تونس تعيش على وقع أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة منذ ثورة 2011 ـ صورة تعبيرية.
تونس تعيش على وقع أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة منذ ثورة 2011 ـ صورة تعبيرية.

شرع البرلمان التونسي في دراسة مشروع قانون الصلح الجزائي الهادف إلى إيجاد تسويات مع رجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد، بعد أن واجه مرسوم رئاسي صدر في هذا الجانب، قبل نحو عامين، "ثغرات وعقبات" حالت دون تحقيقه الأهداف المرجوة.

وتكثف السلطات التونسية خلال السنوات الأخيرة، مساعيها من أجل استعادة الأموال المنهوبة سواء بالداخل والخارج، غير أن تعقيدات إدارية وقانونية، حالت دون إصدار أحكام نهائية بشأن استخلاص أموال تعول عليها لإنعاش اقتصاد البلاد الذي يواجه صعوبات عدة.

"عملية جراحية دقيقة"

الباحث السياسي التونسي، نزار الجليدي، يرى أن المبادرة التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد تمر الآن من صيغة المرسوم الرئاسي إلى القانون القائم بذاته، واصفا التعديلات التي سيخضع لها بالبرلمان بـ"العملية الجراحية الدقيقة".

ويضيف الجليدي في تصريح لموقع "الحرة"، أن المرسوم واجه "عقبات" وكان "عرضة لكثير من التلاعب وغياب المردودية خلال بحث الدولة في عدد من الملفات وقضايا الفساد العالقة منذ سنوات".

وفي مارس من عام 2022 ، أصدر سعيّد مرسوما رئاسيا، هدف إلى إبرام اتفاق بين المتورطين في هذه القضايا والدولة على أساس استرجاع الأموال التي حصلوا عليها مقابل إسقاط الملاحقة القضائية، فيما تضخ العوائد المستردة في ميزانية الدولية أو عبر استثمارات في المناطق المهمشة بالبلاد.

غير أنه بعد نحو سنة من تنفيذ المرسوم الذي أنشئت بموجبه "اللجنة الوطنية للصلح الجزائي"، انتقد سعيّد عمل هذه الأخيرة وأقال رئيسها، وقال في اجتماع مع أعضائها "لا أرى أي شيء على الإطلاق.. لم يتحقق أي شيء يُذكر"، منددا ما وصفه "بالتراخي" في تنزيل المرسوم.

ويشير الجليدي إلى أن خطوة تحويل هذا الأخير إلى قانون يشرعه البرلمان تطمح لـ"تحميل المسؤولية لكل الأطراف، سواء تنفيذية أو قضائية، حتى تذهب البلاد نحو المعالجة الحقيقية لملفات الفساد، والتي تعود لشركات وأباطرة أعمال يجيدون التلاعب بالنصوص القانونية القديمة".

ويشدد الباحث التونسي، على أن القوانين السابقة المتعلقة كذلك بالاستثمار والتجارة تحتاج كلها إلى إعادة قراءة.

وأعلن الرئيس التونسي، وسط ديسمبر الماضي، عن إعداد مشروع قانون جديد يتعلق بالصلح الجزائي، مشيرا إلى أن هذا المشروع سيتم عرضه "قريبا" على مجلس الوزراء، قبل عرضه على البرلمان.

وقال سعيد إن هذه الخطوة تهدف إلى "تلافي عدد من النقائص التي أظهرتها التجربة"، في إشارة إلى تنزيل المرسوم الرئاسي.

ويتكوّن مشروع القانون المقترح، والذي تمت إحالته إلى لجنة التشريع بالبرلمان، الجمعة، من 17 فصلا،  منها 13 فصلا جديدا.

ويوضح الباحث التونسي، أن بند الخلاص مقابل العفو القضائي التام، سيكون "أهم بند وعلى رأس أولويات مشروع القانون، مشيرا إلى أنه سيكون "مغريا للشركات والمؤسسات ورجال الأعمال الذين هم الآن قاب قوسين من محاكمات تصل أحكامها إلى ما هو أبعد من السجن".

صيغ جديدة وانتقادات للمسار

وتضمن القانون المقترح عددا من الإجراءات الجديدة، من أبرزها تحديد آجال النظر في مطالب الصلح، إذ نص على أنه "تنظر اللجنة الوطنية للصلح الجزائي في مطالب الصلح خلال أجل لا يتجاوز 4 أشهر من تاريخ تعهدها بملف الصلح الجزائي"، بحسب موقع الإذاعة التونسية.

ويطرح مشروع القانون أن يعرض الصلح على طالبه وتتفاوض معه الدولة حول قيمة المبالغ الواجب دفعها، وفق ثلاث صيغ؛ أولها: مشروع صلح نهائي يتضمن دفع كامل المبالغ المالية المستوجبة مرة واحدة.

أما الصيغة الثانية "مشروع صلح وقتي يتضمن دفع 50 بالمئة، على الأقل من المبالغ المالية المستوجبة، والالتزام بدفع النصف المتبقي في أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر.

أما الثالثة، "مشروع صلح وقتي يتضمن تأمين خمسين بالمائة 50 بالمئة، على الأقل من المبالغ المالية المستوجب دفعها وإنجاز إما مشروع أو مشاريع في حدود المبالغ المطالب دفعها".

السلطات التونسي فشلت في استرداد الجزء الأكبر من الأموال "المهربة" من قبل عائلة بن علي وحاشيته ـ صورة تعبيرية.
بين "أنا يقظ" والخارجية التونسية.. جدل محتدم و"لا حلول" تعيد الأموال "المنهوبة"
عاد ملف "الأموال المنهوبة" إلى واجهة النقاش بالأوساط التونسية بعد "تراشق" بالبيانات، بين وزارة الخارجية التونسية والمنظمة الرقابية "أنا يقظ" المتخصصة في قضايا مكافحة الفساد المالي، في أعقاب إعلان الرئيس التونسي عن خطوات جديدة لمواجهة الجرائم الاقتصادية في البلاد.

مدير المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير ، يقول إن لديه تحفظات بشأن مسار تنفيذ مبادرة الصلح الجزائي، مشيرا إلى "غياب استراتيجية واضحة للموضوع"، مما تسبب فيفشل مبادرات سابقة حتى قبل وصول قيس سعيد إلى الحكم.

ومن بين الانتقادات التي يوجهها، الناشط الحقوقي لهذا "المسار" ما اعتبره "عدم إشراك السلطات مختلف الأطراف المعنية بالموضوع، مثل المنظمات الحقوقية والعاملة في مجال مكافحة الفساد، وأيضا الأفراد المعنيين بحد ذاتهم ومؤسساتهم"، وأيضا أطراف خارجية، يقول إن "مشاركتها أساسية في الملف".

ويتأسف عبد الكبير في تصريحه لموقع "الحرة"، على بقاء المبادرة "حكرا" على رئاسة الجمهورية والهيكلين القضائي والتنفيذي، موضحا أن "هذا أدى إلى ظهور ثغرات قانونية في تطبيق المرسوم، قبل الذهاب به الآن إلى البرلمان، لتحويله إلى قانون".

ويؤكد على أن بقاء الملف على طاولة رئاسة الجمهورية والحكومة "جعل الجميع يبتعد عنه"، متوقعا أن الملف "لن يذهب بعيدا رغم التغييرات المرتقبة"، على اعتبار  الحاجة إلى "إقرار إجراءات هيكلية عميقة".

الاقتصاد بحاجة لـ"حلول مستدامة"

وتعاني تونس من تضخم كبير، وتدهورا في القوة الشرائية للدينار التونسي، فيما يبلغ دينها العام 80 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وتجري مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد لسدّ عجز موازنتها العامة.

وكان الصندوق أعطى ضوءا أخضر أول لتونس، أواخر 2022، بإعلان موافقة مبدئية على منحها هذا القرض. لكن منذ ذلك الحين تعثرت المفاوضات حول هذا القرض البالغة قيمته 1.9 مليار دولار وتوقفت المشاورات بين الطرفين منذ نهاية العام 2022.

ويرفض الرئيس قيس سعيّد ما يعتبره "إملاءات" الصندوق، خصوصا في ما يتعلق برفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، ويرى فيها "تهديدا للسلم الاجتماعي" في البلاد.

ومطلع يونيو الماضي، اقترح إدخال ضرائب إضافية تستهدف الأغنياء لتمكين الدولة من الاستغناء عن قرض الصندوق، كما يعول أيضا على أموال الصلح الجزائي من أجل إنعاش خزينة البلاد.

ويقدر سعيّد أن يصل مجموع الأموال التي على الدولة استرجاعها من المتهمين بالفساد، ما يصل إلى 13.5 مليار دينار (حوالى 4.3 مليار  دولار)، بناء على تقييمات لـ460 ملفا أحصتها لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد التي تم إحداثها بعد ثورة 2011.

الخبير الاقتصادي التونسي، رضا شنكدالي، يرى أن الأرقام التي يتوقعها الرئيس والسلطات تبقى "بعيدة عن الواقع"، موضحا أنه حتى وإن تم تحصيل هذا المبلغ فإن "مفعولها ظرفي ولا يعالج المشكلات الحقيقية للاقتصاد التونسي.

وفيما يوضح شنكدالي، في تصريح لموقع "الحرة"، أن مثل هذه الإجراءات مهمة وإيجابية، يقول إنها "لا توفر حلولا مستدامة للتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد"، داعيا إلى البحث عن برامج اقتصادية لها عوائد وموارد مالية متواصلة على ميزانية الدولة وليس مؤقتة.

ويضيف الخبير الاقتصادي، أن من أبرز العقبات التي واجهت مبادرات استعادة الأموال المنهوبة "صعوبة تحديد فئة رجال الأعمال الفاسدين"، علاوة على البطء الملحوظ على مستوى تنفيذ عدد الإجراءات الإدارية.

ويكشف أيضا أن رقم القضايا والملفات التي تم جردها بعد الثورة، انخفض بشكل كبير من 460 قضية، موضحا أن من بين رجال الأعمال المتهمين من توفي ومن أفلس، مع مرور الوقت.

نضوب أحد  سدود تونس الكبرى في صائفة 2023 (أرشيف)
نضوب أحد سدود تونس الكبرى في صائفة 2023 (أرشيف)

في مواجهة أزمة الشح المائي والجفاف التي تضرب البلاد، أعلنت وزارة الفلاحة التونسية عن تبني استراتيجية جديدة تقوم على تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة، في محاولة لتخفيف الضغط على السدود وتلبية الحاجيات المتزايدة من مياه الشرب.

وقال وزير الفلاحة، عزالدين بن الشيخ، خلال جولة لمنشآت ومشاريع فلاحية في الشمال الغربي للبلاد الثلاثاء، إن هذه الاستراتيجية ستمكن من الحد من تحويل مياه السدود وتخفيف أعبائها، في وقت بلغت فيه نسبة امتلاء السدود 36 بالمائة فقط من طاقتها الاستيعابية، بمخزون عام يُقدّر بـ 857 مليون متر مكعب، وفق بيانات المرصد الوطني للفلاحة.

في المقابل، كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خلال اليوم العالمي للمياه الموافق لـ4 أبريل 2025، أن أكثر من 200 ألف تونسي يعانون من غياب تام لمياه الشرب، أي ما يمثل حوالي 3 بالمائة من إجمالي السكان. كما رصد المنتدى نحو 240 تحركا احتجاجيا في عام 2024، كلها مطالبة بالحق في الماء.

وبالتزامن مع ذلك، تشهد بعض المناطق بمختلف محافظات البلاد تحركات احتجاجية ضد السلطة للمطالبة بتزويدها بمياه الشرب، مما يثر التساؤل بشأن مدى مساهمة الاستراتيجية الجديدة المعلنة من الحكومة في تجاوز أزمة الشح المائي الذي يعانيه هذا البلد المغاربي.

خيار مكلف دون حلول مستدامة

تعليقًا على هذه الاستراتيجية، اعتبر الخبير في التنمية والموارد المائية، حسين الرحيلي، أن تحلية مياه البحر تمثل خيارا مكلفا وغير واقعي في السياق الحالي، خاصة في ظل العجز الطاقي الذي تعاني منه البلاد.

وأوضح الرحيلي، في تصريح لموقع "الحرة"، أن تكلفة المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة بمحطة صفاقس جنوب شرق تونس تقارب 1.2 دولار، وهو ما يتجاوز بكثير إمكانيات الدولة. 

وتابع أن التركيز على مشاريع التحلية يعكس توجها للهروب إلى الأمام، في وقت تعاني فيه شبكات توزيع المياه من تسربات تتسبب في فقدان أكثر من ربع الكمية المخصصة للشرب سنويا، فضلا عن نسبة هدر تبلغ 33 بالمائة في الري الزراعي.

وأضاف أن "الأزمة لا تتعلق فقط بندرة الموارد، بل تتعداها إلى سوء التصرف فيها، من خلال بنية تحتية متهالكة وغياب الصيانة، مما يفقد الحلول المقترحة فعاليتها."

كما أكد المتحدث أن "التحلية لا يمكن أن تكون بديلا استراتيجيا قبل تقييم آثارها البيئية على المدى المتوسط والبعيد، إضافة إلى كلفتها المرتفعة." لافتا في المقابل، إلى أن معالجة المياه المستعملة تمثل حلا مستدامًا كان من المفترض اعتماده منذ عقود.

وأشار في هذا الخصوص إلى أن "إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري يمكن أن يوفّر موارد مهمة، شريطة التحكم في التقنيات وضمان جودة المياه."

وخلص إلى أن التحدي اليوم لا يتمثل فقط في البحث عن موارد بديلة، بل في حسن إدارتها وضمان استدامتها، مع حماية الفلاحين الذين سيكونون أول المتضررين من أي اختلال في المنظومة.

وكانت السلطات التونسية قد شرعت في الأعوام الأخيرة في إنشاء سدود جديدة، وتشييد محطات تحلية مياه البحر بعدد من المحافظات الساحلية منها محافظتي صفاقس وقابس جنوب شرق البلاد.

خيار استراتيجي لا مفر منه

في المقابل، يرى المهندس الخبير في الموارد المائية، محمد اللواتي، أن تحلية مياه البحر تمثل خيارا استراتيجيا لا يمكن لتونس الاستغناء عنه، خاصة في ظل التحولات المناخية والضغط المتزايد على الموارد التقليدية.

وقال في تصريح لموقع "الحرة": " مع تراجع مخزون السدود وتكرار سنوات الجفاف، تصبح التحلية من الحلول العملية لتأمين جزء من حاجيات البلاد من مياه الشرب، خصوصًا في المدن الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية. ورغم ارتفاع كلفتها، فإنها تظل مبررة مقارنة بتداعيات الانقطاع المتكرر للماء."

وأوضح أن "بعض الانتقادات لمشاريع التحلية مبالغ فيها، خاصة وأنها أثبتت نجاعتها في بلدان عديدة ذات موارد محدودة، لكن الأهم أن تدمج هذه المشاريع في رؤية شاملة تراعي التوازن البيئي وتُوظّف الطاقات المتجددة للحد من كلفة الإنتاج."

وأشار المهندس إلى أن "الإشكال في تونس لا يقتصر على ندرة المياه، بل يشمل أيضا سوء التوزيع وضعف الاستثمار في التقنيات الحديثة"، مبرزًا أن "التحلية ومعالجة المياه المستعملة ليستا خيارين متناقضين، بل مكملان لبعضهما، ويجب تطويرهما بالتوازي مع إصلاح البنية التحتية."

وختم قائلاً: "التحولات المناخية أصبحت واقعا لا مفر منه، وتونس بحاجة إلى تنويع مصادرها المائية، والقطع مع السياسات الظرفية، والاعتماد على التكنولوجيا لتأمين أمنها المائي في السنوات القادمة."

وسبق لمنظمات رقابية محلية من ضمنها المرصد التونسي للمياه (غير حكومي) أن طالبت في أغسطس الماضي السلطات التونسية بـ "إعلان حالة طوارئ مائية" بعد تراجع مستوى مخزون السدود واستمرار مواسم الجفاف.

إرساء هيكل سيادي للمنظومة المائية

من جانبها، اعتبرت المكلفة بالملف البيئي في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، منيار المجبري، أن الأزمة الحالية تعكس "فشلًا ممنهجًا" في إدارة الموارد، نتيجة سياسات لم تضع الحق في الماء ضمن أولوياتها، وركّزت على خدمة الزراعات التصديرية على حساب الحاجيات الأساسية للمواطنين.

وفي تصريح لموقع "الحرة"، أكدت المجبري أن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية قد دعا إلى بعث هيكل سيادي يعنى بالمنظومة المائية، مثل وزارة للماء، تتعامل مع جميع القطاعات على قدم المساواة، مع إعطاء الأولوية القصوى لمياه الشرب، إلى جانب إلغاء منظومة المجامع وتعويضها بهيكل عمومي.

وقالت إن "تحلية مياه البحر لا تمثل أولوية في الوقت الراهن، نظرًا لتكلفتها المرتفعة"، مشددة على أهمية ترشيد الاستهلاك، وتقليص الزراعات المستنزفة للمياه، وتشجيع استعمال المياه المعالجة ضمن رؤية شاملة تضمن العدالة المائية وتقطع مع السياسات الظرفية.

جدير بالذكر أن تونس تمتلك نحو 37 سدا أبرزها سد سيدي سالم، إضافة إلى البحيرات الجبلية وتقع أغلبها في شمال البلاد.