تونس/ صحافة حرة
تراجعت تونس إلى المركز 94 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة بعدما كانت في المرتبة 73 العام الماضي

تتأكد مخاوف الرأي العام التونسي، والدولي، يوما بعد يوم، بشأن مستقبل الديمقراطية والحريات، في تونس، مهد الربيع العربي، حيث استأثر الرئيس، قيس سعيد، بصلاحيات كبيرة، طوّقت مبدأ تقاسم السلطات والفصل بينها.

ولم تسلم السلطة الرابعة من تبعات قرارات سعيد، حيث بات الصحفيون يتعرضون للتضييق، وفق ما كشفه تقرير النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

وسجّلت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية التابع للنقابة، 48 اعتداء طالت 54 صحفيا ومصورا صحفيا، على امتداد شهر يوليو 2022 وحده، وفق ما نقلت وكالة الأنباء التونسية الرسمية.

وقال تقرير النقابة إن فترة الاستفتاء حول مشروع الدستور كانت "الأعنف على الصحفيين مقارنة بمسار الفترات الانتخابية لسنة 2019".

وسجلت وحدة الرصد خلال الفترة الممتدة من 1 يوليو تاريخ انطلاق الحملة إلى 26 منه، أي تاريخ الإعلان عن النتائج الأولية، 41 اعتداء على الصحفيين.

وضع استشنائي

السبب في كون فترة الاستفتاء على الدستور "الأعنف" على الصحفيين، يرجعه المحلل السياسي، بولبابة سالم، إلى الوضع الاستثنائي، الذي عاشته تونس، وهو في نظره، ما دفع بالفاعلين في المجال السياسي والإعلامي، ولا سيما المدونين، إلى تصعيد اللهجة، خصوصا بين المعارضين للدستور "وهو ما رفع من عدد تلك المتابعات".

وفي اتصال مع موقع الحرة، قال بولبابة، إن هامش الحريات قبل هذه الفترة كان أكبر، معتبرا أنه "بشكل عام.. الحرية في تونس لا تزال قائمة".

لكن أستاذ القانون الدستوري، الصغير الزاكراوي، يرى بأن هذا الوضع سيزيد تعقيدا خلال المستقبل، مستندا على مؤشرات قال إنها تجمع على أن "الصلاحيات الفرعونية" التي أضحى يتمتع بها سعيد، ستؤدي بتونس إلى مستقبل مجهول المعالم، ولا سيما ما تعلق بالحريات.

متابعات قضائية متواترة

آخر حلقة من التضييقات ضد الصحفيين، كانت الحكم الذي صدر الأربعاء، بسجن  الصحفي صالح عطيّة، ثلاثة أشهر، بعد إدانته بتهم أبرزها "تحقير الجيش والمس من كرامته أو سمعته".

تقرير شهر جويلية 2022 🚨 وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية النقـابة الوطنية للصحفيين التونسيين كانت فترة استفتاء 25...

Posted by ‎النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين-Snjt‎ on Thursday, August 18, 2022

وأوقف عطيّة العامل في جريدة محلية في 11 يونيو الماضي، غداة إدلائه بتصريحات حول الجيش لقناة الجزيرة القطرية.

وقال الصحافي في تصريحاته إن سعيّد "طلب رسميا من القوة العسكرية أن تتدخل ضد الاتحاد العام التونسي للشغل"واسع النفوذ، وتطويق مقره قبل إضراب في القطاع العام في 16 يونيو".

وأضاف عطيّة المناهض للإجراءات التي اتخذها سعيد في 25 يوليو 2021 وأبرزها تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، أن "المؤسسة العسكرية رفضت ذلك وأعلمت الاتحاد العام التونسي للشغل بهذه المعلومة".

بعد توقيف عطية بنحو 10 أيام، أوقف رئيس تحرير موقع الشاهد الإخباري لطفي الحيدوري، ومثل أمام قاضي التحقيق الذي قرر إطلاق سراحه، وفق ما أوضح محاميه سمير بن عمر.

لكن الحيدوري لا يزال  ملاحقا قضائيا على خلفية تعاملات مالية قالت السلطات إنها "مشبوهة" بين شركة تموّل موقعه الإخباري وشركة "انستالينغو"، وهي شركة إنتاج للمحتوى الرقمي.

وشركة "انستالينغو" ملاحقة قضائيا منذ العام 2021 خصوصا بتهمة "التآمر ضد أمن الدول" و"التحريض على العنف"، وفق وسائل إعلام محلية.

"تمييع مكتسبات الثورة"

خلال فترة الترويج للدستور الجديد، ضيقت السلطات الخناق على الصحفيين، الذين خرجوا شهر مارس الماضي، في تظاهرات تندد بالتضييق.

 وشددت النقابة وقتها على "تراجع كبير" في احترام الحريّات بسبب التجاذبات السياسية وهشاشة الوضع الاقتصادي في البلاد.

ويتهم معارضو سعيّد، الرئيس التونسي بالتأسيس لديكتاتورية وحكم فردي في البلاد التي تعتبر منطلق ما كان يسمى "الربيع العربي".

كما عبرت منظمة مراسلون بلا حدود في أكثر من مناسبة، عن مخاوف من "تمييع مكتسبات الثورة" فضلا عن "انحراف سلطوي"، داعية الرئيس إلى "الحفاظ على حرية الصحافة".

يذكر أن تونس تراجعت في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي صدر شهر مايو، لتحتل المركز 94، بعدما كانت في المرتبة 73 العام الماضي، بمعدل بلغ 21 نقطة.

هذه الوضعية في نظر الزاكراوي تثير المخاوف من مستقبل تونس، مشيرا إلى أن النقابة لا تمثل توجها سياسيا وأن تقاريرها تستند لإحصائيات ميدانية تثبت أن الوضع الإعلامي بشكل عام مهدد.

أخلاقيات المهنة؟

وذكر أن الإعلام العمومي على وجه التحديد يعيش وضعا جديدا غير مسبوق منذ الثورة، حيث يجري تهميش من يعارض خط السلطة، ويتم الدفع بمن وصفهم بالميّالين للسطة للظهور بصفة أكبر.

وأردف" يحدث هذا في المؤسسات الإعلامية العمومية بما فيها الإذاعات".

ورغم اعترافه بوجود مضايقات طالت العديد من الأسماء الإعلامية المعروفة، إلا أن سالم، يرى من جانبه، بأن أغلب المتابعات، طالت إعلاميين ومدونين لم يتقيدوا بأخلاقيات المهنة، وخص بالذكر بعض المدونين الذين تجاوزا حق الانتقاد، بحسب رؤيته، إلى نوع من "المساس بالأعراض" وفق وصفه.

وقال: "حرية التعبير كحرية يمارسها المدون أو الإعلامي، لم تمس بشكل مباشر" ثم تابع ""إذا التزم الجميع بضوابط الأخلاقيات، تتراجع وتيرة  التضييق".

مستقبل مبهم

لكن الزاكراوي، يرى أن الحديث عن كل هذه التجاوزات في حق الصحفيين تؤشر على دخول تونس مرحلة جديدة قد ترى خلالها تبخر مكاسب ثورتها.

وقال:" إذا كان لدينا مكاسب من ثورتنا فهي بحق حرية الرأي والإعلام، لا بد من الحفظ عليها، وإلا فمستقبل مبهم ينتظرنا".

وأردف يقول إن مستقبل تونس أضحى غير واضح المعالم، حيث أن مشروع الرئيس لم يتضح بعد، مبديا تخوفه من أن يتحول الرجل إلى دكتاتوري بحكم الواقع.

وقال" لم يتضح مشروعه بعد، الخوف أن يكون مشروعه أقرب إلى ولاية الفقيه في إيران" قبل أن يستدرك "الرجل لا يؤمن بالحريات ولا المؤسسات ولا الديمقراطية.. يرى أن لديه علاقة مع الشعب وهذا أمر خطير بحد ذاته".

إلى ذلك، شدد المحلل بولبابة من جهته، على أن هناك محاولات"فعلا" من السلطة لفرض رؤيتها على وسائل الإعلام، منددا بالملاحقات القضائية في حق الإعلاميين، لكنه عاد وشدد على ضرورة أن يتقيد هؤلاء "خصوصا المدونين" بأخلاقيات المهنة.

احتجاجات أمام  المحكمة الإبتدائية بتونس تزامنا مع انطلاق جلسات  محاكمة المعتقلين السياسيين
احتجاجات أمام المحكمة الإبتدائية بتونس تزامنا مع انطلاق جلسات محاكمة المعتقلين السياسيين

تزامنا مع انطلاق الجلسة الثانية لمحاكمة المتهمين في قضية "التآمر على أمن الدولة"، نفذ أنصار جبهة الخلاص الوطني (ائتلاف حزبي معارض) وقفة احتجاجية، الجمعة، أمام المحكمة الابتدائية بتونس للتنديد بقرار القضاء التونسي إجراء المحاكمة عن بعد وللمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

وردّد المحتجون هتافات مناهضة لنظام الرئيس قيس سعيد وللسلطة القضائية في البلاد، من ضمنها "عبّي عبّي (إملأ) الحبوسات (السجون) يا قضاء التعليمات" و "لا خوف لا رعب، السلطة بيد الشعب" و "الحرية الحرية للمعارضة التونسية".

وقبل يومين، أعلن 6 من المعتقلين السياسيين المتهمين في قضية "التآمر على أمن الدولة" من بينهم الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي والأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، الدخول في إضراب عن الطعام ومقاطعة جلسات المحاكمة عن بعد.

وندد المعتقلون، في بيان وجهوه إلى الرأي العام في البلاد نشرته تنسيقية عائلات المتعقلين السياسيين على صفحتها بـ "فيسبوك" بما اعتبروه " إصرار السّلطة على مواصلة سياسة التّعتيم على الملف إخفاءً للفبركة وطمسا للحقيقة".

بدورهما، أعلن كل من رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي والقيادي بحزب حركة النهضة رياض الشعيبي مقاطعة جلسات المحاكمة في هذه القضية، احتجاجا على " الغياب الكامل للحد الأدنى من شروط المحاكمة العادلة".

اعتداء على حقوق المعتقلين

وعن أسباب مقاطعة جلسات المحاكمة عن بعد في ما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة"، أكد رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي لموقع "الحرة" أن هذا القرار يعود إلى "غياب شروط المحاكمة العادلة".

وشدّد على أن هذا الشكل من المحاكمات "يحرم المتهمين من حقهم في الدفاع حضورياً والتفاعل المباشر مع القاضي وهيئة المحكمة".

وقال الشابي: "إن قرار المحكمة يعد اعتداءً على الحقوق الشرعية للمعتقلين لا يمكن المشاركة فيه، وهو مدخل لمحاكمة صورية لا يجب أن نكون جزءاً منها".

وأضاف أنّ من بين دوافع المقاطعة "الطبيعة الواهية للتهم الموجهة إلى المعتقلين، من قبيل الانضمام إلى وفاق إرهابي والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي".

واعتبر  أنّ هذه الاتهامات "تفتقر لأي معطى واقعي، وقد تم بناؤها فقط على شهادات أدلى بها شخصان مجهولا الهوية، دون تقديم أي دليل ملموس".

كما أشار الشابي إلى أنّ هذه المحاكمات تندرج ضمن "مسار سياسي هدفه ضرب المعارضة وتكميم الأفواه"، مؤكداً تمسّكه برفض الانخراط في ما اعتبره "انحرافاً خطيراً عن دولة القانون".

وبخصوص إعلان عدد من المعتقلين السياسيين الدخول في إضراب جوع، قالت الناشطة السياسية شيماء عيسى، في تصريح لموقع "الحرة"، إن الوضع الصحي للمضربين عن الطعام بدأ يسوء مقابل تمسك قضاة التحقيق في المحكمة بأن تكون المحاكمة لا حضورية للمتهمين، وهي سابقة تحدث لأول مرة في تاريخ القضاء".

وأعربت عيسى عن تمسّك هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين وكذلك عائلاتهم بأن تكون جلسات المحاكمة حضورية وكشف الحقيقة وتمكين المتهمين من حقهم في مواجهة القضاء والإجابة عن أسئلتهم بكل "شجاعة" دفاعا عن أنفسهم.

وختمت بالقول" اليوم وللمرة الثانية سندخل إلى قاعة المحكمة ونجدد مطالبنا بأننا مستعدّون للمحاكمة شرط أن تكون عادلة ووفق المعايير القانونية".

وتعود قضية "التآمر على أمن الدولة" إلى فبراير 2023، إذ شنت قوات الأمن في تونس حملة اعتقالات واسعة ضد قيادات سياسية معارضة للنظام ورجال أعمال وأمنيين.

"تهمة حاضرة ودليل مفقود"

من جانبها، أعربت منظمة العفو الدولية تونس عن بالغ قلقها إزاء استمرار محاكمة مجموعة من المعارضين والفاعلين في المجالين السياسي والمدني، فيما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة"، مندّدة بما اعتبرته " خرق واضح لضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع".

وجاء في بيان المنظمة أصدرته الخميس، بعنوان " قضية تآمر؟ التهمة حاضرة والدليل مفقود" أنه تم الزج بناشطين ومعارضين في السجون " دون أي سند قانوني واضح، وفي غياب تام لأدلة جدّية".

ودعا البيان في المقابل، إلى "الإفراج الفوري وغير المشروط" عن المعتقلين، وإسقاط التهم الموجهة إليهم، وتحميل السلطات التونسية مسؤولية صحة المعتقلين وضمان حقوقهم الإنسانية.

في السياق ذاته، قال الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، لموقع "الحرة"، إن متابعة أطوار قضية التآمر على أمن الدولة تؤكد أن هذا الملف سياسي بامتياز وقد تضمن إخلالات إجرائية فضلا عن نسفه كل مقومات المحاكمة العادلة.

وتابع بأن هذه القضية " لم تعد خاضعة لمرفق العدالة، بل أصبحت خاضعة للسلطة التنفيذية وهي حقيقة ثابته يعلمها كل التونسيون".

وتبعا لذلك، طالب المتحدث بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وإيقاف ما وصفها بـ "المسرحية السياسية" التي تستهدف رموز المعارضة في تونس.

"خطر حقيقي"

في أواخر مارس الماضي، قررت رئاسة المحكمة الابتدائية بتونس عقد الجلسات المعينة خلال شهر أبريل الحالي، والمتعلقة بالقضايا الجنائية الابتدائية المنشورة بالقطب القضائي لمكافحة الارهاب، وفق إجراءات المحاكمة عن بعد.

واعتبرت رئاسة المحكمة أنه تم اتخاذ هذا الإجراء، نظرًا لوجود "خطر حقيقي"، مع ملاحظة أن هذه الإجراءات سوف تتواصل إلى أن يقع البت في القضايا المنشورة (حوالي 150 قضية)، ومن بينها ما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة".

وذكرت المحكمة ذاتها، أنها اتخذت قرار المحاكمة عن بعد استنادًا إلى الفصل 73 من القانون عدد 16 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلق بإمكانية إجراء المحاكمة عن بعد.

وسبق لسعيد أن أكد خلال زيارة أداها إلى بعض الأحياء والأسواق بالعاصمة تونس، مطلع مارس المنقضي، أنه " لا يتدخل أبدا في القضاء وأن المسائل القضائية مكانها فقط في قصور العدالة".