تونس/ انتخابات
يرى مراقبون أن دستور 2014، كان سببا في نشوب خلافات وصلت حد الصراع على السلطة بين الرئيس والبرلمان والحكومة

في غمرة الأحداث المتسارعة في تونس، عقب استئثار الرئيس قيس سعيّد بصلاحيات كبيرة "أثمرت" دستورا لم يحقق الإجماع بين التشكيلات السياسية، قال المحلل السياسي بوبي غوش، إن "على الولايات المتحدة أن تتحرك".

وفي مقال رأي للكاتب نشرته وكالة بلومبيرغ للأنباء، قال غوش، إن بإمكان واشنطن استخدام نفوذها الاقتصادي للضغط على سعيّد من أجل الإصلاحات الديمقراطية. 

ووصف الاستفتاء على الدستور بالآلية التي ستسمح لسعيّد بإضفاء الطابع المؤسسي على حكم الرجل الواحد.

وانتقد غوش اقتصار موقف واشنطن بـ"ملاحظة" ما يجري هناك في تونس، وفق رأيه.

وخلال تصريح مقتضب، ضمن إحاطة صحفية، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، نيد برايس بالخصوص: "حسنا، نلاحظ النتيجة التي أبلغت عنها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ومراقبو الانتخابات من المجتمع المدني، يبدو أن الاستفتاء تميز بضعف الإقبال".

وأضاف أن مجموعة واسعة من المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية في تونس أعربت عن مخاوفها العميقة بشأن الاستفتاء. 

27 في المئة أدلوا بأصواتهم في الاستفتاء على دستور "الجمهورية الجديدة" في تونس بحسب هيئة الانتخابات
تونس.. دستور 2022 وشكل "الجمهورية الجديدة"
بعد استفتاء لم يشارك فيه سوى ربع الناخبين فقط، يدخل الدستور الجديد في تونس حيز  التنفيذ خلال أيام، بعد الموافقة الكاسحة عليه، يتساءل البعض حول شكل "الجمهورية الجديدة" نظام سياسي جديد يتمتع فيه الرئيس بسلطة شبه كاملة وبلا قيود ولا رقابة تذكر على سلطته.

وقال إنه تمت ملاحظة مخاوف العديد من التونسيين بشأن الافتقار إلى عملية شاملة، وشفافة، ونطاق محدود للنقاش العام الحقيقي، أثناء صياغة الدستور الجديد. 

وتابع "نلاحظ أيضا مخاوف من أن الدستور الجديد يتضمن ضوابط وتوازنات ضعيفة يمكن أن تعرض حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية للخطر ".

وفي موقف جديد من واشنطن، أعرب وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الخميس، عن مخاوف بلاده من أن صياغة الدستور الجديد في تونس قد تؤدي لإضعاف الديمقراطية، وتآكل الحقوق والحريات التي حصل عليها الشعب في أعقاب الربيع العربي. 

وقال بلينكن في بيان إن استفتاء 25 يوليو على الدستور التونسي شهد تدني مشاركة الناخبين.

وأضاف: "نحن نشاطر العديد من التونسيين مخاوفهم من أن عملية صياغة الدستور الجديد قيدت فرص النقاش الحقيقي" ولفت بلينكن إلى أن الدستور الجديد قد يضعف الديمقراطية في تونس "ويقوض احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية".

وبينما انتقد غوش عدم اتخاذ الإدارة الأميركية إجراءات صارمة تجاه إجراءات الرئيس التونسي، كتب يقول إن سعيّد كان محل الكثير من الانتقادات، في بلاده "لقد سيطر على مفوضية الانتخابات قبيل التصويت، إضافة إلى تكميم أفواه الإعلام، وتلاعب بالقضاء، وسجن المعارضين السياسيين"، حسب تعبيره.

واختارت الغالبية العظمى من التونسيين عدم التصويت على مشروع الدستور الجديد، مما قوض محاولة من وصفه غوش بـ "المستبد" إضفاء الشرعية على انتزاعه السلطة.

وفي معرض مقاله التحليلي، تكهن غوش بأن يبذل المعارضون التونسيون في الأيام المقبلة، أقصى ما في وسعهم للتشكيك في قانونية الدستور الجديد وبالتالي "حق الرئيس في الحكم" على حد وصفه.

ثم عاد ليقول: "في المقابل سيبحث سعيد عن مصادر بديلة للشرعية، لذلك نتوقع مسيرات شعبية لدعم الحكومة والاحتفال بالدستور الجديد وتعبيرات الولاء من القوات المسلحة."

وأضاف أن سعيد سينتقل بعدها لإضفاء أكثر شرعية عند لقاءاته بالقادة الأجانب، وخاصة قادة الدول الديمقراطية.

ويرى غوش أن سعيد يأمل في أن تفعل إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن له، ما فعلته إدارة الرئيس باراك أوباما للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وهو قبول الدستور الجديد كأمر واقع والنظر في الاتجاه الآخر.

وقال: "يجب على الرئيس بايدن أن يتنكر  لسعيد، يمكنه أن يوضح له أن إدارته قد تفعل أكثر من مجرد (ملاحظة) محاولته إضفاء الطابع المؤسسي على الاستبداد".

ولفت إلى أن بايدن لا يتردد عادة في استخدام لغة قوية في مثل هذه المواقف، ففي نوفمبر الماضي،  فقط ، أدان بايدن بأشد العبارات مانويل نورييغا من نيكاراغوا لقيامه بتمثيلية انتخابية وقال: "يجب أن يحصل سعيد على نفس المعاملة".

في السياق، قال غوش إن على واشنطن أن تطالب سعيد باحترام استقلال القضاء وحرية الصحافة، والعمل مع أحزاب المعارضة من أجل ترتيب تقاسم السلطة وإجراء انتخابات جديدة "وإذا رفض، يجب على الولايات المتحدة وقف جميع المساعدات لتونس وتشجيع شركائها الأوروبيين على أن يحذو حذوها".

وأضاف "يجب أن تكون إدارة بايدن مستعدة أيضًا لممارسة حق النقض الأميركي على أي مساعدة من صندوق النقد الدولي لتونس".

وقال إن ذلك "يؤلم" سعيد، بينما بلاده في أمس الحاجة إلى تمويل أجنبي وإلى مساعدة صندوق النقد الدولي للبدء في إصلاح الاقتصاد التونسي المنهار، "لأن الفشل في هذه الجبهة سوف يزيل بسرعة حتى الدعم المحدود الذي يتمتع به، وسيؤدي إلى دفع أي مطالبات للشرعية".

والاثنين، صوت التونسيون على مشروع دستور جديد يمنح صلاحيات واسعة للرئيس قيس سعيّد.

ولم تتجاوز نسبة المشاركة في الاستفتاء 30 بالمئة، بحسب هيئة الانتخابات التي قالت إن أكثر من 94 بالمئة من المصوتين أيدوا الدستور الجديد.

ويعتبر الرئيس التونسي، قيس سعيد، مشروع الدستور الجديد امتدادا لعملية "تصحيح المسار".

وبدأ "المسار" بقرارات اتخذها سغيّد في 25 يونيو 2021 وصفت بـ "المحتكرة للسلطة في يد واحدة" بينها إقالة رئيس الحكومة السابق وتجميد أعمال البرلمان، ثم حله بالكامل. 

الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيد (رويترز)

رغم تقاطع الأحزاب المعارضة والمؤيدة لنظام الرئيس التونسي قيس سعيد في المطالبة بإرساء محكمة دستورية (أعلى هيئة قضائية) بالبلاد، إلا ان تجاهل الرئيس سعيد لهذه المطالب يثير تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

وتكتسي المحكمة الدستورية كهيئة قضائية مستقلة أهمية بالغة، إذ من ضمن اختصاصاتها مراقبة دستورية القوانين والمعاهدات، فضلا على أنه في حال حصول شغور، يحل رئيس المحكمة مكان رئيس الدولة في حالة العجز التام أو الوفاة أو الاستقالة. 

ورغم النص عليها في دستور البلاد لسنة 2014 وإعادة ضبط تركيبتها واختصاصها في دستور 2022، إلا أنها ظلت محل سجال سياسي تزداد حدته مع كل أزمة سياسية تشهدها تونس.

وفي الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، تنص المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، إلا أن عدم تركيزها حتى اليوم يطرح تساؤلات بشأن الدوافع والأسباب.

لا موانع قانونية

تعليقا على تأخر إرساء المحكمة الدستورية بتونس، يؤكد المختص في القانون الدستوري معز الهادفي، أنه من الناحية القانونية لا توجد أي موانع تحول دون إرساء هذه المحكمة بتونس.

ويوضح الهادفي في حديثه لموقع "الحرة" أن دستور البلاد لسنة 2024 وكذلك الدستور الجديد لسنة 2022 نصّا صراحة على ضرورة إحداثها، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية ما قبل إجراءات 25 يوليو 2021 وما بعدها.

ويتابع في هذا الخصوص، بأن المحكمة الدستورية تمثل مؤسسة رقابية مهمة وهي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة دستورية القوانين والأوامر الرئاسية، لكن في ظل الوضع السياسي الراهن، نرى أن السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية لا يرغب في وجود هيئة قضائية مستقلة قد تحد من سلطاته أو تعيد النظر في قراراته، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي خطوات جديدة لإتمام عملية تشكيل المحكمة.

وشدد أستاذ القانون الدستوري على أن المحكمة الدستورية  إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وعدم وجودها يعني غياب الرقابة على القوانين واحتمال تمرير نصوص تتعارض مع الدستور، مما قد يؤدي إلى تضييق الحريات وتغول السلطة التنفيذية.

وفي ديسمبر الماضي، صوّت البرلمان التونسي على عدم تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2025، في خطوة أعقبتها مطالب عدة من الأحزاب والمنظمات الحقوقية بضرورة إحداث هذه المحكمة.

لا يريد رقابة أو مساءلة

من جانبه، يرى منسق ائتلاف صمود (ائتلاف مدني) حسام الحامي، أن كل المؤشرات تدل على أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يسعى لإحداث المحكمة الدستورية حتى يتخلص من كل مساءلة أو مراقبة للقوانين التي يصدرها.

وقال الحامي لموقع "الحرة" إن العديد من المراسيم الرئاسية التي أصدرها سعيد وأبرزها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة الاتصال والمعلومات كانت تهدف للتضييق على الحريات وملاحقة كل من يعارض النظام القائم رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة، كان يمكن أن تسقطها المحكمة الدستورية لو تم إحداثها.

وأوضح بأن السعيد كان يشدد دائما على أهمية المحافظة على الأمن القومي، ويتجاهل في المقابل أن المحكمة الدستورية أيضا من مقومات المحافظة على الأمن القومي للبلاد، لافتا إلى أن سعيد كان من أبرز منتقدي المنظومات السابقة التي لم تنجح في إحداث هذه المحكمة وهو أيضا من رفض في 2021 ختم مشروع قانون يقر إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية.

ولم تتمكن الكتل البرلمانية التي وقع انتخابها في 2014 من انتخاب سوى عضو واحد في مارس 2018 من بين 4 أعضاء بسبب الخلافات والتجاذبات الحزبية.

فراغ في المناصب القضائية

من جانب آخر، يؤكد الأمين العام لحزب "مسار 25 جويلية/يوليو" (داعم للسلطة) محمود بن مبروك أن الرئيس التونسي قيس سعيد لم يعارض إحداث المحكمة الدستورية، بل أعاد التنصيص عليها في دستور البلاد لسنة 2022.

وأرجع بن مبروك في حديثه لـ "الحرة" أسباب تأخر تشكيلها إلى تركيبة هذه المحكمة التي تستوجب خططا وظيفية معينة، فيما يظل هناك فراغ في مناصب عدة بمؤسسات قضائية عليا من ضمنها الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام وهي رتب قضائية تتوفر فيها شروط التأهل آليا لعضوية المحكمة الدستورية.

ويستبعد المتحدث أن يكون سعيد يخشى رقابة هذه الهيئة القضائية للمراسيم والقوانين التي يصدرها مشددا على أن هذه المسألة باتت محل سجال سياسي في البلاد، ترغب من خلاله المعارضة إلى استبدال الرئيس في أي حالة شغور.

وختم بالقول: من المتوقع إحداث المحكمة الدستورية فور الانتهاء من سد الشغور في الهيئات القضائية الأخرى، لما لها من أهمية في استكمال تثبيت أحد ركائز الدولة الديمقراطية.