ولاية صفاقس نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين نحو السواحل الأوروبية ـ صورة تعبيرية.

أسفرت حملة أمنية واسعة نفذتها السلطات التونسية بمدينة صفاقس خلال الأيام الأخيرة، عن إحباط 52 محاولة هجرة غير شرعية، تم خلالها ضبط 216 تونسيا و667 مهاجرا من دول أفريقيا جنوب الصحراء، اعتقل 41 منهم.

وأفاد بيان لوزارة الداخلية التونسية بضبط 48 شخصا من منظمي ووسطاء عمليات الهجرة غير النظامية، مشيرا إلى اعتقال 32 شخصا منهم، إضافة إلى "حجز مبالغ مالية و14 سيارة وثلاث شاحنات، 20 سترة نجاة و57 هاتف جوال".

وأضاف المصدر ذاته أنه تم أيضا اعتقال 22 شخصا من دول أفريقيا جنوب الصحراء بسبب "دخول التراب التونسي عبر معابر غير رسمية".

حملة أمنية واسعة النطاق بولاية صفاقس في إطار السّعي المُتواصل للحفاظ على الأمن العام والسّهر على راحة المُواطنين والتصدّي لظاهرة الهجرة غير النظامية وايقاف منظمي عمليات الاتجار بالبشر والوسطاء المتورطين في ذلك، أشرف كلّ من السيد المدير العام للأمن الوطني والسيد المدير العام آمر الحرس الوطني على حملة أمنية واسعة النطاق بولاية صفاقس بداية من يوم 27 إلى غاية 29 سبتمبر 2023 أسفرت عن احباط 52 عملية اجتياز الحدود البحرية خلسة تمّ خلالها ضبط 216 تونسيا و667 من جنسيات دول افريقيا جنوب الصحراء والساحل و73من جنسيات مختلفة ليتمّ الاحتفاظ بعدد 41 منهم، واحباط 10 محاولات اجتياز الحدود البحرية والقاء القبض على 26 شخصا من بينهم 14 نفرا من دول افريقيا جنوب الصحراء والساحل، كما تمّ ضبط 48 شخصا من منظمي ووسطاء عمليات الاجتياز خلسة والاحتفاظ بعدد 32 نفرا منهم، وحجز مبلغ مالي يقدر بحوالي 44 ألف دينار و1250 أورو و14 سيارة و03 شاحنات، 20 سترة نجاة و57 هاتف جوال واتلاف عدد 02 مراكب حديدية، إضافة إلى الاحتفاظ بعدد 22 شخصا من جنسيات دول افريقيا جنوب الصحراء من أجل دخول التراب التونسي عبر معابر غير رسمية. هذا، وقد أفضت المجهودات الأمنية لوحدات الأمن والحرس الوطنيين في إطار الحفاظ على الأمن العام خلال الحملة الأمنية المذكورة إلى الاحتفاظ بعدد 34 شخصا مورطين في قضايا قتل، مخدرات سرقة وتهريب و04 أشخاص من أجل تكوين عصابة مفسدين ومسك منقولات أثرية لغاية الاتجار فيها وايقاف شخصين من جنسيات افريقية من أجل جريمتي المخدرات والسرقة باستعمال العنف والاحتفاظ بعدد 169 شخصا محلّ مناشير تفتيش، إضافة إلى حجز 09 سيارات و66 دراجة نارية و مبلغ مالي يقدر بحوالي 10 آلاف دينار وكمية من المصوغ والتجهيزات المنزلية وعدد من الهواتف الجوالة وتحرير 66 محضرا عدليا و06 محاضر جبائية و79 مخالفة مالية.

Posted by Ministère de l'Intérieur - Tunisie on Saturday, September 30, 2023

وبحسب بيان الداخلية، اعتقلت الوحدات الأمنية 34 شخصا يشتبه بتورطهم في "قضايا قتل، مخدرات، سرقة وتهريب"، و4 آخرين من أجل "تكوين عصابة وضبط منقولات أثرية لغاية الاتّجار فيها"، إضافة إلى إيقاف شخصين من جنوب الصحراء من أجل شبهتي "الاتجار في  المخدّرات والسرقة باستعمال العنف".

وتعتبر صفاقس نقطة الانطلاق الأولى للمهاجرين سواء من جنسيات أفريقيا جنوب الصحراء أو من التونسيين، في عمليات هجرة غير قانونية في اتجاه السواحل الأوروبية. 

وينتشر الآلاف من المهاجرين، غالبيتهم من جنسيات دول أفريقيا جنوب الصحراء، في مناطق ريفية من المحافظة في انتظار العبور نحو إيطاليا، بحسب منظمات إنسانية وشهادات لوكالة فرانس برس.

وأشارت السلطات التونسية أن هذه الحملة الأمنية تأتي في إطار السعي للحفاظ على الأمن العام، والسّهر على راحة المُواطنين والتصدّي لظاهرة الهجرة غير النظامية، وإيقاف منظمي عمليات الاتّجار بالبشر والوسطاء المتورّطين في ذلك. 

ومطلع يوليو الماضي طُرد مئات من المهاجرين الذين يحملون جنسيات من دول إفريقيا جنوب الصحراء من صفاقس، بعد مواجهات مع السكان قتل فيها تونسي. 

وفي الأيام التالية، نقلت الشرطة التونسية نحو ألفي مهاجر على الأقل وفقا لمنظمات، إلى الحدود مع ليبيا والجزائر، وتركوا في الصحراء والمناطق المعزولة.

صورة نشرتها النائبة فاطمة المسدي على حسابها بعد زيارتها للمخيم

"متى ينتهي هذا الجحيم؟"، سؤال يتردد في أذهان آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الجرافات وقوات الأمن التونسية وهي تفكك خيامهم في نواحي مدينة  بصفاقس.

توتر يومي وسط أشجار الزيتون، بين غضب متصاعد من الأهالي الذين يرون في الوافدين شبحاً يهدد أمنهم ومصدر رزقهم، وبين آلاف الحالمين يرون في موج المتوسط طريقاً للخلاص.

والاثنين، داهمت قوات الأمن التونسية، عملية أمنية طالت عدداً من المخيمات العشوائية في المنطقة، في أعقاب استياء متنامي بين السكان المحليين الذين يتهمون المهاجرين بالتسبب في تدهور الوضع الأمني واحتلال أراضيهم، بينما يعاني المهاجرون من انعدام أبسط مقومات الحياة، وتزايد لحملات الاستهداف والعنصرية.

حياة "على الهامش"

يعيش آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ظروفا مأساوية في بساتين الزيتون المترامية في محيط مدينة صفاقس، نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية. 

بلا عمل أو سكن لائق، يعيش هؤلاء على هامش المجتمع، متنقلين بين الشوارع ومخيمات ارتجالية أقيمت خارج النسيج العمراني للمدينة. هناك، بين أشجار الزيتون، استقر بهم المطاف بعد أن رُحّلوا قسراً من وسط المدينة إثر احتجاجات واشتباكات، اندلعت بين بعضهم وسكان محليين.

"لا نريد البقاء هنا"، عبارة تتكرر على ألسنتهم، محاصرين بين واقع لا يرغبون فيه وحلم أوروبي تحرسه دوريات الحرس البحري التونسي بإحكام، ليبقوا سجناء أرض لا تريدهم وبحر لا يسمح بعبورهم.

حدة الأزمة، تنامت مؤخرا مع تصاعد الضغوط البرلمانية والسياسية المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المهاجرين. فعلى وقع دعوات أطلقها النائب طارق المهدي تطالب بـ"تدخل عسكري" لمواجهة ما وصفه بـ"احتلال غابات الزياتين".

وتصدرت النائبة فاطمة المسدي مشهد الداعين لترحيل المهاجرين، بعد زيارة للمخيمات، بثت خلالها مشاهد عبر حسابها على "فيسبوك"، وروّجت لمصطلح "دولة داخل الدولة" في وصف تجمعات المهاجرين.

كما خرجت بتصريحات عبر إذاعة "الجوهرة أف أم"، تزعم فيها أن المهاجرين "نصبوا مخيّماتهم ووفّروا لأنفسهم جميع المرافق الضرورية للعيش".

ولوحت النائبة التونسية في منشور على صفحتها بفيسبوك، بأرقام تشير إلى وجود نحو 35 ألف مهاجر في منطقتي العامرة وجبنيانة، ينتمون إلى أكثر من 22 جنسية مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد السكان المحليين 75 ألف نسمة.

وأعادت إحصائياتها إلى الأذهان تصريحات الرئيس التونسي السابقة بشأن "تغيير التركيبة الديموغرافية"، والتي اعتبرها حقوقيون سببًا مباشرا في تنامي موجات العنصرية ضد المهاجرين.

وزعمت النائبة البرلمانية كذلك، أن كلفة استضافتهم تثقل كاهل الدولة التونسية بما يقارب 70 مليون دينار سنويا، إضافة إلى خسائر مزعومة في قطاع الزيتون تقدر بـ300 مليون دينار.

صورة "مغلوطة" وتضييف "متزايد"

مزاعم النائبة قوبلت بانتقادات حادة من بسام السويسي، عضو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد أن الواقع الذي تظهره حتى الصور التي نشرتها النائبة نفسها يعكس وضعا مزريا، حيث يعيش المهاجرون في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الصحة والكرامة الإنسانية.

وتطرق السويسي في تصريح لموقع "الحرة" إلى محاولات ترويج صورة مغلوطة عن ظروف معيشة المهاجرين، مؤكدًا أن ما تم نشره  على وسائل التواصل الاجتماعي من أن هؤلاء الأشخاص يتلقون العديد من المساعدات والمواد الغذائية والصحية، "لا أساس له من الصحة".

وكشف السويسي عن "تضييق متزايد" على العاملين في مجال الهجرة، موضحا  أن السلطات التونسية اعتقلت منذ شهر مايو 2024، العديد من العاملين في منظمات تهتم بشؤون المهاجرين، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

وأضاف أن أنشطة المفوضية السامية للاجئين في تونس تشهد شبه توقف كامل منذ بدء حملة الاعتقالات، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة الجهة الأممية الوحيدة العاملة حاليا في هذا المجال.

وأشار السويسي إلى أن عمل هذه المنظمة أيضا يتقصر على ما تصفها ببرامج "العودة الطوعية" التي تنفذها المنظمة، والتي اعتبر أنها "ليست طوعية في الحقيقة، بل تتم في ظروف إجبار غير مباشر للمهاجرين بعد وضعهم في ظروف معيشية غير إنسانية".

نحو "حلول حقوقية" للأزمة

من جانبه، كشف الناشط عماد سلطاني، رئيس "جمعية الأرض للجميع"، أن ما يجري في العامرة وجبنيانة تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء يُعدّ "انتهاكا كبيرا" لحقوق الإنسان.

وقال سلطاني في تصريح لموقع الحرة"، إنه "في تونس، يجب أن يعلم الجميع أن كل مهاجر، سواء كان نظاميا أو غير نظامي، له الحق في عديد الحقوق، وهذا واجب احترامه، لكن مكان السكن الذي هم فيه لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان".

أشار سلطاني إلى أن السلطات "نزعت خيما وتركت الناس في العراء، معتقدة أن ذلك حل"، مؤكدا أن "ذلك ليس حلاً، بل دوس على حقوق الإنسان".

وطالب الناشط الحقةقي السلطات التونسية بـ"التفكير جيدًا في حلول جذرية تحترم سيادة هذا الوطن."

وبخصوص عدد الخيام التي تم تفكيكها، أوضح سلطاني أن عددها ليس كبيرا مقارنة بحجمها الإجمالي، معتبرا أن هذا التحرك جاء"استجابة للدولة التونسية لتهدئة الفوضى والحملات المتصاعدة ضد المهاجرين.

وشدد على أن "الحلول لا يجب أن تكون أمنية، الحلول هي قرار سياسي يحترم المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، والبحث عن أماكن يكون إيواؤهم فيها وتحترم مقومات حقوق الإنسان".

ونوه إلى أن "ما قاموا به ليس حلاً، ففي نفس يوم الإزالة، أعاد بعض المهاجرين تشييد خيامهم".

أزمة الهجرة في تونس والاتفاقيات الأوروبية

وأطلقت السلطات التونسية، خلال الأشهر الماضية، حملة توقيفات وترحيلات واسعة، استهدفت مئات المهاجرين غير القانونيين المستقرين بصفاقس، في إطار تنفيذ اتفاقيات وقعتها مع دول أوروبية، وخاصة إيطاليا، لكبح موجات الهجرة من سواحلها.

في هذا الجانب، اعتبر سلطاني أن "تونس عندما أبرمت الاتفاقية مع إيطاليا وكل الاتحاد الأوروبي، نعتبر أن هذه الاتفاقية جاءت على حساب مهاجري جنوب الصحراء، ونحن ضد هذه الاتفاقية"، داعيًا السلطة التونسية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات لأنها "جزء من المشكل".

من جهته، شدد السويسي على ضرورة تحمل السلطات الأوروبية مسؤولياتها تجاه أزمة الهجرة في المنطقة، منتقدًا طبيعة الاتفاقيات المبرمة مع تونس، والتي قال إن أغلبها ذات طابع أمني يركز فقط على إدارة الحدود.

وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لإدارة أزمة الهجرة في حوض المتوسط، داعيًا إلى ضرورة تطوير اتفاقيات إطارية شاملة تركز على التنمية المحلية، خاصة في المناطق الداخلية التونسية.

وأشار إلى أهمية توجيه الجهود نحو التنمية في دول المنشأ التي يغادرها المهاجرون.

وأوضح أن هؤلاء المهاجرين، غالبا ما يُجبرون على مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو النزاعات الأهلية أو تردي الأوضاع الاقتصادية، مشددا على أن تونس لا يمكنها تحمل هذا العبء وحدها، وداعيًا إلى ضرورة تشارك الأعباء بين مختلف الدول وفق مبادئ القانون الدولي.