متظاهرون تونسيون في مسيرة تطالب برحيل قيس سعيد دعا إليها تحالف "جبهة الإنقاذ الوطني" في 10 ديسمبر 2022
متظاهرون تونسيون في مسيرة تطالب برحيل قيس سعيد دعا إليها تحالف "جبهة الإنقاذ الوطني" في 10 ديسمبر 2022

شهدت تونس خلال الأيام الماضية، حملة توقفات موسعة، يرجعها الرئيس التونسي، قيس سعيد، لمكافحة الفساد وتطهير البلاد، ويصفها معارضيه بـ"حملة لتصفية الحسابات السياسية"، بينما يتحدث خبراء لموقع "الحرة" عن حقيقة تلك الحملة وأسبابها وتداعياتها على البلاد التي تشهد انقساما سياسيا واقتصاديا حادا.

والثلاثاء، اتهم قيس سعيد، بعض الموقوفين في الأيام القليلة الماضية بأنهم المسؤولون عن نقص الغذاء وارتفاع الأسعار في البلاد بهدف تأجيج الأوضاع الاجتماعية متعهدا بالمضي قدما بنفس القوة والتصميم "لتطهير البلاد".

وقال سعيد بعد لقائه وزيرة التجارة، كلثوم بن رجب، إن "عددا من الموقوفين والمجرمين والمتورطين في التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وهم الذين يقفون وراء هذه الأزمات المتصلة بتوزيع السلع وبالترفيع في الأسعار"، وفقا لمقطع فيديو نشرته الرئاسة التونسية.

لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد مع السيّدة كلثوم بن رجب، وزيرة التجارة وتنمية الصادرات

لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد مع السيّدة كلثوم بن رجب، وزيرة التجارة وتنمية الصادرات

Posted by ‎Présidence Tunisie رئاسة الجمهورية التونسية‎ on Tuesday, February 14, 2023

ودعا سعيد من وصفهم بالقضاة الشرفاء إلى اتخاذ القرارات المناسبة ضد "الخونة الذين يسعون لتأجيج الأزمة الاجتماعية".

وفي لقاء آخر داخل مقر وزارة الداخلية، مساء الثلاثاء، تحدث سعيد عن "محاولة الكثيرين تفكيك الدولة وتأجيج الأوضاع الاجتماعية لبلوغ مآربهم وذلك بالتنكيل بالشعب في معاشه وفي حياته اليومية"، وفقا لبيان نشرته "الرئاسة التونسية".

أدى رئيس الجمهورية قيس سعيد، مساء هذا اليوم الثلاثاء 14 فيفري 2023 ، زيارة إلى مقر وزارة الداخلية حيث اجتمع بعدد من...

Posted by ‎Présidence Tunisie رئاسة الجمهورية التونسية‎ on Tuesday, February 14, 2023

أدى رئيس الجمهورية قيس سعيد، مساء هذا اليوم الثلاثاء 14 فيفري 2023 ، زيارة إلى مقر وزارة الداخلية حيث اجتمع بعدد من...

Posted by ‎Présidence Tunisie رئاسة الجمهورية التونسية‎ on Tuesday, February 14, 2023

وقال إن "الواجب المقدس يقتضي اليوم حماية الدولة والوطن من الذين لا هم لهم إلا السلطة والمال ولا يتورعون في الارتماء في أحضان أي جهة أجنبية".

وأشار إلى "ضرورة احترام القانون وعلى دور القضاء في إنفاذه"، قائلا "الجميع متساوون أمام القضاء ومن حق الشعب التونسي أن يطلب المحاسبة ولا عذر لأحد في ألا يستجيب لهذا المطلب الشعبي المشروع".

وجاءت تعليقات الرئيس التونسي، بعد موجة اعتقالات تنفذها الشرطة منذ ثلاثة أيام في تونس، وفقا لـ"رويترز".

وتشن السلطات الأمنية التونسية منذ أيام حملة اعتقالات طالت سياسيين معارضين ورجل أعمال من دون تهم واضحة، وفقا لـ"فرانس برس".

ومنذ السبت، اعتقلت الشرطة التونسية عددا من الشخصيات البارزة التي تربطها صلات بالمعارضة أو بمنتقدين لسعيد ومن بينهم سياسيون بارزون ورجل أعمال له نفوذ ورئيس محطة موزاييك إف إم الإذاعية التي تبث انتقادات للرئيس، حسب "رويترز".

وبدأت حملة الاعتقالات نهاية الأسبوع الماضي، بتوقيف رجل الأعمال، كمال اللطيف، صاحب النفوذ الكبير في الأوساط السياسية والذي بقي لفترة طويلة مقربا جدا من الرئيس الراحل، زين العابدين بن علي، إضافة الى ناشطَين سياسيَّين وقاضيين معزولين. 

وتواصلت الاعتقالات إلى الاثنين ليلا وطالت المدير العام في المحطة الاذاعية الخاصة "موزييك اف ام"، نور الدين بوطار، والقيادي في "حزب النهضة" ذي المرجعية الإسلامية، نور الدين البحيري، والوزير السابق والمحامي، لزهر العكرمي.

وفي بيان الثلاثاء، نددت محطة "موزييك اف ام"، "بشدة عملية الترويع والإيقاف العشوائي" لبوطار، وأدانت عملية الترهيب الهادفة لضرب استقلالية الإذاعة وحرية العمل الصحافي" وشددت على "تمسّكها باستقلالية خطها التحريري.

إيقاف مدير عام إذاعة موزاييك أف أم بعد مداهمة منزله!

إيقاف مدير عام إذاعة موزاييك أف أم بعد مداهمة منزله! #InfosMosaïque

Posted by Mosaïque FM on Monday, February 13, 2023
إيقاف مدير عام إذاعة موزاييك أف أم بعد مداهمة منزله!

إيقاف مدير عام إذاعة موزاييك أف أم بعد مداهمة منزله! #InfosMosaïque

Posted by Mosaïque FM on Monday, February 13, 2023

وفي سياق متصل، قالت منظمة مراسلون بلا حدود إن توقيف بوطار "بدون مذكرة توقيف أو سبب رسمي واستجوابه الذي تمحور حول اختياراته التحريرية، مرفوض بقدر ما هو مؤشر على القمع الذي تتعرض له الصحافة في تونس".

وسبقت عمليات الاعتقال تلميحات واضحة من قيس سعيد خلال لقاء بوزيرة العدل، ليلى جفال، الأسبوع الماضي، جاء فيها "من غير المعقول أن يبقى خارج دائرة المحاسبة من له ملف ينطق بإدانته قبل نطق المحاكم، فالأدلة ثابتة وليست مجرد قرائن"، وفقا لـ"فرانس برس".

اعتقالات أم توقيفات؟

الثلاثاء، دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تونس إلى احترام إجراءات التقاضي القانونية و"الإفراج فورا عن كل المعتقلين تعسفيا بما في ذلك من اعتقلوا لأسباب لها علاقة بممارسة حقهم في حرية الرأي أو التعبير" حسبما جاء في بيان لجيريمي لورانس المتحدث باسم المكتب.

وعبر المفوض السامي لحقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة، فولكر تورك، عن قلقه إزاء ما وصفه "بتفاقم القمع تجاه المعارضين السياسيين وممثلي المجتمع المدني في تونس لا سيما من خلال التدابير التي اتخذتها السلطات والتي ما تزال تقوض استقلال القضاء".

ولاحظ مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أيضا أن المدعي العام قد بدأ بشكل متزايد إجراء ملاحقات ضد المعارضين، متهما إياهم بالتآمر ضد أمن الدولة، وإهانة رئيس الدولة أو انتهاك مرسوم القانون المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية.

لكن وزير الخارجية، نبيل عمار، رفض هذه الاتهامات وقال "إن تصريحات بعض الجهات الأجنبية بخصوص التوقيفات الأخيرة متسرعة وغير دقيقة ومجانبة للصواب وتمس من استقلالية القضاء التونسي". ‭‭‭

وأكد أن "التوقيفات الأخيرة كانت بسبب قضايا خطيرة تتعلق بالأمن القومي للدولة التونسية ولا علاقة لها بالنشاط السياسي أو الحقوقي أو الاعلامي، وفقا لتصريحاته لوكالة"تونس إفريقيا للأنباء".

وأشار إلى أن "الناشط في هذه المجالات يبقى مواطنا عاديا يتمتع بكافة حقوقه، وفي نفس الوقت يخضع للمساءلة القانونية دون تمييز".

ولذلك يرفض الكاتب والمحلل السياسي التونسي، باسل الترجمان، توصيف ما حدث ذلك الأيام الماضية بأنه "حملة اعتقالات".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، يؤكد أن الشرطة التونسية قامت بإيقاف عدد من المشتبه بهم بناء على قرارات من النيابة العمومية.

وفي تونس لا يمتلك أحد سلطة توقيف أي شخص دون "إذن قضائي" وبالتالي فأن توصيف ما يحدث بأنه "حملة اعتقالات" هو تشكيك في سلطة القضاء التونسي، حسب الترجمان.

ويشير إلى أن حملة التوقيفات جاءت متزامنة لكنها "لا تخص ملف واحد وتشمل عدة أطراف وقضايا مختلفة".

وحسب حديثه فقد تم إيقاف "اثنين من القضاة المعزولين منذ سنوات بعد إخفائهم ملفات لها علاقة بالقضايا الإرهابية".

ويقول إنه لم يتم تقديم هؤلاء القضاة للمحاكمة وقتها نتيجة خضوع "القضاء لهيمنة حركة النهضة ومن زرعتهم داخل المؤسسة القضائية"، على حد تعبيره.

والأحد، أوقفت الشرطة التونسية القاضيين السابقين، بشير العكرمي والطيب راشد، واللذان أقالهما قيس سعيد العام الماضي ضمن عشرات القضاة الآخرين.

وقالت "إذاعة موزاييك"، إن اعتقال القاضي السابق المثير للجدل، بشير العكرمي، مرتبط بملف اغتيال السياسي شكري بلعيد قبل عقد من الزمن.

وذكرت "الإذاعة التونسية واسعة الانتشار"، أن اعتقال الطيب راشد يأتي للاشتباه في قضية فساد مالي.

وفي السادس من فبراير 2013، اغتيل المعارض اليساري شكري بلعيد في العاصمة التونسية، وتبنى إسلاميون متطرفون الاغتيال الذي أثار أزمة سياسية في البلاد، وتوجه اتهامات إلى حزب النهضة بالمسؤولية في القضية، وفقا لـ"فرانس برس".

ومنذ ذلك التاريخ فتح القضاء تحقيقا ولم يصدر حتى اليوم أحكامه في القضية، حسب "فرانس برس".

وحسب الترجمان فإن التوقيفات تشمل رجال أعمال متورطين في التلاعب بالأسعار، ويقول إن أحدهم قد وضع "دراسة كاملة لكيفية تجفيف الموارد الأساسية بالدولة لخلق أزمات اجتماعية".

لكن على جانب آخر، يرى المستشار السياسي لرئيس حركة نهضة تونس، رياض الشعيبي، أن الأحداث الأخيرة تأتي اتساقا مع عمليات اعتقال سياسي واسعة تنفذها السلطات الأمنية التونسية بعد احتكار قيس سعيد السلطة في البلاد.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير إلى أن "عمليات الاعتقال السياسي بدأت مبكرا في تونس منذ نهاية 2021 بعد انقلاب 25 يوليو"، على حد قوله.

وفي 25 يوليو 2021، جمد قيس سعيد أعمال البرلمان وأقال الحكومة وانفرد بسلطات واسعة، وتشهد تونس انقسامات عميقة منذ قراره الاستئثار بالسلطات في البلاد، وفقا لـ"فرانس برس".

ويقول الشعيبي إن "عمليات الاعتقال السياسي اتخذت منحا تصاعديا خطيرا خلال الفترة الماضية"، متحدثا عن "مداهمات ليلية خارج كل أطار قانوني فيما يشبه الاختطاف"، على حد وصفه.

وشملت الاعتقالات سياسيين وإعلاميين ورجال أعمال لا يجمع بينهم أي رابط الا محاولة السلطة القيام بـ"عمليات استعراضية" في محاولة لاستعادة مناصريها بعد ثبوت تراجع شعبيتها في الانتخابات الأخيرة التي لم يشارك فيها أكثر من 10 بالمئة من الناخبين، وفقا لحديث الشعيبي.

وتتزامن حملة الاعتقالات مع سعي قيس سعيد إلى وضع حجر الأساس لنظامه الرئاسي والذي تميز بمقاطعة كبيرة من قبل الناخبين لا سيما إثر مقاطعة نحو تسعين في المئة من الناخبين دورتي الانتخابات النيابية الماضية، حسب "فرانس برس".

مكافحة فساد أم تصفية حسابات سياسية؟

يشير الشعيبي إلى عدم وجود أي أسباب موضوعية لحملة الاعتقالات الأخيرة سوى "تصفية الحسابات السياسية".

ويرى أن قيس سعيد يشن حملة اعتقالات واسعة تطال "معارضيه ومنتقديه"، بهدف إسكات المعارضة وترسيخ نظام ديكتاتوري والتستر على الفشل في إدارة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة.

وتمر تونس بأزمة اقتصادية واجتماعية حادة، ويعاني التونسيون منذ شهور من نقص في عدة سلع أساسية على رفوف المتاجر مثل السكر وزيت الطهي والقهوة والحليب والزبدة في الوقت الذي تواجه فيه البلاد أسوأ أزمة مالية.

ويرفض الشعيبي الحديث عن وجود "مسوغات قانونية" لحملة الاعتقالات.

ويقول إن قيس سعيد عمد على تطويع السلطة القضائية، بعد حل المجلس الاعلى للقضاء والعزل جماعي لكبار القضاة وخلق شغورات مهمة في الجهاز القضائي، وتحويل القاضي إلى موظف دون "سلطة مستقلة".

ويؤكد أن "لا أحد من المعتقلين متهم بالفساد المالي أو الإداري"، مرجعا ذلك إلى "عدم تضمن ملفات التحقيق المفتوحة ضدهم هذه التهم، ولان أغلبهم يشتغلون في القطاع الخاص".

ويتحدث الشعيبي عن "تضارب واضح بين تصريحات رئيس الدولة المعلنة عن حملة لتطهير البلاد من الفساد، وبين ما تضمه الملفات القضائية التي تتعلق بأنشطة المعتقلين السياسية".

لكن الترجمان، ينفي ذلك الطرح جملة وتفصيلا، ويستنكر الحديث عن وجود "حملة لتصفية الحسابات السياسية أو إسكات أصوات المعارضين".

ويؤكد أن القضاء قد تعافى في تونس ويستطيع حاليا فتح ملفات كان "ممنوع الحديث عنها أو الاقتراب منها" في عهد حركة النهضة.

ويوجه حديثه إلى القائلين بوجود "تصفية لحسابات سياسية"، ويقول "إذا كان هذا صحيحا فما علاقة رجال الأعمال بالقضية؟".

ولو كان الأمر يتعلق بتصفية "حسابات سياسية" لكان جميع قيادات جبهة الخلاص ورئيس حركة النهضة في السجون الآن، لكن هذا لم يحدث، وفقا لحديث الترجمان.

ويشير إلى أن الحديث عن اسكات أصوات المعارضين "أمر غير صحيح ومنافي للحقيقة"، ويقول إن هناك شخصيات سياسية تعارض قيس سعيد ومازالت تمارس عملها "بكل حرية ولم يتم التعرض لها أو توقيفها".

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.