالد عبيد، أن قرار رئيس الجمهورية بحل البرلمان "سيساعد في حل الأزمة السياسية في البلاد وليس تعقيدها"، مشيرا إلى أن العديد من التونسيين يعتبرون هذا القرار "جاء متأخرا، وطالبوا به منذ فترة طويلة" .

وأضاف عبيد في حديثه مع موقع "الحرة" أن سعيد اتخذ هذا القرار بناء على المادة 72 في الدستور، ولأنه يعتبر نفسه "رمزا للدولة التونسية والضامن لاستقلاليتها وأمنها القومي".

"الأفضل سياسيا"

وأشار إلى أن قرار مجلس النواب المنحل بإلغاء قرارات 25 يوليو لن يكون ساريا المفعول، لأن المجلس لم يتبع الإجراءات الشكلية للموافقة على القانون، بالإضافة إلى أنه لم تتم الموافقة عليه من رئيس الجمهورية ولم يُنشر في الجريدة الرسمية.

ويتفق سمير ديلو عضو مجلس النواب "المنحل"، مع هذا الرأي، وقال إن قرار سعيد بحل البرلمان هو "الأفضل من الناحية السياسية؛ لأنه يطوي صفحة هذا البرلمان، الذي يعد جزء من إشكالية المشهد السياسي في تونس"

لكن ديلو، المستقيل من حركة النهضة، أكد في حديثه مع موقع "الحرة" أن هذا القرار توجد فيه "إشكالية دستورية كبيرة". وأضاف أن المشهد السياسي معقد بسبب "المسار الفردي في الحكم" الذي يتبعه سعيد منذ 25 يوليو، مشير إلى أن شعبية سعيد "في تناقص مستمر بسبب فرديته في إصدار القرارات".

وأشار عبيد إلى أن قرارات سعيد أنهت العشرية التي عاشتها تونس منذ 2011 وحتى 25 يوليو 2021، باعتبار أن حل البرلمان أصبح في "حكم الواقع"، مضيفا أن الأنظار تتجه لانتخابات جديدة.

كان سعيد أصدر في 25 يوليو الماضي، قرارا بحل الحكومة، وتجميد عمل البرلمان، وهو ما اعتبره حزب النهضة، الذي كان له أكبر الكتل البرلمانية، "انقلابا على الدستور وعلى الثورة". بينما قال سعيد إن أفعاله "دستورية وضرورية لإنقاذ تونس من سنوات الشلل السياسي والركود الاقتصادي الذي تسببت فيه نخبة فاسدة تخدم مصالحها الخاصة".

كما وجه العديد من الحقوقيين خلال الشهور الماضية، انتقادات لسعيّد وحذروا من "انحراف سلطوي" في البلاد، بحسب رويترز. 

كان الرئيس التونسي أصدر نهاية العام 2021، الخارطة السياسية للبلاد تتضمن استشارة وطنية الكترونية بدأت مطلع العام الحالي وانتهت في 20 مارس وشارك فيها حوالي نصف مليون تونسي، وتضمنت الإجابة عن أسئلة تتعلق بالنظام السياسي في البلاد وعن مواضيع أخرى تشمل الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

ومن المنتظر أن تجمع لجنة مقترحات المواطنين وتعد الخطوط العريضة لاستفتاء على الدستور في 25 يوليو القادم. وتنظم في 17 ديسمبر 2022 انتخابات نيابية جديدة تزامنا مع ذكرى ثورة 2011.

وحث الحزب الدستوري الحر، وهو حزب معارض رئيسي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه سيكون الأكبر في البرلمان إذا أجريت انتخابات، سعيد على الدعوة لانتخابات مبكرة في أعقاب حل البرلمان.

وقالت عبير موسي رئيسة الحزب، إنه لا خيار آخر أمام سعيد بموجب الدستور، وإن عليه الدعوة لانتخابات في غضون ثلاثة أشهر.

كما تتزايد المخاوف من عمليات التصعيد بين الطرفين في حال اعتقال الحكومة هؤلاء النواب، خاصة بعد وزيرة العدل أنها طلبت من وكيل الدولة بمحكمة الاستئناف فتح تحقيق ضد نواب البرلمان المعلق بتهمة التآمر على أمن الدولة وتكوين وفاق إجرامي بعد عقدهم الجلسة.

ويرى عبيد أن كل شيئ وارد، مؤكدا أنه إذا حدثت اعتقالات فإنها ستؤثر بشكل كبير على المشهد السياسي في البلاد

من جهتها، قالت يمينة الزغلامي، وهي عضو في البرلمان المجمد من حركة النهضة الإسلامية، "لسنا خائفين من الدفاع عن مؤسسة شرعية".

وأضافت الزغلامي لوكالة رويترز "لم يسحب الناس ثقتهم منا. الرئيس أغلق البرلمان بدبابة".

وأكد السوداني أن قرار وزيرة العدل "سياسي وليس قضائيا"، وقال "نحن نثق في القضاء التونسي، الذي أكد على أن انعقاد المجلس أمر مشروع بناء على الدستور".

"تنازع الشرعيات"

ويرى عبيد أن قرار مجلس النواب يؤكد أن وجود رغبة من قبل حركة النهضة ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، في إظهار "نوعا من الأمر الواقع" على رئيس الجمهورية، وحدوث ما يسمى بـ"تنازع الشرعيات"، لكي يستخدمها كورقة تفاوض في الدول الغربية.

وأشار إلى أنه توجد مخاوف من تكرار السيناريو الليبي في تونس في حال وجود شرعيتين وسلطتين وحكومتين۔ مؤكد أن هذا لن يقبله الشعب التونسي. 

"لكن سعيد أنهى هذه الفكرة بقرار حل البرلمان"، بحسب عبيد، الذي استبعد فكرة تشكيل حكومة موازية لأن كل السلطة بيد رئيس الدولة وهذا عكس ليبيا حيث لا توجد دولة وسلطة منذ سقوط نظام القذافي، 

من جانبه، نفى السوداني هذا الاتهام، وأكد أن انعقاد البرلمان "لا يعني نزع شرعية الرئيس ولا تقسيم الدولة"، وقال: "لا نريد العودة إلى ما قبل الانقلاب، بل نريد استئناف الحياة السياسية وعودة المسار الديمقراطي".

وأكد ديلو أن هذا غير وارد تماما في المشهد السياسي التونسي، مؤكدا أن النواب كانوا يسعون من خلال الجلسة للضغط على سعيد ليتبع مسار تشاركي تضامني في قرارته، ولا يوجد لديهم نية لتشكيل حكومة موازية.

ويتزامن تأزم الوضع السياسي مع أزمة اقتصادية واجتماعية حادة في البلاد، حيث تعاني من ارتفاع التضخم وزيادة الديون بنسبة 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقدمت الحكومة التونسية في نوفمبر طلب مساعدة جديدا لصندوق النقد الدولي الذي يتخذ مقرا في واشنطن. وجرت مذاك نقاشات "فنية"، ويشترط الصندوق أن تكون المساعدة مقترنة ببرنامج إصلاحات اقتصادية وبنيوية.

وأعلن صندوق النقد الدولي الأربعاء، إحراز مزيد من التقدم في النقاشات مع تونس، لكن ذلك يبقى غير كاف لمنح دعم مالي للبلد الذي تفاقمت مصاعبه الاقتصادية بسبب الحرب في أوكرانيا.

وذكرت المؤسسة في بيان أن "بعثة صندوق النقد الدولي التي زارت تونس يومي 23 و25 مارس أجرت نقاشات مثمرة حول برنامج السلطات التونسية الإصلاحي".

 وذكّرت المؤسسة أن برنامج السلطات التونسية الإصلاحي يجب أن يؤدي إلى حلّ اختلالات الاقتصاد الكلي بشكل مستدام، والتخفيف من تداعيات الحرب في أوكرانيا على المدى القصير.

وأكد عبيد أن فشل الدولة في حل الأزمة الاقتصادية المتضخمة في البلاد سيكون له تداعيات سيئة للغاية على المشهد السياسي في البلاد.

مطار قرطاج في تونس

أرجأت محكمة تونسية مختصة بقضايا الإرهاب، النظر في القضية المتعلقة "بشبكات تسفير التونسيين إلى بؤر التوتّر والإرهاب"، إلى جلسة بتاريخ 22 أبريل المقبل، مع رفض الإفراج عن جميع المتّهمين المعتقلين في القضية.

ويحاكم في هذه القضية مسؤولون سياسيون وأمنيون، بينهم وزير الداخلية الأسبق، نائب رئيس حزب النهضة، علي العريض، والرئيس السابق لحزب النهضة راشد الغنوشي، والمسؤول السابق عن جهاز المخابرات الأزهر لونغو، إلى جانب عناصر متشددة شاركت في القتال إلى جانب تنظيمات إرهابية في الخارج.

وطالبت النيابة العامة خلال الجلسة التي عُقدت، الثلاثاء، بالشروع في استجواب المتهمين ومحاكمتهم، الأمر الذي رفضه محامو الدفاع عن المتهمين.

واعتبر المحامون أن القضية "ليست جاهزة للفصل"، لتقرر الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب إرجاء المحاكمة إلى جلسة لاحقة.

وكانت النيابة العامة قد أمرت في سبتمبر 2022، بفتح تحقيق في قضية "تسفير" جهاديين للقتال إلى جانب التنظيمات الإرهابية في الخارج، على أثر دعوى قضائية تقدمت بها النائبة في البرلمان، فاطمة المسدي، تتهم قيادات سياسية وأمنية بـ"تسهيل تسفير العناصر الدينية المتشددة إلى الخارج".

وشملت التحقيقات في هذه القضية، نحو 100 شخصية سياسية وأمنية، على رأسهم القيادي في حزب النهضة الإسلامي علي العريض، الذي كان يشغل منصب وزير للداخلية بين عامي 2011 و 2012، قبل تكليفه برئاسة الحكومة حتى عام 2014، في ذروة فترة التحاق مئات التونسيين المتشددين للقتال في الخارج.

واعتُقل العريض وصدر أمر بسجنه على ذمة التحقيق القضية، في ديسمبر 2022.

كما شملت التحقيقات في القضية الغنوشي، المعتقل على ذمة عدة قضايا منذ أبريل 2023، إلى جانب لونغو وعدد من القيادات الأمنية التي عملت طوال الأعوام التي قاد فيها حزب النهضة الإسلامي الحكم في البلاد.

ويجرم قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال الصادر عام 2015، الإنضمام إلى التنظيمات الإرهابية في الداخل والخارج، وارتكاب جرائم تصنف إرهابية.

وينص الفصل التاسع من هذا القانون على عقوبات تتراوح بين 20 عاما والسجن مدى الحياة والإعدام، لكل من ينتمي إلى تنظيم إرهابي ويرتكب جرائم إرهابية.