منظمة العفو الدولية وصفت موجة التوقيفات بأنها "حملة ذات دوافع سياسية"

أصبحت رئيسة الحزب الدستوري الحر في تونس، عبير موسي، آخر الأهداف التي طالها سهم اعتقالات السلطات التونسية من النخب والشخصيات السياسة، بعدما أمرت النيابة العامة بالتحفظ عليها لاتهامها بإحداث "الفوضى".

وأعلن الحزب، الأربعاء، اعتقال موسي، معتبرا أنها "تجاوزات تعسفية"، منتقدا الرئيس التونسي، قيس سعيد، وما وصفها بـ"سيطرته على المصالح الإدارية، والانحراف بها عن حياديتها، وضرب مبدأ المساواة بين المواطنين".

وقال محامي موسي لموقع "الحرة"، الجمعة، إنها "تواجه 3 تهم، وعقوبة واحدة منها قد تصل إلى الإعدام".

وأوضح، نوفل بودن، أن التهمة الأولى جنائية وتتعلق بـ"الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح وإثارة الهرج بالتراب التونسي".

وتصل عقوبة تلك التهمة إلى "الإعدام" حسب الفصل 72 من المجلة الجنائية التونسية، وفق نوفل.

وخلال الأشهر الماضية، قادت موسي احتجاجات منتظمة ضد الرئيس التونسي، ووصفته بأنه "الحاكم بأمره"، قائلة إنها "لا تعترف بقراراته، لأنها غير قانونية".

وكانت قد أعلنت في تسجيل مصور، أنها توجهت إلى مكتب الضبط بالرئاسة التونسية، لتقديم طعن في مرسوم رئاسي.

بيان الحزب الدستوري الحر بشأن اعتقال رئيسته

ويواجه سعيّد اتهامات باستهداف المعارضة التونسية، خاصة أنه طالما وصفها بأنها "جزء من أسباب ما شهدته البلاد خلال السنوات الماضية من تدهور".

ويرى سياسيون أن سعيّد "لا يعترف بتلك النخب، وأن القبض على موسي يأتي استمرارا في سياساته التي ينتهجها منذ عامين، عندما حل البرلمان تحديدا".

وهناك أكثر من 20 شخصية سياسية بارزة من المعارضين في السجون، وسط اتهامات بأنهم "يتآمرون ضد أمن الدولة". وفي تصريحات سابقة، وصف سعيد المعتقلين بأنهم "إرهابيون وخونة ومجرمون".

"انتهى دورها"

اعتبر رئيس مؤسسة ابن رشد للدراسات العربية والأفريقية، كمال بن يونس، في تصريحات لموقع الحرة، أن "اعتقال موسي امتداد لتحركات سعيد في السنوات الأخيرة، وإعلانه لأكثر من مرة أنه لا يؤمن بدور الأحزاب أو المجتمع المدني".

وواصل الرئيس السابق لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، بالقول إن الاعتقال يأتي "في نفس سياق إضعاف بقية الأحزاب وتتبع قادتها، مثل الأحزاب اليسارية المعتدلة، وشخصيات مستقلة، بجانب قيادات النهضة وأحزاب أخرى".

وطالما كانت موسي منتقدة بارزة لحركة النهضة والأحزاب الإسلامية، ودعت لحل تلك الأحزاب، وحل البرلمان السابق الذي كانت تسيطر عليه الحركة.

وبدأ زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، الجمعة، إضرابا عن الطعام لمدة 3 أيام في سجنه، دعما لشخصيات معارضة مسجونة أخرى. كما بدأت 5 شخصيات معارضة بارزة أخرى إضرابا عن الطعام في سجنهم.

من جانبه، يرى الإعلامي والمحلل السياسي، محمود بوعود، أن القبض على موسي، "سيزيد من تعقيد الحياة السياسية، والعلاقة بين السلطة والمعارضة".

وقال في تصريحات لموقع "الحرة"، إن تلك العلاقة "لم تشهد استقرارا، خاصة في ظل منهج الرئيس القائم على استبعاد كل الأحزاب السياسية".

وواصل بن يونس حديثه بالقول، إن "مضايقة قادة الأحزاب بدأت منذ مدة، وكانت موسي شريكة في الدعوى لإبطال المسار الديمقراطي وحل البرلمان السابق والمنظومة التي عملت بعد سقوط (الرئيس الأسبق زين العابدين) بن علي".

الغنوشي أشهر معارض مسجون منذ أن قرر قيس سعيد احتكار السلطات في 25 يوليو 2021
إضراب الغنوشي عن الطعام.. حديث عن "خطوات تصعيدية" وجدل بشأن "التأثير بالشارع التونسي"
"خطوة تليها خطوات أخرى"، بهذه الكلمات يكشف قيادات بحركة نهضة تونس لموقع "الحرة"، عن مسارات الإضراب الذي يخوضه زعيم المعارضة، راشد الغنوشي، بينما يرى خبراء أن الأمر "مجرد مظلومية وزوبعة في فنجان" لتحقيق أهداف داخلية وخارجية.

وكانت منظمة العفو الدولية، قد أصدرت تقريرا الشهر الماضي، أشارت فيه إلى "إساءة استخدام الإيقاف التحفظي لإسكات أصوات المعارضين السياسيين في تونس"، وأن "السلطات التونسية تستهدف المعارضة السياسية بقوانين الإيقاف التحفظي المُبهمة".

وأضاف التقرير: "تُظهر حالات الاحتجاز تدهورًا عميقًا في وضع حقوق الإنسان واستقلال القضاء في تونس".

ويواصل بوعود للحرة، الحديث بالقول إنه "على الرغم من تلك التحركات، فإن هناك استقرارا نسبيا، حيث لا تشهد البلاد مظاهرات أو احتاجاجات"، مضيفًا أن هناك توقيفات "لكن لم يصل الأمر إلى القمع في الشارع أو القمع في البيوت".

الانتخابات المقبلة

وكان سعيد، وهو أستاذ القانون المتقاعد الذي انتخب رئيسا عام 2019، قد حلّ البرلمان المنتخب عام 2021 وبدأ الحكم بمراسيم، وهي إجراءات وصفها معارضوه بأنها "انقلاب"، لكن سعيد قال إنه "بحاجة لإنقاذ تونس من سنوات الفوضى"، ونفى أن تكون أفعاله انقلابا.

وتعيش تونس أزمة اقتصادية غير مسبوقة، في ظل وصول معدل التضخم إلى 9,3 بالمئة، ونسبة نمو اقتصادي ضعيفة لا تتجاوز 0,6 بالمئة، وفقا لآخر الإحصاءات الرسمية.

كما أن العديد من المواد الاستهلاكية الأساسية أصبحت مفقودة من السوق، على غرار السميد والطحين والزيت وغيرها، بحسب وكالة "فرانس برس".

ومن المقرر أن تُجرى انتخابات رئاسية مقبلة في تونس العام المقبل، وفق خارطة طريق وضعها سعيد وعارضتها أغلب الأطياف السياسية في البلاد، مما ظهر جليا في نتائج التصويت على الانتخابات البرلمانية العام الماضي، التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 11 بالمئة، وفق الأرقام الرسمية.

وقال بن يونس، إن إجراء الانتخابات في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية الراهنة، "سيجعل نسبة المشاركة ضعيفة"، مشيرًا إلى نسبة الانتخابات البرلمانية السابقة العام الماضي.

واعتبر أن سعيد "ماضٍ في تنفيذ خارطته التي أعلن عنها في  2021"، والتي دعت مختلف أطياف المعارضة إلى وقفها، وتنظيم "انتخابات حقيقية في مناخ جيد، بعد الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين والنخبة".

منظمات غير حكومية محلية ودولية  تندّد بتراجع الحريات في تونس
منذ حل البرلمان.. اعتقالات قيس سعيد للمعارضين تتزايد
تعيش تونس على وقع أزمة سياسية منذ أن قرر الرئيس التونسي، قيس سعيّد، احتكار السلطات، في عام 2021، وشملت قراراته حل البرلمان وشن حملة اعتقالات، وصفتها منظمات حقوق الإنسان الدولية بـ "العنيفة"، آخرها طالت المعارضة التونسية البارزة، عبير موسي.

واعتبر الحزب الدستوري الحر، أن القبض على موسي، يعود جزء منه إلى "منعها من الترشح في الانتخابات المقبلة".

وحول هذا الأمر، قال بوعود: "الانتخابات لا تزال بعيدة. لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بشكل كبير بالانتخابات الرئاسية. ربما هناك مبالغة من أنصارها أو حسابات نحن لا نفهمها".

لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أن  الرئيس التونسي "يواصل حملته انتخابية ليل نهار، ويزور الأحياء ومحطات القطار والمخابز، وكأن الحملة الانتخابية فعل مستمر له".

ولم يستهدف سعيد السياسيين فقط، بل إن هناك أزمة أخرى، حينما أصدر في يونيو 2022 مرسوما يمنح نفسه بموجبه صلاحية فصل القضاة ووكلاء الجمهورية بإجراءات موجزة، من دون اتباع الإجراءات الواجبة.

وأصدر في اليوم نفسه مرسوما ثانيا، يقضي بإقالة 57 قاضيا ووكيلا للجمهورية، متهما إيّاهم بالفساد.

أحد حقول القمح بمحافظة الكاف شمال غرب تونس
أحد حقول القمح بمحافظة الكاف شمال غرب تونس

تستعد تونس لموسم حصاد حبوب واعد في 2025 وسط تقديرات بإمكانية جمع ما يفوق 1،4 مليون طن من الحبوب، متجاوزة حجم إنتاج العام الماضي والذي ناهز 700 ألف طن.

ولسدّ احتياجاتها من الغذاء، تستورد تونس سنويا حوالي 2،2 مليون طن من الحبوب خاصة القمح اللين المستخدم في صناعة الخبز، فيما يناهز الاستهلاك الإجمالي للبلاد من الحبوب نحو 3،6 مليون طن.

وعرف هذا البلد المغاربي خلال السنوات الأخيرة، نقصا حادا في إنتاج الحبوب، مما اضطر السلطات إلى الرفع من وتيرة الاستيراد.

ومع اقترب موعد موسم الحصاد الذي ينطلق في مايو المقبل، فتح النقاش في تونس بشأن مؤشرات الإنتاج لهذا العام، ومدى مساهمته في تخفيف أزمة الحبوب في البلاد.

موسم واعد

تعليقا على هذا الموضوع، يؤكد المكلف بالزراعات الكبرى في الاتحاد التونسي للفلاحة (أكبر نقابة فلاحين في تونس)، محمد رجايبية، أن جميع المؤشرات تدل على أن تونس تستقبل موسما واعدا في إنتاج الحبوب هذا العام، وذلك نتيجة ما اعتبرها العوامل المناخية الجيدة التي عاشت على وقعها البلاد طيلة الأشهر الماضية.

وقال رجايبية في حديثه لموقع "الحرة" إنه من السابق لأوانه تحديد حجم الإنتاج خلال شهر أبريل، لكن من المنتظر أن يكون محصول هذا العام أفضل بكثير من العام الماضي، لافتا إلى أن شهري مارس وأبريل يعتبران من الفترات الحساسة التي تساهم فيها الأمطار في اكتمال نمو ونضج الحبوب فضلا عن ظهور الأمراض الفطرية.

وبخصوص المساحات المزروعة، أفاد المتحدث بأنه تم زراعة نحو مليون هكتار في مختلف محافظات البلاد، من ضمنها نحو 80 ألف هكتار تعتمد على السقي .

وتابع بأن الجهات الرسمية شرعت منذ فترة في عقد جلسات دورية للوقوف على آخر الاستعدادات لتأمين موسم الحبوب، من ذلك تكثيف الزيارات الرقابية لمناطق الإنتاج، وإرشاد الفلاحين والتدخل لمجابهة أي أمراض فطرية تظهر خلال هذه الفترة.

واستعدادا لموسم الحصاد هذا العام، شدد الرئيس التونسي، قيس سعيد، أواخر مارس المنقضي، على الانطلاق في الإعداد لجمع المحصول وتخزين الحبوب، لافتا إلى أنه "لا يمكن الحديث عن سيادة كاملة لتونس وهي تأكل من وراء البحار".

وتعليقا على ذلك، أكد رجايبية أنه جرى التحضير للتدخل على مستوى التجميع والتخزين والنقل وهي مراحل أساسية لتأمين موسم الحصاد.

ولفت إلى أنه من المرتقب أن ينطلق موسم حصاد الحبوب في محافظات الوسط والجنوب التونسي أواسط شهر مايو المقبل، فيما سينطلق في محافظات الشمال التي تستحوذ على نحو 80٪ من حجم الإنتاج الوطني في شهر يونيو.

تخفيف نفقات الدولة

من جانبه، يرى الخبير في السياسات الفلاحية، فوزي الزياني، أن زيادة حجم الإنتاج المحلي من الحبوب بما فيها القمح الصلد والشعير سيساهم بشكل مباشر في تخفيف نفقات الدولة المخصصة لاستيراد الحبوب من الخارج.

وأوضح الزياني لـ "الحرة" أن تونس تستورد نحو 80 في المئة من احتياجاتها من القمح اللين، وما بين 30٪ و50٪ من احتياجاتها من القمح الصلب لافتا إلى أن جل الإنتاج المحلي يرتكز على القمح والشعير فيما لا يتجاوز إنتاج القمح اللين 20٪.

في سياق متصل، شدد المتحدث على أن زيادة المحاصيل من الحبوب ستساهم في توفير الأعلاف الخشنة، إذ ستتجاوز الكمية حجم احتياجات البلاد منها، ممّا يشكل فرصة لإعادة ترميم منظومة الماشية والرفع من مستوى تربية قطيع الأغنام والأبقار الذي تراجع خلال السنوات الماضية.

كما أشار إلى أن الكميات الهامة من التساقطات المطرية لهذا الموسم، كانت عاملا رئيسيا في عدم استهلاك كامل المخزون من الأعلاف الخشنة لموسم 2024، وهو ما يستوجب إعادة النظر في دعم منظومة الماشية ورفع حجم الإنتاج لمجابهة غلاء أسعار اللحوم.

وكان الديوان التونسي للحبوب (حكومي)، قد طرح مطلع مارس المنقضي مناقصة عالمية لشراء نحو 25 ألف طن من القمح اللين بعد أن طرح في يناير الماضي مناقصة لشراء ما يقدّر بنحو 100 ألف طن من القمح الليّن و100 ألف طن من القمح الصلد.

وفي مايو 2024 صادق البرلمان التونسي على قرض بقيمة 300 مليون دولار، مبرم بين تونس والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وذلك لتمويل مشروع دعم التدخل العاجل من أجل الأمن الغذائي لتونس.