في طوابير طويلة، ينتظر مواطنو عدد من الدول الأفريقية موعد إقلاع طائراتهم من مطار قرطاج بتونس للعودة إلى بلدانهم، بعد أن عاشوا خلال الأيام الأخيرة سيناريو أشبه بـ"الكابوس"، بحسب ما نقلته مجلة "جون أفريك" المتخصصة في الشأن الأفريقي.
وتنظم دول مالي وغينيا والكوت ديفوار رحلات إجلاء لرعاياها من تونس، على خلفية "حملات عدائية" تجاه المهاجرين غير النظاميين من دول جنوب الصحراء، اندلعت أواخر فبراير الماضي، بعد أن وصفهم الرئيس التونسي بـ"جحافل من الغزاة"، وحديثه عن محاولات تغيير التركيبة الديمغرافية لبلد "عربي مسلم".
وأعقب كلمات قيس سعيد، إيقاف عشرات المهاجرين خلال عمليات للشرطة وسجن بعضهم، كما قدم بعضهم الآخر شهادات لمنظمات حقوقية عن تعرضهم لاعتداءات لفظية وجسدية، منددين بوجود "ميليشيات" تقف وراء ما يقع.
وأدى هذا الوضع المشحون إلى تدفق عشرات المهاجرين إلى سفارات بلدانهم، ولا سيما لمقر سفارتي ساحل العاج ومالي التي استقبلت مئات طلبات مغادرة تونس خلال الأيام الماضية.
وعاد السبت، نحو 300 مالي وإيفواري إلى البلدين من تونس في إطار عمليات إجلاء نظمتها باماكو وأبيدجان.
وسلطت الصحف المحلية بدول مالي والكوت ديفوار وغينيا، الضوء على أزمة أبناء بلدها في تونس، حيث نقلت شهادات لعشرات المهاجرين، تحدثوا عن تعرضهم لاعتداءات عنصرية، كما أفردت تغطية خاصة لرحلات الإجلاء ولردود فعل المسؤولين المحليين.
"نهاية المحنة"
وتصدّر خبر إعادة السلطات الإيفوارية لرعاياها من تونس عناوين الصحف المحلية في الكوت ديفوار، ووصفت يومية "لو باتريوت"، ما يعيشه الإيفواريون بـ"المحنة" القريبة من الحل، بعد قرار السلطات إعادتهم إلى بلدهم.
من جهتها، أوضحت صحيفة " Le Jour Plus"، أن السلطات الإيفوارية، أنفقت لإعادة مواطنيها إلى الوطن، كاشفة أن المبلغ المخصص للعملية "سيقوم بدعم المهاجرين بمجرد وصولهم إلى البلاد".
من جهتها، تطرقت الصحافة المالية بشكل واسع لموضوع أوضاع المهاجرين الماليين، في تونس، وعنون موقع "مالي ويب" الإخباري، خبر رحلة الإجلاء التي تم تنظيمها نهاية الأسبوع الماضي بـ"عودة الماليين من الجحيم التونسي".
وأضافت الصحيفة أن إعادة الماليين المقيمين في تونس، تأتي بعد أن حرصت السفارة المالية على فتح أبوابها لمواطنيها منذ بداية ما وصفته بـ"حملة البحث المجنونة عن الرجل الأسود بعد الكلمات غير المسؤولة للرئيس التونسي".
وأشارت الصحيفة المالية إلى تأسيس الرابطة المالية للطلاب ومجلس الماليين بتونس خلية أزمة لتتبع أوضاع المواطنين في جميع أنحاء البلاد.
واعتبرت أن "مزبلة التاريخ، هو المكان الأمثل لخطاب الرئيس التونسي، الذي واجه على إثره الماليون والأفارقة السود تهديدات وهجمات، وعاشوا في مناخ من الذعر والخوف طيلة الأيام الأخيرة".
"حملات مقاطعة"
من جانبه، سلط موقع "موزاييك غيني"، الضوء على قرار مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين الغينيين مقاطعة المنتجات التونسية وإيقاف شرائها.
وقال الموقع إن "العديد من الفاعلين الاقتصاديين بالعاصمة كوناكري قرروا عدم شراء واستيراد المنتجات التونسية، بالنظر إلى كل ما يعانيه مواطنوهم وجيرانهم من طرف السلطات التونسية".
وكشف أحد المستوردين للصحيفة الغينية أن القرار يأتي للعمل والمساعدة في نزع فتيل هذه الأزمة أو ردع السلطات التونسية اقتصاديا، مشيرين "لا يمكننا الاستمرار في تحسين أو المساعدة في التنمية الاقتصادية لبلد يدعو إلى القضاء على العرق الذي نحن جزء منه". هذا هو أن تتحد السلطات التونسية. وقد اتخذ العديد من المشغلين الاقتصاديين الغينيين نفس القرار ، يشرح سليمان ديالو ، أحد المستوردين الذين ذكرهم الموقع.
وألغى الفاعلون الاقتصاديون الغينيون العديد من طلبات المنتجات التونسية، من بينها "المايونيز والزبدة وحفاضات الأطفال والعديد" من المنتجات الأخرى، بحسب الموقع الذي أشار إلى أن تجارا سينغاليين وإيفواريين سينضمون أيضا إلى هذه المقاطعة.
في هذا السياق، أبدى رئيس مجلس الأعمال التونسي الأفريقي، أنيس الجزيري، "قلقه" من التطورات الأخيرة، كاشفا أن "هناك حديثا عن انسداد البضائع في موانئ أفريقية معينة، وإلغاء الطلبات والأسواق، وحملات مقاطعة المنتجات التونسية.. وإلغاء رحلات العمل والبعثات والمعارض والمنتديات.
وأعرب الجزيري في منشور على فيسبوك، عن قلقه بخصوص وضعية آلاف التونسيين المقيمين في دول أفريقيا جنوب الصحراء، مضيفا: "الوقت ينفد، على تونس التحرك. بسرعة وبشكل صحيح".
تدابير جديدة
وبعد كل ما أعقب خطاب الرئيس والإجراءات التي أقرتها السلطات ضد المهاجرين، أعلنت تونس، الأحد، عن تدابير جديدة لفائدتهم، منها تسليم بطاقات إقامة لمدة سنة لفائدة الطلبة من البلدان الأفريقية.
كما قررت السلطات التمديد في صلاحية وصل الإقامة من ثلاثة إلى ستة أشهر، فضلا عن تسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين في وضع غير نظامي من دفع غرامات التأخير في مغادرة البلاد.
ولفتت السلطات التونسية في بيان، إلى أنها ستعمل على "الحد من ظاهرة استغلال المهاجرين غير النظاميين" من خلال تشديد حملات المراقبة.
وجددت تونس في البيان "استغرابها" مما اعتبرته "حملة" ضدها، مشددة على أنها "تنتصر لضحايا أي نوع من أنواع التمييز العنصري ولا تقبل أن يوجد أي ضحية لأي شكل من أشكال التمييز".
