عدد التونسيين السود يقدر بما بين 10 و15 في المئة من السكان
عدد التونسيين السود يقدر بما بين 10 و15 في المئة من السكان

لم ينجُ التونسيون من ذوي البشرة السمراء جراء الحملة المناهضة للمهاجرين غير القانونيين من أفريقيا جنوب الصحراء وتنامى لديهم شعور بعدم الطمأنينة في بلدهم إثر تصريحات شديدة اللهجة للرئيس قيس سعيّد.

تعمل نبراس مجنح البالغة من العمر 26 عاما نادلة في العاصمة، وهي واحدة من هؤلاء التونسيين الذين صاروا يواجَهون اليوم بعبارات الازدراء وبخطاب من قبيل "ماذا تفعلين هنا؟ عودي لبلادك، ارحلي".

منذ 21 فبراير، عندما ندد قيس سعيّد عبر تصريحات بوصول "جحافل" من المهاجرين غير القانونيين متحدثا عن مؤامرة "لتغيير التركيبة الديموغرافية" لتونس، سُجلت انتهاكات بحق مهاجرين من دول جنوب الصحراء لجأ العشرات منهم إلى سفاراتهم للعودة إلى بلدانهم.

تقول سعدية مصباح رئيسة جمعية مناهضة العنصرية "منامتي" لوكالة فرانس برس "لاحظتُ إثر الخطاب أن السود في تونس شعروا أيضا بالخوف"، مشيرة إلى وقوع "خمسة أو ستة اعتداءات على تونسيين سود البشرة".

كانت المضيفة السابقة البالغة من العمر 63 عاما، من بين الناشطين الحقوقيين الذين قادوا حملة في العام 2018 انتهت بإقرار البرلمان لقانون رائد في البلاد مناهض للتمييز العنصري.

تقول سعدية إنها صُدمت بإزاء هجمات تنم عن الكراهية عبر الإنترنت تطالبها "بالعودة لبلادها" وإنها أظهرت "مقابل ذلك، تضامنا كاملا" مع المهاجرين غير القانونيين من دول جنوب الصحراء والذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها بلا عمل وبدون سكن، بعد أن قررت السلطات تشديد الرقابة عليهم. وكان يقدر عددهم بأكثر من 21 ألفا وفق الأرقام الرسمية.

"عنصرية دفينة"

تجلب سعدية يوميا الطعام والمواد الأولية للمهاجرين المخيمين أمام مقر المنظمة العالمية للهجرة بالعاصمة تونس.

وتقول الناشطة إن العنصرية "الخفية إلى حد ما" في تونس "طفت فجأة على السطح بينما كنتُ أقول دائما إن الدولة التونسية ليست عنصرية ولا تمييزية".

وأضافت أن تصريحات سعيّد كانت "بمثابة ضوء أخضر من السلطة السياسية للعنصريين" في تقديرها، مبدية استغرابها من وجود "أشخاص من النخبة المثقفة والمستنيرة" من بين المناهضين للمهاجرين.

وأكدت سعدية أن "الوقت ليس مناسبا لطرح" مسألة الأقلية السوداء في تونس على الطاولة للنقاش، وتعتبر ذلك "كمن يصب الزيت على النار".

يقدر عدد التونسيين السود بما بين 10 و15 في المئة من السكان، ويعيش غالبيتهم في الجنوب التونسي و"الغالبية منهم تعيش في مناطق محرومة وتنتمي إلى أفقر الطبقات"، وفق ما ذكرت الباحثة مها عبد الحميد من "معهد يوروميسكو"، في دراسة نشرت في عام 2018.

قالت عالمة الانثروبولوجيا ستيفاني بوسيل لوكالة فرانس برس إن "السود في تونس هم ضحايا جانبيون لخطاب الرئيس الذي لم يكن موجها لسود البشرة، بل ضد غير القانونيين".

وأضافت أنهم يعانون بالفعل من "عنصرية دفينة، وعنصرية يومية، وكذلك صعوبة الارتقاء إلى مناصب عليا".

ورأت بوسيل أن بعد "القنبلة" التي أطلقها الرئيس في سياق التوترات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، فإن العديد من التونسيين السود "لا يريدون أن تلتصق بهم مسألة (الهجرة)...في حين أنهم يكافحون من أجل اعتبارهم تونسيين بالكامل".

"أفريقيا بداخلي"

قال لاعب كرة القدم السابق والنجم راضي الجعايدي وهو من ذوي البشرة السوداء لفرانس برس "يجب أن ننظر بجدية في ادماج التونسيين السود ... هذا موضوع يتواتر منذ سنوات من دون أن تكون هناك مبادرة حقيقية".

نشر الجعايدي في وقت سابق تغريدة عبّر فيها عن رفضه للحملة ضد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وأكد فيها "أنا أفريقي ليس لأنني ولدت في افريقيا ولكن لأن أفريقيا وُلدت بداخلي".

وقال القائد السابق للمنتخب التونسي لكرة القدم لفرانس برس إن الهدف من رسالته هو "المطالبة باحترام حقوق المهاجرين"، القول إن الهجمات "شوهت صورة تونس" التي "يفخر برفع علمها 105 مرات" خلال المنافسات الدولية.

كان لدى الجعايدي أمل في أن يحذو حذوه العديد من المشاهير والنجوم التونسيين الآخرين ممن "يتمتعون بثقة الجمهور"، مشيرا إلى أنه باستثناء نجمة كرة المضرب أنس جابر، فإن ردود الفعل كانت محدودة.

وعلى الرغم من السخرية التي عانى منها عندما كان طفلا في حيّه إلا أنه يرغب في الاستمرار بترويج صورة لبلاده كأرض "للحرية والضيافة وتنوع الأصول".
 

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.