اتحاد الشغل استنكر إصرار السلطة الحاكمة على الإساءة إلى سمعة تونس
اتحاد الشغل استنكر إصرار السلطة الحاكمة على الإساءة إلى سمعة تونس

اشتد الخلاف بين الرئيس التونسي، قيس سعيد، والاتحاد العام التونسي للشغل بعد منع السلطات دخول نقابي إسباني إلى البلاد للمشاركة في التظاهرات، المقررة السبت.

وندد اتحاد عمال إسبانيا بمنع ممثله المسؤول عن أفريقيا، ماركو بيريز مولينا، من دخول تونس للمشاركة في تظاهرة لاتحاد الشغل، موجها انتقادا كبيرا للرئيس التونسي.

والجمعة، حذر سعيّد "الاتحاد العام التونسي للشغل" من مغبة التسامح مع مشاركة أجانب في المظاهرة المقبلة.

صورة تونس

ورأى مراقبون في خطوة منع دخول مولينا قرارا غير محسوب قد يجلب لتونس مشاكل مع هيئات دولية.

واستنكر اتحاد الشغل، في بيان، الخميس، "إصرار السلطة الحاكمة على الإساءة إلى سمعة تونس الثورة عبر إجراءاتها التي تخرق الأعراف والتقاليد العريقة للبلاد وتعمّق من عزلة تونس وتجعلها أمام المساءلة القانونية في المحافل الدولية، وخاصة منها منظمة العمل الدولية".

ويرى المحلل السياسي، بسام حمدي، أن "منع السلطات التونسية دبلوماسيين من دخول تونس يندرج في عمق المعركة السياسية بين رئاسة الجمهورية واتحاد العام للشغل".

ويضيف حمدي في حديث لموقع "الحرة "واضح جدا أن هناك تصعيدا من كلا الطرفين، قيس سعيّد، يريد ربما تحجيم السلطة التي يتمتع بها الاتحاد، في المقابل الاتحاد لا يرغب في تفرّد قيس سعيد بالحكم". 

ويقول حمدي إن "مشاركة النقابيين الأجانب يرى فيها سعيّد استنجادا بالدعم النقابي الدولي ويراه تدخلا أجنبيا".

ويشير حمدي إلى أن بعض المنظمات النقابية الأجنبية ستعتبر أن الرئيس التونسي "يمس بالحق النقابي ويعترض على الحريات النقابية وهو ما سيمس ربما صورته، لكن (منع دخول مولينا) لن يؤثر على صورة تونس كدولة باعتبارها من أبرز الدول الحامية للحق النقابي"، بحسب تعبيره.

وشدد سعيّد خلال مقابلة مع وزير الشؤون الاجتماعية، مالك الزاهي، حسب فيديو نشره موقع الرئاسة على أن "الاتحاد العام التونسي للشغل حرّ في تنظيم تظاهرات .. لكنه ليس حرّا في دعوة أجانب للمشاركة" فيها.

وأضاف "البعض يريد دعوة أجانب للمشاركة في تظاهرات في تونس وهذا أمر غير مقبول"، مؤكدا أن بلاده "ليست أرضا بلا سيّد".

من جهته، يرى أحمد الهمامي، الناطق باسم تحالف "أحرار" أن قرار منع دخول مولينا البلاد "صائب"، ويضيف في حديث لموقع "الحرة" أن "الاتحاد من حقه تنظيم مسيرات واحتجاجات، لكن ليس من حقه الاستقواء بالأجنبي ضد بلاده".

ويقول الهمامي إن تواجد مثل هؤلاء الأشخاص "يمس هيبة الدولة وهو تدخل سافر في شؤون الدولة التونسية"، بحسب تعبيره. 

ويضيف الهمامي "نحن مع العمل النقابي لكن بالالتزام بالعمل النقابي والابتعاد عن السياسة، لأن الاتحاد، كأي نقابة في العالم، هو نقابة عمالية وليس منظمة أو حزبا سياسيا حتى يشارك في الحياة السياسية أو يطرح أفكارا سياسية".

وفي 18 فبراير الماضي، أمر سعيّد بطرد الأمينة العامة للكونفيدرالية الأوروبية للنقابات، إيستر لينش، بسبب تصريحات وصفتها تونس بأنها "تدخل فاضح" خلال مشاركتها في تظاهرة للاتحاد في محافظة صفاقس (وسط شرقي البلاد).

وقال الاتحاد التونسي إن مولينا، الأمين العام المسؤول عن أفريقيا وآسيا لدى النقابة الإسبانية، أبلغه عدد من رجال الشرطة الذين كانوا ينتظرونه، بعد دقائق من هبوط الطائرة،  أنه لا يمكنه المرور عبر نقاط مراقبة الحدود وأنه ممنوع من دخول البلاد "لأسباب سياسية داخلية"، كما "أجبروه بعد دقائق على ركوب طائرة متجهة إلى فرنسا".

ونشر الاتحاد على موقع تويتر شريط فيديو لمولينا يشرح فيه كيفية تعامل الشرطة التونسية معه، وسبب منعه من دخول تونس.

وفي يوليو من عام 2022، تم إقرار دستور جديد إثر استفتاء شعبي، تضمن صلاحيات محدودة للبرلمان مقابل منح الرئيس غالبية السلطات التنفيذية ومنها تعيين الحكومة ورئيسها.

ومطلع العام الحالي جرت انتخابات نيابية عزف عن المشاركة فيها نحو 90 في المئة من الناخبين.

ويسعى سعيد إلى إكمال تأسيس مشروعه السياسي القائم على نظام رئاسي معزز ووضع حد للنظام البرلماني، الذي تم إقراره إثر ثورة 2011، التي أطاحت نظام الرئيس زين العابدين بن علي ووضعت البلاد على طريق انتقال ديمقراطي فريد في المنطقة فيما أصطلح على تسميته "الربيع العربي". 

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.