رئيسة المفوضية الأوروبية إلى جانب رؤساء تونس وهولندا وإيطاليا
رئيسة المفوضية الأوروبية إلى جانب رؤساء تونس وهولندا وإيطاليا | Source: Facebook: Présidence Tunisie

تعهد الاتحاد الأوروبي، الأحد، بتقديم مساعدات تصل إلى أكثر من مليار دولار لدعم الاقتصاد التونسي وتعزيز جهود مكافحة الهجرة غير النظامية، راهنا تنفيذ الخطوة بـ"التوصل إلى اتفاق ملزم".

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي أجرت محادثات مع الرئيس التونسي قيس سعيد بقصر قرطاج، إن الاتحاد سيقدم 900 مليون يورو لدعم الاقتصاد التونسي فضلا عن 150 مليون يورو إضافية لدعم الميزانية.

ويربط الاتحاد الأوروبي، مثل غيره من المانحين الرئيسيين الآخرين، تقديم مساعدات للبلاد، بالموافقة على برنامج قروض مع صندوق النقد الدولي، لكن الرئيس قيس سعيد يرفض الإصلاحات الرئيسية التي تتطلبها تلك الخطة، وفقا لرويترز.

وأضافت المسؤولة الأوروبية أن الاتحاد مستعد أيضا لتقديم 100 مليون يورو لتونس، لمساعدتها في إدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ وإجراءات مكافحة التهريب والعودة لمعالجة قضية الهجرة.

ويرافق فون دير لاين، رئيس الوزراء الهولندي مارك روته ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، التي يعد بلدها نقطة وصول رئيسية للمهاجرين الذين يعبرون البحر المتوسط من سواحل تونس.

وتضغط ميلوني، التي تحل بتونس للمرة الثانية في ظرف أسبوع، على صندوق النقد الدولي لتخفيف شروط القرض، وصياغة تفاهمات بين الاتحاد الأوروبي والبلد المغاربي لاحتواء تزايد عمليات الهجرة غير الشرعية نحو سواحلها.

وتأتي زيارة الوفد الأوروبي رفيع المستوى، بعد يومين من توصل دول الاتحاد الأوروبي، إلى اتفاق هجرة جديد، ينص أساسا على  تعزيز جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية من منابعها بجنوب البحر المتوسط، وإعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم إلى بلدانهم الأصلية أو إلى بلد عبور يعتبر "آمنا".

"عملية مقايضة"

مجدي الكرباعي، الخبير التونسي في قضايا الهجرة، يبرز أن زيارة الوفد الأوروبي، تأتي ضمن مساعي الأوروبيين توقيع "مقايضة"، تكون على إثرها تونس "حارسا للحدود مقابل حصولها على دعم وقروض"، واصفا هذا الوضع بـ"ا الانتهاك غير المسبوق للسيادة الوطنية".

ويوضح الكرباعي في تصريح لموقع "الحرة"، أن محادثات الوفد مع قيس سعيد تتزامن واتفاق الهجرة الأوروبي، الذي أقر مقترحا إيطالياً لاعتبار الدول الثالثة من خارج الاتحاد الأوروبي، مناطق آمنة، يمكن أن ينقل إليها المهاجرون واللاجئون الذين لا يتم قبول طلباتهم للجوء، حيث تسعى دول التكتل إلى "إقناع دول شمال أفريقيا بخططها الجديدة، عبر إغراءات مادية في شكل مساعدات". 

واستبق الرئيس التونسي، قيس سعيد، محادثاته الوفد الأوروبي، بإجراء زيارة لمخيم للمهاجرين في مدينة صفاقس الساحلية،والتي تعد نقطة انطلاق مركزية لرحلات القوارب التي تعبر البحر المتوسط إلى إيطاليا.

وتحدث سعيد إلى عائلات تعيش في المخيم، وناشد لتقديم مساعدات دولية للأفارقة الذين يتكدسون في تونس باعتبارها نقطة عبور للوصول إلى أوروبا، وقال في تصريحات إن "تونس ترفض أن تكون حرس حدود الأوروبيين"، وفقا ما نقلته أسوشيتد برس.

وفي هذا السياق، يضيف خبير الهجرة التونسي أن هذه التصريحات تعكس "تناقضا" في مواقف الرئيس الذي خرج بعد يوم من الإدلاء بها للقيام بعكسها، وإقرار تفاهمات تفرض على تونس لعب دور "شرطي الحدود".

في هذا الجانب، يدعو الخبير التونسي المقيم بإيطاليا، السلطات التونسية إلى "الكف عن المناورات وترديد الشعارات الرنانة"، مشيرا "يتم اليوم الاستسلام وتنزيل ما أرادته جورجيا ميلوني وما وعدت به في برنامجها الانتخابي، بمنع القوارب من الوصول إلى سواحل بلادها وجعل دول شمال أفريقيا مراكز لتجميع واحتجاز المهاجرين".

من جانبه، ندد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل) في بيان بالزيارة الأوروبية ووصفها بـ "الابتزاز" و"المساومة" على "إعطاء المال" لتونس مقابل مراقبة مشددة لحدودها. 

واعتبر المنتدى في بيان، أن زيارة المسؤولين الأوروبيين تحمل "عناوين تبدو جذابة حول التعاون الاقتصادي والطاقات المتجددة والتعاون العلمي والهجرة ومساعدة تونس في أزمتها، لكنها تخفي ابتزازا ومساومة"، حيث يتم "دفع الأموال والمساعدات مقابل لعب دور شرطي الحدود والتعاون لترحيل المزيد من المهاجرين غير النظاميين التونسيين".

من جهته، يرى المحلل السياسي التونسي، بلحسن اليحياوي، أن الاتحاد الأوروبي يدرك الأهمية الكبرى لتونس في حوض المحيط الأطلسي فيما يتعلق بموقعها الاستراتيجي الذي تدفع للأسف ثمنه غاليا، إذ أصبحت نقطة الانطلاق الأمثل للراغبين في الهجرة إلى الجانب الأوروبي.

ويضيف اليحياوي في تصريح لموقع "الحرة"، أنه مع كل التغيرات الجيواستراتيجية التي شهدتها المنطقة والقارة، أدرك الاتحاد الأوروبي، أن المقاربة الأمنية غير كافية، ولذلك تسعى دول الاتحاد لدعم التنمية الاقتصادية في أقطار شمال أفريقيا، ودول الساحل والصحراء في مرحلة ثانية.

ويؤكد المتحدث ذاته، أن الأوروبيين واعون بأن أي انهيار للاقتصاد في تونس، "سوف يصعب الأوضاع بالمنطقة، ويتحول معها البحر المتوسط إلى مقبرة وساحة حرب بين عصابات الاتجار الدولي بالبشر".

"حماية للمصالح"

وإلى جانب تعزيز جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية، تنص نقاط برنامج المساعدة الذي اقترحه الاتحاد الأوروبي، بحسب فرانس برس، على زيادة الاستثمار، ولا سيما في دعم القطاع الرقمي، وفي تصدير تونس للطاقات المتجددة وتوسيع برنامج تبادل الطلاب (إيراسموس). 

وتزامنت التعهدات الأوروبية بدعم الاقتصاد التونسي مع إعلان وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني خفض تصنيف إلى درجة جد سلبية، مما يعكس عدم اليقين بشأن قدرة البلاد على جمع التمويل الكافي لتلبية متطلباتها المالية الكبيرة، واقترابها تدريجيا من التخلف عن سداد ديونها، وفقا لأسوشيتد برس.

وأشارت الوكالة إلى فشل الحكومة في متابعة الإصلاحات اللازمة لجلب أموال صندوق النقد، إذ تفاقم عجز الموازنة التونسية بسبب جائحة فيروس كورونا، وتداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، وتوقف مساعدات صندوق النقد وسط توترات سياسية شهدتها البلاد.

وفي هذا السياق، يبرز المحلل السياسي التونسي، أنه أمام الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها، بدأت تونس تلوح بتنويع شراكاتها والبحث عن سبل للشراكة بعض القوى الاقتصادية الأخرى، وعلى رأسها تكتل "بريكس" والصين وروسيا التي أصبحت تمثل تهديدا لدول الاتحاد حتى خارج الجغرافيا الأوروبية، بالتالي "يخشى الأوروبيون فقدان حلفائهم التقليديين".

ويبرز اليحياوي أن حزمة المساعدات التي يعرضها الاتحاد الأوروبي "لا تدخل في باب العمل الخيري بل حماية المصالح الاستراتيجية الأوروبية"، ويشير في هذا الجانب إلى ضرورة وضع خطط  "غير ظرفية وقائمة على تصور بعيد المدى لإحداث تنمية حقيقية في تونس وباقي الدول الأفريقية، لإنهاء مشكلات الهجرة وغيرها".

السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير
السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير

"جئت إلى تونس بحثا عن الأمل، فوجدت نفسي عالقا بين الخوف والجوع والتجاهل. لم أختر الهجرة غير النظامية، بل اختارتني الظروف. كنت أحلم بحياة كريمة، بعمل بسيط يوفر لي لقمة نظيفة، لكن الواقع كان أقسى مما تخيلت".

بمرارة تعتصر قلبه يروي آسامواه (اسم مستعار) تفاصيل ظروفه كمهاجر غير نظامي في تونس.

قدم آسامواه من غانا إلى تونس منذ نحو ثلاث سنوات، وكغيره من الكثير من مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، وجد نفسه في مخيمات منتشرة في الحقول ومزارع الزيتون ببلدتي العامرة وجبنيانة من محافظة صفاقس جنوب شرق البلاد، بعد أن تم طردهم في صائفة 2023 إثر اندلاع مواجهات مع متساكني مدينة صفاقس.

يقول المهاجر الغاني لموقع "الحرة": "في البداية، كنت أظن أن تونس محطة عبور فقط، لكنها تحولت إلى سجن مفتوح. لا أوراق، لا حقوق، لا أمان. كل يوم أستيقظ وأنا أفكر: كيف سأجد ما آكله؟ كيف سأتجنب أعين الشرطة إن غادرت الخمية؟ كيف سأحمي نفسي من نظرات الاحتقار، من العبارات الجارحة، من بعض الذين يرون فيَّ دخيلا لا إنسانا؟".

وعلى امتداد الأربع سنوات الماضية، شهدت تونس تدفقا لافتا للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بنية العبور إلى سواحل الجزر الإيطالية ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي بحثا عن فرص أفضل للحياة، في ما يواجه هذا الملف انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية في البلاد.

ومطلع الأسبوع الماضي، نفذت قوات الأمن التونسي حملة أمنية قامت خلالها بتفكيك عشرات المخيّمات التي أقامها المهاجرون في بلدة العامرة، فيما تناقل تونسيون مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر بقاء مهاجرين في العراء.

"وضع مأساوي"

"نحن في قلب عاصفة من الكراهية والعنف، حتى المخيمات التي أنشأناها تم إزالتها، فحملات الشيطنة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي جعلت منا هدفا سهلا للاعتداءات، تتم معاملتنا كمجرمين لا كمهاجرين غير نظاميين، وهذا ما يجعل وضعنا مأساويا" يوضّح آسامواه ظروف العيش في المخيمات.

ويتابع في هذا السياق، موضحا أن المهاجرين لا يجدون طعاما ولا ماء، وسط تزايد حاجتهم إلى الإحاطة الاجتماعية في ظل غياب أي أمل في تركهم يبحثون عن شغل يحفظ كرامتهم، أو تركهم يكملون رحلة العبور إلى الفضاء في الأوروبي.

وكشفت دراسة ميدانية سابقة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي)، أن 40,1 %؜ من المهاجرين غير النظاميين لا يجدون مياه صالحة للشرب فيما يلتجئ 56,5 % للوسائل التقليدية للعلاج.

وقد أفضت الدراسة التي تم إنجازها في يوليو الماضي إلى أن 70 % صرحوا أنهم يعرفون مهاجرين ليس لديهم ما يأكلون.

من جانبه، يؤكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (غير حكومي) مصطفى عبد الكبير لـ "الحرة" أن حملات الشيطنة التي يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين على منصات التواصل الاجتماعي ارتفعت بشكل لافت في الأيام الأخيرة مما عطل عمليات التدخل لتقديم مساعدات إنسانية لهم.

وأوضح أن هذه "الحملات باتت تعرض حياتهم للخطر وتجعلهم محل مطاردة أينما حلوا وهذا ما يفاقم أزمتهم في تونس".

وسبق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن أعربت في بيان، السبت، عن بالغ قلقها إزاء ما اعتبرتها “التطورات الخطيرة التي يشهدها ملف المهاجرين والمهاجرات من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس، نتيجة تنامي الاعتداءات والانتهاكات التي تستهدفهم، والتي تعمّق من معاناتهم وتعرض حياتهم وكرامتهم لمخاطر جسيمة".

مواجهات عنيفة

وفيما تلتزم السلطات التونسية الصمت تجاه ملف المهاجرين غير النظاميين، أظهرت مقاطع فيديو تناقلها التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي، اندلاع مواجهات عنيفة في عدد من البلدات التونسية بين المتساكنين ومهاجرين وسط تزايد حدة الخطابات الداعية إلى تدخل الأمن لتطويقها.

وتعليقا على ذلك، يقول رئيس "جمعية الأرض للجميع" (حقوقية) عماد السلطاني إن هذا التعامل مع المهاجرين خاصة في محافظة صفاقس لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان، ذلك أن قانون الغاب أصبح يحكم بين التونسيين و مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء.

ويشدد السلطاني في حديثه لـ "الحرة" على أن تصاعد المواجهات يأتي في "غياب تام للسلطة" مشيرا إلى أن هذا الغياب سيدفع فاتورته التونسيون والمهاجرون غير النظاميين.

وتبعا لذلك، دعا السلطات التونسية ممثلة في رئيس الدولة قيس سعيد إلى التدخل الفوري ووضع استراتيجية واضحة لملف تدفق المهاجرين لافتا إلى أن الوضع أخذ منحى خطيرا، وفقه.

وتقدر وزارة الداخلية التونسية عدد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين في البلاد 23 ألف شخصا سنة 2024، ينحدرون من 27 جنسية مختلفة، فضلا عن صد وارجاع حوالي 130 ألف على الحدود التونسية، يرجح رئيس المرصد التونسي لحقوق الانسان مصطفى عبد الكبير عددهم ما بين 80 ألفا و100 ألف مهاجر، لافتا إلى أن هذا العدد يتغير بين الفترة والأخرى.

بين العودة الطوعية والترحيل القسري

تعوّل السلطات التونسية على برامج العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين التي أطلقته خلال العامين الماضيين لحل أزمة الهجرة، إذ أكد محمد بن عياد، كاتب الدولة بوزارة الخارجية التونسية، أثناء كلمة ألقاها أمام البرلمان في يناير المنقضي، أن بلاده وبالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، أعادت ما مجموعه 7250 مهاجرا غير نظامي إلى بلادهم خلال عام 2024.

وشدد في هذا السياق على موقف تونس ورفضها التام لأن تكون بلد عبور أو استقبال أو استقرار للمهاجرين.
في السياق ذاته، وخلال لقائه الأسبوع الفارط برئيس بعثة المنظمة الدّوليّة للهجرة بتونس، أكد وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، على "أهمية تضافر الجهود ومواصلة التنسيق بين جميع الأطراف المتدخلة، بما يساهم في نجاح برنامج العودة الطوعية للمهاجرين في جميع مراحله". 

وذكرت الوزارة في بلاغ لها أن الوزير دعا إلى تكثيف الحملات التوعوية في صفوف المهاجرين غير النظاميين للتعريف ببرنامج العودة الطوعية وبما يُوفره من إمكانيات لإعادة إدماجهم في بلدانهم الأصلية.

في مقابل ذلك، اعتبرت عضوة البرلمان التونسي فاطمة المسدي في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن برنامج العودة الطوعية لا يعد حلا لمعالجة أزمة المهاجرين في تونس، مشددة على أن الترحيل القسري ضروري.

واستنكرت المسدي عدم تطبيقه في تونس، على غرار عدة دول ذكرتها مثل ليبيا ومصر وإيطاليا وبريطانيا وغيرها.