المشهد السياسي في تونس يتعقد أكثر فأكثر
المشهد السياسي في تونس يتعقد أكثر فأكثر

يتعقد المشهد السياسي في تونس أكثر، مع إعلان اتحاد الشغل، الاثنين، مقاطعة دعوة الرئيس قيس سعيّد للحوار، في إطار اللجان المشكلة لبناء "تونس الجديدة"، في وقت تنقسم فيه الآراء بين مؤيد لخطوة الاتحاد ومعارض لها.

وقال الاتحاد التونسي للشغل، الاثنين، إنه سيقاطع حوارا "شكليا ومعروف النتائج" حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية دعا إليه الرئيس سعيّد.

وعن مقاطعة الاتحاد والتصعيد الحاصل، يقول المحلل والخبير الاقتصادي، رضا الشكندالي، إن الاتحاد يرفض الحوار لأن "رئيس الجمهورية يريد أن يعتمد على مخرجات الاستشارات الوطنية التي تعتبر ضعيفة بالنسبة لحجم المشاركة الشعبية كمنطلق للحوار".

وأوضح الشكندالي في حديثه لموقع "الحرة" أن الاتحاد "لا يريد أن يشارك مشاركة صورية، ويريد أن تكون مشاركته موسعة"، في إشارة إلى دعوة ممثل واحد عن الاتحاد للمشاركة في الحوار، والاتحاد يريد أن "ينتج عن مشاركته برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي لكل التونسيين".

واعتبر اتحاد الشغل، عقب اجتماع هيئته الإدارية في مدينة الحمامات التونسية، أن المرسوم المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة "لم ينبثق عن تشاور أو اتفاق مسبق بين القوى الوطنية ولا يرتقي لتطلعات التونسيين"، وذلك وفق المتحدث باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري.

وكان الرئيس التونسي، أعلن، الجمعة، إحداث لجنة للإعداد لمشروع تنقيح دستور "جمهورية جديدة"، عبر "حوار وطني"، استبعد منه الأحزاب السياسية.

وصدر في الجريدة الرسمية مرسوم رئاسي لإحداث هيئة وطنية مستقلة تسمى "الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة"، تتولى "تقديم اقتراح يتعلق بإعداد مشروع دستور لجمهورية جديدة، ويقدم هذا المشروع إلى رئيس الجمهورية".

"موقف صادم"

من جانبه قال المحلل السياسي، نزار الجليدي، إن الاتحاد التونسي للشغل كان يجب أن "يضع لمساته في الجمهورية الجديدة"، وأن "ينخرط في الحوار الوطني المنتظر انطلاقه".

وأضاف الجليدي في حديثه لموقع الحرة أن "المستفيد الوحيد من هذا القرار (المقاطعة) ليس التونسيين والشغالين (الموظفين)، وإنما جماعة الإخوان المسلمين ومن والاهم، فهذا الرفض بمثابة جرعة الأكسجين، وهدية مجانية تقدم لهم في وقت يعيشون فيه موتا سريريا".

وتابع أن "الاتحاد التونسي للشغل بموقفه هذا خرج عن فلسفة الاتحاد عبر التاريخ  الملتصقة بالواقع السياسي والاجتماعي للتونسيين، وهو طالما مثّل قوة دفع واقتراح".

وشدد على أنه "كان على الاتحاد أن ينخرط في الحوار، ويغير ما يشاء من الداخل، بدل الانسحاب وترك الكرسي شاغرا".

وأشار إلى أن "موقف الاتحاد (المقاطعة) كان صادما للتونسيين (...) والبلد يعاني من التخبط في ظل أزمة سياسية واقتصادية على حد سواء، والتونسيون لا يريدون إشراك الأحزاب في المسارات السياسية القادمة"، في إشارة إلى تأييد موقف الرئيس من عدم دعوة الأحزاب للحوار.

وأكد اتحاد الشغل أن هيئته وافقت على تنظيم إضراب عام وطني احتجاجا على الوضع الاقتصادي السيء، في خطوة يتوقع أن تفتح مواجهة مع سعيّد وتضعه في أصعب اختبار، بحسب رويترز.

ولفت الجليدي إلى أن "الاتحاد في طريقه الآن إلى وضع سقف أعلى للتفاوض مع الرئيس (...) عبر إعلانه مقاطعة الحوار والدعوة إلى الإضراب".

وقال إن هذا التصعيد "بعيد عن التطبيق"، ولن يلقى استجابة شعبية، لأن الكثير من "مناضلي وخلايا الاتحاد وأعضائه من المؤيدين للرئيس سعيّد الذي يعول على المشروعية الشعبية لإنجاز الإصلاحات السياسية".

لكن اتحاد الشغل، وهو أكبر المؤسسات النقابية وأهمها في تونس، أكد رفضه لأي "حوار شكلي، تحدد فيه الأدوار من جانب واحد وتقصى فيه القوى المدنية والسياسية".

ولكن الشكندالي يقول إن الاتحاد "ليس موافقا على مضمون الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وطالب رئيس الجمهورية بوقف هذا المسار الذي تقوم به الحكومة، وهو تطبيق الإصلاحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي".

وأشار إلى أن المطلوب للموافقة على الدخول في الحوار هو "توسيع التشارك"، الذي يعتبر أيضا مطلبا من صندوق النقد الدولي، موضحا أن "هناك انتخابات مقبلة، وقد ينجح بها طرف قد لا يكون من المشاركين في الحوار".

وأضاف الشكندالي أن "صندوق النقد الدولي يخاف من عدم استمرارية البرنامج الذي قد ينبثق عن هذا الحوار، خاصة إذا كان الطرف الذي يمكن أن ينجح في الانتخابات غير مشارك في الحوار".

وفضلا عن المأزق السياسي، تغرق تونس في أزمة اقتصادية خطيرة مع تباطؤ النمو وازدياد البطالة وتسارع التضخم، وقد تفاقمت هذه الأزمة في ظل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والمديونية المفرطة، التي دفعتها إلى طلب قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

من جانبه ألمح الجليدي إلى ضرورة مشاركة الاتحاد في الحوار، وقال إن "على الاتحاد أن يدخل في هذا الحوار ويغير فيه من الداخل، لأن الاتحاد لديه قوة في المقترح"، بمعنى أنه قادر على إحداث تغيير، مشيرا إلى وجود "أصوات إخوانية" داخل الاتحاد رافضة للمشاركة في الحوار.

الأمور متوترة

ولدى سؤاله عن توقعاته بشأن التصعيد الحاصل بين الاتحاد والرئاسة التونسية، قال الشكندالي إن "الأمور متوترة وقد يغير رفض الاتحاد المشاركة في الحوار المعطيات"، موضحا أن "غياب الأحزاب عن الحوار" قد يعقد المشهد، بسبب غياب أطراف ذات قاعدة شعبية واسعة، و"المؤشرات لا تدل على قرب حدوث اتفاق بين الاتحاد والحكومة".

ومن المقرر أن يعقد اتحاد الشغل، مؤتمرا صحفيا، الأربعاء، لتسليط الضوء على ثلاث نقاط تتعلق بموقفه مما يجري سياسيا واقتصاديا، إضافة إلى الملف الاجتماعي، المتعلق بمطالب العمال والمفاوضات مع الحكومة، وفق ما أفاد به، الطاهري.

واتحاد الشغل من بين أكبر الجهات السياسية الفاعلة في تونس، وساهم في إنجاح الحوار الوطني الذي تم إقراره عام 2013 حين تأزم الوضع في تونس إثر اغتيالات سياسية وأفضى إلى إقرار حكومة تكنوقراط.

وأكد الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي، في تصريح للصحفيين، أن "الحوار لا يرتقي إلى حل المعضلة، ولا يرسم مستقبلا أفضل لتونس، وفيه تجاهل للمكونات السياسية الفاعلة".

ومن بين الأحزاب التي أقصيت من حوار الرئيس "حركة النهضة" ذات المرجعية الإسلامية وأكبر الكتل في البرلمان الذي حله الرئيس، وهي الحركة التي تعتبر من أشد المعارضين له، وتعتبر ما قام به "انقلابا على الدستور والثورة".

وتتفرع من الهيئة التي أعلنها سعيّدلجان ثلاث، هي "اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية" و"اللجنة الاستشارية القانونية"، و"لجنة الحوار الوطني".

ودعا سعيّد الجامعيين والمنظمات الكبرى في تونس للمشاركة في هذه الهيئات الفرعية، من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ويرأسها عميد المحامين إبراهيم بودربالة الداعم لقرارات سعيّد.

وبعد أشهر من الانسداد السياسي، أعلن سعيّد الذي انتخب في نهاية 2019 تولي كامل السلطات التنفيذية والتشريعية في 25 يوليو، وأقال رئيس الوزراء وعلق نشاط البرلمان قبل أن يحله في مارس.

وفي خريطة طريق وضعها لإخراج تونس من أزمتها السياسية، قرر سعيّد إجراء استفتاء على تعديلات دستورية قيد التجهيز في 25 يوليو المقبل، قبل إجراء انتخابات تشريعية في 17 ديسمبر.

الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)

رغم تقاطع الأحزاب المعارضة والمؤيدة لنظام الرئيس التونسي قيس سعيد في المطالبة بإرساء محكمة دستورية (أعلى هيئة قضائية) بالبلاد، إلا ان تجاهل الرئيس سعيد لهذه المطالب يثير تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

وتكتسي المحكمة الدستورية كهيئة قضائية مستقلة أهمية بالغة، إذ من ضمن اختصاصاتها مراقبة دستورية القوانين والمعاهدات، فضلا على أنه في حال حصول شغور، يحل رئيس المحكمة مكان رئيس الدولة في حالة العجز التام أو الوفاة أو الاستقالة. 

ورغم النص عليها في دستور البلاد لسنة 2014 وإعادة ضبط تركيبتها واختصاصها في دستور 2022، إلا أنها ظلت محل سجال سياسي تزداد حدته مع كل أزمة سياسية تشهدها تونس.

وفي الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، تنص المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، إلا أن عدم تركيزها حتى اليوم يطرح تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

لا موانع قانونية

تعليقا على تأخر إرساء المحكمة الدستورية بتونس، يؤكد المختص في القانون الدستوري معز الهادفي، أنه من الناحية القانونية لا توجد أي موانع تحول دون إرساء هذه المحكمة بتونس.

ويوضح الهادفي في حديثه لموقع "الحرة" أن دستور البلاد لسنة 2024 وكذلك الدستور الجديد لسنة 2022 نصّا صراحة على ضرورة إحداثها، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية ما قبل إجراءات 25 يوليو 2021 وما بعدها.

ويتابع في هذا الخصوص، بأن المحكمة الدستورية تمثل مؤسسة رقابية مهمة وهي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة دستورية القوانين والأوامر الرئاسية، لكن في ظل الوضع السياسي الراهن، نرى أن السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية لا يرغب في وجود هيئة قضائية مستقلة قد تحد من سلطاته أو تعيد النظر في قراراته، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي خطوات جديدة لإتمام عملية تشكيل المحكمة.

وشدد أستاذ القانون الدستوري على أن المحكمة الدستورية  إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وعدم وجودها يعني غياب الرقابة على القوانين واحتمال تمرير نصوص تتعارض مع الدستور، مما قد يؤدي إلى تضييق الحريات وتغول السلطة التنفيذية.

وفي ديسمبر الماضي، صوّت البرلمان التونسي على عدم تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2025، في خطوة أعقبتها مطالب عدة من الأحزاب والمنظمات الحقوقية بضرورة إحداث هذه المحكمة.

لا يريد رقابة أو مساءلة

من جانبه، يرى منسق ائتلاف صمود (ائتلاف مدني) حسام الحامي، أن كل المؤشرات تدل على أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يسعى لإحداث المحكمة الدستورية حتى يتخلص من كل مساءلة أو مراقبة للقوانين التي يصدرها.

وقال الحامي لموقع "الحرة" إن العديد من المراسيم الرئاسية التي أصدرها سعيد وأبرزها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة الاتصال والمعلومات كانت تهدف للتضييق على الحريات وملاحقة كل من يعارض النظام القائم رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة، كان يمكن أن تسقطها المحكمة الدستورية لو تم إحداثها.

وأوضح بأن السعيد كان يشدد دائما على أهمية المحافظة على الأمن القومي، ويتجاهل في المقابل أن المحكمة الدستورية أيضا من مقومات المحافظة على الأمن القومي للبلاد، لافتا إلى أن سعيد كان من أبرز منتقدي المنظومات السابقة التي لم تنجح في إحداث هذه المحكمة وهو أيضا من رفض في 2021 ختم مشروع قانون يقر إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية.

ولم تتمكن الكتل البرلمانية التي وقع انتخابها في 2014 من انتخاب سوى عضو واحد في مارس 2018 من بين 4 أعضاء بسبب الخلافات والتجاذبات الحزبية.

فراغ في المناصب القضائية

من جانب آخر، يؤكد الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" (داعم للسلطة) محمود بن مبروك أن الرئيس التونسي قيس سعيد لم يعارض إحداث المحكمة الدستورية، بل أعاد التنصيص عليها في دستور البلاد لسنة 2022.

وأرجع بن مبروك في حديثه لـ "الحرة" أسباب تأخر تشكيلها إلى تركيبة هذه المحكمة التي تستوجب خططا وظيفية معينة، فيما يظل هناك فراغ في مناصب عدة بمؤسسات قضائية عليا من ضمنها الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام وهي رتب قضائية تتوفر فيها شروط التأهل آليا لعضوية المحكمة الدستورية.

ويستبعد المتحدث أن يكون سعيد يخشى رقابة هذه الهيئة القضائية للمراسيم والقوانين التي يصدرها مشددا على أن هذه المسألة باتت محل سجال سياسي في البلاد، ترغب من خلاله المعارضة إلى استبدال الرئيس في أي حالة شغور.

وختم بالقول: من المتوقع إحداث المحكمة الدستورية فور الانتهاء من سد الشغور في الهيئات القضائية الأخرى، لما لها من أهمية في استكمال تثبيت أحد ركائز الدولة الديمقراطية.