رغم انطلاق الحوار الوطني من أجل إصلاحات سياسية ودستورية في تونس، يهدد قرار القضاة في تونس بالإضراب العام والشامل، الذي يبدأ الاثنين، خطط الرئيس قيس سعيد، وإجراء الاستفتاء الذي يعتزم تنظيمه الشهر المقبل، ويزيد، وفق مراقبين، تعميق القطيعة بين الرئاسة وأكثر القوى المدنية والسياسية في تونس.
فالقضاة "الذي يمرون بحالة من الغليان ويشعرون بالغضب الشديد"، بحسب رئيس جمعية القضاة الشبان في تونس، مراد المسعودي، في حديثه مع موقع "الحرة"، دخلوا على خط الاحتجاجات، بعد قرار الرئيس قيس سعيد إعفاء 57 قاضيا.
واعتبر المسعودي أن "القضاة الآن يشعرون بأنهم جميعا بمثابة مشروعات للعزل، خاصة أنه لا توجد معايير للإعفاء، بدليل أن من صدر بحقهم قرارات عزل، حدث لهم ذلك دون تبعات جزائية أو تأديبية".
وأقر المجلس الوطني لجمعية القضاة التونسيين الإضراب العام مدة أسبوع قابل للتجديد، اعتبارا من الاثنين، في كافة المرافق القضائية.
"تصفية جماعية"
من جانبها تقول القيادية في حركة الشعب والمحامية، ليلى الحداد، لموقع "الحرة"، إن "القضاة من حقهم أن يعبروا عن احتجاجهم ضد القرار الذي تم عزلهم بموجبه من قبل رئيس الجمهورية، لكن هناك مرسوم إضافي تم إقراراه بأن هناك عقوبة للقضاة الذين سيعطلون العمل من خلال الاحتجاج".
وتعتقد الحداد أنه بناء على قرار الرئيس الإضافي، "سيجعل هناك تململ بين القضاة، وبعضهم سيريد العمل على الأقل، خشية وخوفا على أجورهم، وبعض القضاة الآخرون قد يتمسكون بالاحتجاج".
لكن المسعودي، يقول إن "الإضراب سيتم تنفيذه من قبل جميع القضاة في جميع محاكم الجمهورية على اختلاف رتبهم دون استثناءات، إلا الأمور الإنسانية.
واعتبر المسعودي أن هذا المرسوم تهديدي وغير شرعي، "لأن حق الإضراب مكفول بالدستور وهو أعلى قيمة من أي مرسوم رئاسي".
وأضاف أن "تهديد سعيد لا قيمة له ولن يمنع القضاة لأن هناك تهديد أكبر منه وهو إصدار محتمل بقائمة ثانية بإعفاء حوالي 60 قاضيا وقائمة ثالثة تشمل 200 آخرين، هذا يسير بنا في إطار تصفية جماعية".
"الطعون بعد انتهاء التحقيقات"
يعتبر محمد الحامدي، وهو وزير التربية التونسي السابق في عهد الرئيس الحالي، أن عزل القضاء الـ57 تحت شعار "التطهير" و"مكافحة الفساد"، ما هو إلا "كلمة حق يراد بها باطل"، وأن "كثيرا من الجرائم ارتكبت بشعارات نبيلة"، مضيفا أن هذا "حدث من دون مجلس تأديب أو محاكمات ويهدف إلى إخضاع القضاة".
وأضاف أن "حالة المزاجية التي يدير بها رئيس الدولة تونس، وعزل الأشخاص دون السماح لهم بتقديم طعون هو أخطر مدخل لإفساد السلطة القضائية، لأنه سيجعل القضاة يخافون السلطة التنفيذية ولا يحتكمون للقانون ولا لضمائرهم ولا الملفات التي أمامهم".
لكن الحداد تقول إن "المرسوم 35 لم يقل إنه لا يمكن الطعن على قرار الإعفاء، ولكنه يتم إرجاؤه بعد الانتهاء من إجراءات التحقيق بخصوص الملفات الموجودة في وزارة العدل"
وتوضح أن "عزل هؤلاء القضاة كان بسبب ملفات موجودة بالتفقدية العامة لوزارة العدل، وهذه اللجنة التأديبية مكونة من قضاة، يعني زملاؤهم، وحينما يقدم القاضي المعزول ما يفيد بعدم تورطه في الحصول على رشوة أو انخراطه في أجندات سياسية، ويصدر قرار بتبرئته فيمكنه العودة للطعن من أجل العودة إلى عمله، لكن التقدم بالطعن قبل التثبت من عدم تورطه لن يكون متاحا".
وأضافت "هذه ليست دكتاتورية بالمعنى المفهوم، ولكن رئيس الجمهورية أراد أن يفتح ملفات القضاة الفاسدين، الذي تعهد سابقا بأنه سيتم فتحها".
ولم يحدد المرسوم الرئاسي فترة زمنية للانتهاء من عملية التحقيق مع القضاة المعزولين، لكن الحداد ترى أنه يمكن أن تكون سريعة "على اعتبار أن من سيحاسبهم زملاء لهم في المهنة، وربما بشكل أسرع من المواطن العادي الذي يقدم تظلم".
وأضافت "الأمر الآن في يد التفقدية، وهم ليسوا معينين من قبل الرئيس، بل إنهم موجودون بصفاتهم، حتى أن الهيئة الوقتية للمجلس الأعلى للقضاء تم تعيينها بصفاتهم بطريقة تراتبية حسب الرتبة والأقدمية، يعني مكونة مثلا من رئيس محكمة التعقيب، والوكيل العام لمحكمة الاستئناف، ورئيس المحكمة العقارية، وهكذا".
"لم يكن هناك خيار آخر"
وترى الحداد أنه لم يكن هناك من خيار آخر أمام سعيد من أجل محاسبة القضاة المشكوك في نزاهتهم، "وهناك ملفات ضدهم في وزارة العدل بالفعل".
وقالت الحداد "الرئيس طلب من الهيئة الوقتية للمجلس الأعلى للقضاء أن تقوم بدورها في محاسبة القضاة المتورطين إما في الفساد السياسي أو المالي والرشوة، لكن كانت أيديهم مرتبكة، ولم يكن هناك جهاز رقابي قام بهذا الدور، فاضطر إلى أن يؤديه بشخصه".
لكن المسعودي يرى أن "الرئيس اختار هؤلاء لأنهم ناهضوا سياسته، لا أكثر ولا أقل".
واعتبر أن "المنطق الذي يسير به سعيد، والمؤيدون له، هو "الإشاعة والكذب"، موضحا أنه "عندما يريد الرئيس إعفاء قاض أو حل المجلس الأعلى للقضاء، قبلها بأيام تطلق صفحات فيسبوكية موالية له حملات تشويه، سواء للهيئة بأكملها أو لكل عضو فيها وتلفيق اتهامات كاذبة، مثلا قد يطلقون علي أنني أتعاطى المخدرات أو أتاجر فيها وأن لي أملاكا وسيارات من فئة معينة، في حين أني بريء من كل ذلك، لكن كل هذه الاتهامات حتى يسهل للرأي العام قبول إعفاء ذلك الشخص".
ويؤكد المسعودي أن "الكثير من القضاة ممن وردت أسماؤهم في قرارات العزل، ليس لديهم أي ملف في الهيئة التفقدية، ولديهم شهادات تفيد بذلك".
وأضاف أن "الرئيس طلب من المجلس الأعلى المؤقت، التوقيع على القائمة، ولم يقدم أي ملفات تخص القضاة الذين يريد عزلهم، فرفض التوقيع رغم أن سعيد هو من عينهم".
وتابع "عندما تقابلنا في إطار الاجتماع المشترك للهياكل القضائية، كل قاض ممن تم عزله، قدم ما يفيد بتدخل قيس سعيد في القضاء".
وفيما يتعلق بأن رئيس الجمهورية أعفى بعض القضاة الذين لم يقوموا بإيقاف قيادات أحزاب سياسية، تقول الحداد إن "هذا غير صحيح".
وتوضح: "ماذا حدث في تونس، وقع في عشر سنوات، كنا نريد أن يخرج القضاء من جلباب وسيطرة نظام بن علي، لكن للأسف بعد الثورة ارتدى جلباب الأحزاب التونسية خاصة الأحزاب التي كانت في السلطة كحركة النهضة ونداء تونس، وبالتالي هناك مغازلة للقضاة في أن يكونوا وزراء أو نواب شعب أو مستشارين في القصبة، وهذا التهافت للقضاة، والذي يتطلب عملهم في أن يكونوا محايدين، جعل منهم تابعين لأحزاب سياسية أو موالين، وبعضهم ما زالوا حتى الآن في مناصب عليا في القضاء، وبالتالي حينما تم إحالة الملفات المتعلقة مثلا بالفساد المالي لأحزاب سياسية، حسب التقرير المالي لمحكمة المحاسبات، التي أكدت أن هناك تمويلا أجنبيا لأحزاب سياسية معينة، لم يبت القضاة في هذا الأمر، والرأي العام التونسي أكد أن الهدف العام للمرحلة الاستثنائية محاسبة القضاة على فشلهم وإفلات ذوي النفوذ من العقاب، سواء كان نفوذا سياسيا أو ماليا".
وأضافت: "الرئيس قدم، الاثنين الماضي، قائمة بأسماء قضاة للهيئة العليا المؤقتة للمجلس الأعلى للقضاء للنظر في ملفاتهم، لكن رئيس الهيئة الوقتية رفض التوقيع وطلب تأجيل النظر في محاسبة ومحاكمة بعض القضاة، فكان رد رئيس الجمهورية، يوم الثلاثاء، هو إصدار المرسوم 35 ونشر تلك القائمة، تعبيرا عن أنه إذا كان هناك تململ داخل مؤسسة القضاء في محاسبة المتورطين في الفساد فإن رئيس الجمهورية يمكنه تطبيق ذلك".
وتابعت: "أنا محامية وأعلم جيدا مدى وطأة نشر اسم قاض متهم بالفساد ولكن مؤسسة القضاء للأسف الشديد، مثل ما حدث بدول عربية، استشرى فيها الفساد وأصبح المواطنون الضعفاء يحاسبون ويحاكمون، بينما الأقوياء وأصحاب النفوذ السياسي والمالي لا يحاسبون وتظل ملفاتهم مركونة".
لكن المسعودي يدلل بأمثلة على رأيه، بأنه "من ضمن القضاة المعزولين، النائب العام في محكمة تونس الابتدائية، عماد الجمني، حيث تم إعفاؤه لأنه لم يصدر قرارا بإيقاف النواب الذين شاركوا في اجتماع بعد قرار سعيد بحل البرلمان"، حسب قول المسعودي، مشيرا إلى أن "القاضي الجمني اعتبر أن هذا الاجتماع ليس فيه مشكلة".
وأضاف "هناك مثال آخر، هو الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف، تم إعفاؤه لأن الرئيس طلب تتبع راشد الغنوشي من أجل ما يسميه بالجهاز السري لحركة النهضة بدعوى أن هناك أمنيين تابعين للحركة يقومون بالاغتيالات، بالرغم من أن هذا الملف لا ورقة فيه ولا دليل ولا أي شيء، القاضي لم يقبل بمخالفة ضميره فقام بإعفائه".
وتابع: "هناك قاضية مسؤولة عن الشركات تم إعفاؤها لأنها في خلاف مع شقيقة زوجة الرئيس، حيث رفضت إدخال الأخيرة بشركة في حالة التصفية القضائية، فهددتها بالعزل، وهو ما تم".
ما هو تأثير إضراب القضاة؟
وتستبعد الحداد أيضا أن يكون هناك تأثير للإضراب على المسار الذي اتخذه رئيس الجمهورية، "لا أعتقد أنه سيتراجع"، مضيفا أنه "بالتأكيد سيسير إلى الأمام ولن يؤخره أبدا هذا الاحتجاج، بل إن هناك قائمة جديدة من القضاة الذين سيتم عزلهم، بسبب ما يتعلق ببعض الملفات الموضوعة بوزارة العدل".
لكن المسعودي يشير إلى أن الإضراب سيؤثر على مسار سعيد، خاصة أنه "رغم اختلافنا كهياكل قضائية، قمنا لأول مرة بالوحدة القضائية، لأن أي قاضي أصبح خائفا على مصيره، والإشاعات بأن القضاة لن يضربون، هذا مستحيل استحالة مطلقة".
وأكد أن القضاة في حالة غضب شديد، "سنضرب إضرابا مفتوحا دون حدود"، مضيفا أن مطالبهم هو "التراجع عن مطالب الإعفاء مطلقا وإذا لم يتم التراجع، فلن نعمل يوما واحدا حتى لو لخمس سنوات، إما أن نعمل جميعا وإما أن نضرب جميعا".
وأشار إلى أنه لو استمر الإضراب، لن يتم الاستفتاء، "هناك قرار بشل الاستفتاء وهو عدم ترشح القضاة للهيئات الفرعية للانتخابات باعتبار أن الهيئات التي تدير العملية من القضاة والإداريين والعدليين، فإذا لم يترشح القضاة فمن سيراقب الانتخابات"؟
وأضاف "هناك قرار آخر اتخذناه، بعدم الترشح للمناصب التي يشتغلها القضاة المعزولون، فتبقى وظائفهم شاغرة، وهي مناصب مهمة منها عميد قضاة التحقيق، ووكيل جمهورية تونس وهو رئيس القطب المالي ورئيس قطب الإرهاب، وعدم وجود شخص فيها يعني ضياع الكثير من الحقوق وتجميد النظر في كافة القضايا المهمة".
