عناصر من الشرطة التونسية خلال مواجهة تظاهرة مناوئة للرئيس.. أرشيفية
عناصر من الشرطة التونسية خلال مواجهة تظاهرة مناوئة للرئيس.. أرشيفية

اعتقلت الشرطة التونسية المعارضين البارزين شيماء عيسى وعصام الشابي وحاصرت منزل ثالث وهو جوهر بن مبارك، الأربعاء، في إطار حملة متصاعدة شملت سياسيين منتقدين للرئيس قيس سعيد الذي وصف خصومه بأنهم "خونة" و"مجرمون".

واستهدفت الاعتقالات هذا الشهر، بعضا من أهم منتقدي سعيد إلى جانب سياسيين وقضاة ورجل أعمال صاحب نفوذ ومدير إذاعة "موزاييك إف.إم"، أهم وسيلة إعلام مستقلة في تونس.

وقالت أسرة ومحامو الشابي، وهو رئيس الحزب الجمهوري، لرويترز إنه اعتقل بالقرب من مركز تجاري أثناء وجوده مع زوجته بالعاصمة. وفتشت الشرطة منزله في وقت لاحق.

وقال سمير ديلو محامي شيماء عيسى، القيادية بجبهة الخلاص وهي أيضا منتقدة شرسة لسعيد، إنها اعتقلت بعد أن حاصرت الشرطة سيارتها.

كما طوقت الشرطة منزل جوهر بن مبارك لاحتجازه لكنه لم يكن هناك، وفقا لما ذكرته شقيقته المحامية دليلة بن مبارك لرويترز.

وهاجم سعيد بشكل ضمني، الأربعاء جبهة الخلاص المعارضة التي يتزعمها بن مبارك وعيسى، إلى جانب نجيب الشابي.

ووصفهم في مقطع مصور في أثناء زيارته لمخازن أدوية بأنهم يقودون "حملة مدفوعة الأجر"، وأضاف، متحدثا عن الخلاص الوطني، أن "تونس تريد التخلص من هؤلاء المجرمين".

وحل سعيد البرلمان المنتخب في عام 2021 وسيطر على معظم السلطات، وانتقل للحكم بمراسيم وكتابة دستور جديد أقره في استفتاء بمشاركة منخفضة العام الماضي، وهي تحركات وصفها خصومه بأنها انقلاب.

وقال الرئيس التونسي إن هذه التحركات قانونية وضرورية لإنقاذ البلاد من الفوضى، واصفا منتقديه مرارا بالخونة وأعداء الدولة.

كما تولى العام الماضي استبدال المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة في خطوة وصفتها المعارضة بأنها استهداف لاستقلالية القضاء.

وقال في مقطع فيديو نُشر الأربعاء بنبرة غاضبة: "على القضاة تطبيق القانون ومن لا يطبق القانون يجب أن يتحمل المسؤولية".

وعلى الرغم من أن بعض السياسيين البارزين قد واجهوا دعاوى قضائية بعد سيطرة سعيد على السلطة في يوليو تموز 2021، لم تكن هناك حملة منسقة ضد المعارضة حتى سلسلة الاعتقالات هذا الشهر.

وكان يُنظر إلى تونس على أنها قصة النجاح النسبي الوحيدة في ثورات ما سمّي بـ "الربيع العربي"، عندما تبنت الدولة الديمقراطية في أعقاب ثورة عام 2011 التي أشعلت انتفاضات في أنحاء المنطقة.

ومع ذلك، أصابت سنوات من الشلل السياسي والركود الاقتصادي العديد من التونسيين بخيبة أمل وانتُخب سعيد، في عام 2019، باعتباره من خارج المؤسسة السياسية وتعهد بإعادة تشكيل النظام.

وامتنعت وزارة الداخلية عن التعليق على الاعتقالات، لكن المحامين قالوا إن بعض المعتقلين متهمون بالتآمر على أمن الدولة.

وكان سعيد قال في وقت سابق إن بعض المعتقلين مسؤولون عن نقص الغذاء وهي مشكلة ألقى الاقتصاديون باللوم فيها على أزمة في المالية العامة.

وكانت شيماء عيسى تواجه بالفعل محكمة عسكرية بتهمة إهانة سعيد لكنها رفضت الرد على الأسئلة أثناء مثولها أمام القاضي، قائلة إنها يجب أن تحاكم أمام قاض مدني.

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.