حملة اعتقالات استهدفت أبرز وجوه المعارضة التونسية
حملة اعتقالات استهدفت أبرز وجوه المعارضة التونسية

أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، الخميس، أن الإدارة الأميركية عبرت عن مخاوفها بشأن الأوضاع السياسية التي تعيشها تونس، معبرا عن قلق واشنطن بشأن تقارير تفيد بتوجيه اتهامات لتونسيين التقوا بدبلوماسيين أميركيين. 

وقال برايس في إفادته اليومية: "خلال الشهر الماضي .. عبّرنا عن قلقنا تجاه تقارير حول اعتقال زعماء من المعارضة وقادة الأعمال وصحفيين، وعبرنا عن هذا القلق لأننا والعالم يشهد  على مدى حوالي عام الآن طموحات الشعب التونسي للحصول على مراحل أعظم من الديمقراطية وقضاء مستقل وشفاف يمكنه الحفاظ على الحريات الأساسية المكفولة لكافة الشعب التونسي".

وأضاف "تشاركنا مع الحكومة التونسية بكافة مستوياتها للدفع باتجاه حقوق الإنسان وحرية التعبير، وهي قيم لا ندعمها في أماكن مثل تونس، بل هي حقوق عالمية نهتم بتطبيقها في أي مكان حول العالم". 

وأكد أنه "تنبّهنا لتقارير تفيد بتوجيه اتهامات جنائية بحق أفراد في تونس بسبب اجتماعات عقدوها مع موظفين تابعين للسفارة الأميركية لدى تونس على الأرض، هذا جزء من توجه عام للاعتقالات بحق من ينُنظر إليهم كنقاد للحكومة". 

وقال: "هذا ما تفعله سفاراتنا ودبلوماسيونا حول العالم، إنه دور رئيسي لأي سفارة أو دبلوماسي أينما كان حول العالم أن يلتقي برقعة واسعة من الأفراد لإعلامنا وإطلاعنا على وجهات الرأي المتعددة والمختلفة في بلد ما". 

وأوضح "هذه مهمتهم الأساسية، أن يساهموا في إطلاع صانعي السياسات في الولايات المتحدة، كي نوفر الدعم الأفضل لشركائنا في الحكومة وشركائنا لدى الشعب في أي بلد بما يتضمنه لتحقيق طموحاته". 

"والتونسيون وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب العاملين في الولايات المتحدة، ينخرطون بشكل روتيني مع أفراد (في المجتمعات المحلية)، إنها الخبز والزبدة (أي أساس) العمل الدبلوماسي لدبلوماسيي الولايات المتحدة ولكافة الدبلوماسيين حول العالم، وهي ممارسة يجب عدم إخضاعها للاضطهاد بأي شكل".

وفي رد حول تأكيد حصول تلك الاجتماعات مع الدبلوماسيين الأميركيين، أجاب برايس "رأينا تقارير تفيد أن أسس توجيه الاتهامات لبعض هؤلاء الأفراد في تونس (الذين شملتهم الاعتقالات) نبعت عن اجتماعات مع دبلوماسيي الولايات المتحدة، ومجددا (أؤكد) أن حقيقة اجتماع دبلوماسيينا مع التونسيين، نحن نقوم بذلك كي تتمكن إدارتنا من دعم الحكومة التونسية بشكل أفضل وأيضا الشعب التونسي وطموحاته".  

وأكد مجددا "أنه عمل لا يختلف عن العمل الذي نقوم به في أي مكان وهو العمل الذي ينفذه نظراؤنا التونسيون هنا في واشنطن، لأن الحكومة التونسية تود أن تتفهم ما يحصل في هذا البلد، إنه ما تقوم به أي سفارة أجنبية في الولايات المتحدة، وما تفعله كل واحدة من سفاراتنا حول العالم". 

وتزامنت تصريحات برايس مع رفض السلطات التونسية، الخميس، طلبا للمعارضة لتنظيم تظاهرة بالعاصمة، الأحد، للتنديد بحملة اعتقالات طالت قياداتها.

ونشرت محافظة تونس بيانا أكدت فيه "يعلم والي تونس أنه تبعا للطلب الذي تقدمت به ما يسمى بجبهة الخلاص الوطني واعتزامها القيام بمسيرة الأحد... تقرر عدم الموافقة على هذه المسيرة وذلك لتعلق شبهة جريمة التآمر على أمن الدولة ببعض قيادي الجبهة".

وأعلنت الجبهة، وهي تكتل لأحزاب وشخصيات معارضة بما فيها حركة النهضة، عن تنظيم تظاهرة، الأحد، "تنديدا بالاعتقالات السياسية والانتهاكات الجسيمة للحريات العامة والجسيمة" 

ويلاحق القضاء التونسي نحو 20 معارضا من الصف الأول للرئيس، قيس سعيّد، وإعلاميين ورجال أعمال، بينهم القيادي في "جبهة الخلاص الوطني" جوهر بن مبارك، ورجل الأعمال، كمال اللطيف، والوزير السابق، لزهر العكرمي، والناشط السياسي، خيام التركي، ومدير المحطة الإذاعية الخاصة "موزاييك إف إم"، نور الدين بوطار.

ويصف سعيّد الذي ينفرد بالسلطات في البلاد منذ 2021، المتهمين "بالإرهابيين وبالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي".

ولم يصدر القضاء التونسي بعد الاتهامات الموجهة إليهم.

وانتقدت العديد من المنظمات الحقوقية التونسية والدولية حملة الاعتقالات واعتبرتها محاولة لإسكات الأصوات المعارضة للرئيس.

غير أن البيان لم يشر إلى تظاهرة من المقرر أن ينظمها السبت "الاتحاد العام التونسي للشغل" وسط تونس العاصمة.

وأعلن الاتحاد، الخميس، أنه تم منع نقابي إسباني من دخول تونس للمشاركة في هذه التظاهرة. 

وأوضح الاتحاد النقابي "تم منذ قليل منع الرفيق، ماركو بيز مولينا، مسؤول التعاون مع أفريقيا وآسيا بالنقابات الإسبانية من دخول التراب التونسي عند وصوله إلى مطار تونس قرطاج ليقع ترحيله فورا". 

يسعى سعيّد إلى إكمال تأسيس مشروعه السياسي القائم على نظام رئاسي ووضع حد للنظام البرلماني الذي تم إقراره إثر مظاهرات عام 2011، التي أطاحت نظام الرئيس، زين العابدين بن علي، ووضعت البلاد على طريق انتقال ديمقراطي فريد في المنطقة فيما أصطلح على تسميته "الربيع العربي". 

وفي يوليو من عام 2022، تم إقرار دستور جديد إثر استفتاء شعبي، تضمن صلاحيات محدودة للبرلمان مقابل منح الرئيس غالبية السلطات التنفيذية ومنها تعيين الحكومة ورئيسها.

ومطلع العام الحالي جرت انتخابات نيابية عزف عن المشاركة فيها نحو 90 في المئة من الناخبين.

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.