صورة أرشيفية من منظمة حقوقية في تونس
صورة أرشيفية من منظمة حقوقية في تونس

صرحت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، آمنة القلالي، قبيل بدء محاكمة الاستئناف التونسية، في 20 فبراير 2023، في محكمة الاستئناف في نابل، لاثنين من أفراد مجتمع الميم عين+ في تونس، وهما امرأة عابرة جنسيا ورجل مثلي، أدينا بالمثلية الجنسية وحكمت عليهما محكمة أدنى، في 21 ديسمبر 2022، بالسجن ثلاث سنوات وسنة واحدة على التوالي، أنه "لأمر مروّع وغير مقبول أن يستمر القضاء التونسي في التدخل في الحياة الخاصة للناس".

واستنكرت القلالي "السماح للشرطة بإجراء مداهمات تعسفية للمنازل تسمح بمقاضاة الأفراد بناء على خلفية مزاعم تتعلق بميلهم الجنسي وهويتهم الجنسية".

واعتبرت أنه "ينبغي على محكمة الاستئناف في نابل اغتنام هذه الفرصة لإصلاح الأضرار الناجمة عن الانتهاكات السابقة، فسيشكل إسقاط الحكم وتبرئتهما خطوتين في الاتجاه الصحيح".

وقالت إن "الفصل 230 الذي يُجرّم النشاط الجنسي المثلي هو فصل ينطوي على كراهية شديدة للمثلية الجنسية وينبغي إلغاؤه بصورة عاجلة من المجلة الجزائية التونسية".

وشددت القلالي على أنه ينبغي على "الحكومة أن تأمر بالوقف الفوري للاعتقالات والملاحقات القضائية على خلفية هذا الفصل".

وجاء في بيان منظمة العفو أنه في 21 ديسمبر، حكمت المحكمة الابتدائية في قرمبالية على المرأة العابرة جنسيا والرجل المثلي بالسجن لمدة سنة وثلاث سنوات على التوالي.

وفي 11 ديسمبر، داهمت فرقة الشرطة العدلية في القرجاني مسكنا في منطقة الحمامات واعتقلت ثمانية أشخاص يُشتبه في قيامهم بأفعال جنسية مثلية. وبحسب المحامي صفوان الجويلي، أُخضع هؤلاء الأشخاص بعد ذلك للاستجواب دون تمثيل قانوني، وفق المنظمة.

ووجه الاتهام رسميا إلى اثنين من الأشخاص الثمانية بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية التونسية، الذي يُجرّم النشاط الجنسي المثلي وينص على عقوبة قد تصل إلى السجن لمدة ثلاث سنوات. وتم إطلاق سراح الأشخاص الآخرين بسبب نقص الأدلة.

ويذكر، في سياق منفصل، أنه في 3 يناير قضت محكمة استئناف تونسية بأن الإجراءات ضد ناشط مثلي في محاكمة رمزية لقضية مجتمع الميم "باطلة ولاغية" وفق ما أعلنت منظمة غير حكومية وناطق باسم القضاء، حسب فرانس برس.

ولا يعني هذا القرار المتعلق بالقضية التي عُرفت إعلاميا بـ"قضية طلبة القيروان الستة"، سوى دانيال، وهو الاسم الذي يطلق على الناشط الذي حضر جلسة الاستماع يوم 19 ديسمبر، إذ إن المتهمين التونسيين الخمسة الآخرين غادروا البلاد.

ورحبت حينها الجمعية التونسية للعدالة والمساواة (دمج) بالقرار في رسالة لوكالة فرانس برس معتبرة "أنه انتصار لدانيال ولنا"، وفق الوكالة الفرنسية.

وقال الناطق باسم محكمة استئناف القيروان رياض بن حليمة لوكالة فرانس برس إن التهم أسقطت بسبب خلل إجرائي "لأن الشرطة فتشت جهاز الكمبيوتر الخاص بدانيال" بدون إذن من النيابة العمومية.

ونفذ نحو ثلاثين ناشطا في مجال حقوق مجتمع الميم وقفة أمام محكمة في محافظة القيروان في وسط تونس تزامنا مع جلسة استئناف في قضية يتهم فيها ستة شبان بالمثلية الجنسية، بدعوة من منظمة "دمج" والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ورفع المحتجون لافتات كُتب عليها "يسقط يسقط فصل العار" في إشارة إلى الفصل 230 من قانون العقوبات التي تعاقب على المثلية بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وتعود القضية إلى العام 2015 حين أوقف ستة شبان بتهمة "المثلية" في محافظة القيروان وصدر حكم أولي نهاية العام 2015 بالسجن ثلاث سنوات وعدم الإقامة في المحافظة لثلاث سنوات أخرى.

وفي مارس 2016 استؤنف الحكم وخفّف إلى عقوبة السجن أربعين يوما، وبعد عامين قضت محكمة التعقيب (النقض) بعودة الملف إلى الاستئناف من جديد.

وفي 19 ديسمبر، قال دانيال لوكالة فرانس برس إن "الجلسة كانت جيدة".

ويعود تاريخ الفصل 230 من القانون التونسي إلى العام 1913 عندما كانت البلاد تحت الاستعمار الفرنسي، وقد تم الإبقاء عليه ضمن التشريعات بعد الاستقلال في العام 1956.

كما ينص هذا القانون على الخضوع لفحص شرجي يقوم به أطباء شرعيون، وهو أمر استنكرته منظمات غير حكومية وطالبت بإلغائه واصفة إياه بأنه "مهين ولاإنساني"، حسب فرانس برس.

وفي "سابقة قضائية"، بحسب منظمة دمج، "طالبت النيابة العمومية في المحكمة الاستئنافية في القيروان باستبعاد نتائج الفحوص الشرجية لما لحقتها من انتهاكات واخلالات".

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.