إقبال ضعيف من التونسيين في انتخابات المجالس المحلية
إقبال ضعيف من التونسيين في انتخابات المجالس المحلية

شهدت انتخابات المجالس المحلية في تونس، في الدورة الأولى والثانية، نسبة مشاركة متدنية، بالرغم من أنها تمثل أحد أهم المشاريع السياسية التي يراهن عليها الرئيس، قيس سعيّد، بعد اعتماد دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات تشريعية في عام 2022.

ولم تتعد نسبة المشاركة 12.5 بالمئة خلال الدورة الثانية، بفارق بسيط عن الأولى التي شارك فيها 11.6 بالمئة من الناخبين، وفقا للأرقام التي أعلنت عنها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، الأحد.

وتمثل نسب المشاركة الضعيفة في انتخابات المجالس المحلية استمرارا لمسلسل عزوف التونسيين عن المشاركة في المحطات الانتخابية الأخيرة، بعد أن عرفت انتخابات مجلس النواب، أقل نسبة تصويت في تاريخ البلاد، بمشاركة لم تتعد 11.2 بالمئة.

"أسباب العزوف"

مدير المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير، يرى أن تدني إقبال التونسيين للتصويت الانتخابات ينبغي أن يدفع السلطات لطرح تساؤلات عن أسباب كل هذا العزوف الكبير في بلد كان يشهد حتى وقت غير بعيد نسب مشاركة عالية في الانتخابات.

ويصف الحقوقي التونسي، في حديثه لموقع "الحرة"، نسب التصويت في الانتخابات المحلية التي ينبثق عنها الممثلون المحليون للتونسيين بـ"غير العادية"، خاصة وأن المرشحين يكونون في العادة من أبناء الحي والمنطقة المعروفين بالنسبة للسكان، وليسوا مرشحين جهويين أو وطنيين، حسبما يوضح.

ويبقى "المناخ السياسي الصعب" بالإضافة إلى "التضييق الكبير على الحريات"، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة للتونسيين الذين يعانون في الوصول إلى عدد من المواد الغذائية الأساسية، من بين الأسباب الرئيسية وراء خيار العزوف، برأي عبد الكبير الذي أشار إلى أن المشاركة السياسية إلى أمر ثانوي أمام كل هذه الظروف.

وقبيل انعقاد الدور الأول، دعت أطراف المعارضة التونسية إلى مقاطعة الانتخابات التي وصفتها بـ"غير الشرعية"، معتبرة أن سعيد يسعى لـ"فرضها" من أجل ترسيخ منظومته "الاستبدادية".

واعتقلت السلطات التونسية، منذ فبراير من العام الماضي، أكثر من 20 معارضا، بينهم زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي والقيادي في جبهة الخلاص الوطني، ائتلاف المعارضة الرئيسي في البلاد، جوهر بن مبارك، فضلا عن عدد من الوزراء السابقين ورجال الأعمال، وفقا لفرانس برس.

ويؤكد الناشط الحقوقي، على أن خيار المقاطعة "موقف قويّ يعكس عدم رضا التونسيين" على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وعلى الخيارات السياسية التي اعتمدتها السلطات في البلاد.

وأطلق سعيد في 25 يوليو 2021، ما وصفها بـ"خارطة طريق" من أجل تجاوز "مرحلة الاستثناء"، وأقر بموجبها مجموعة من الإجراءات التي لقيت معارضة واسعة؛ بدءا بإقالة حكومة هشام المشيشي، وتعويضها بأخرى وحل مجلسي القضاء والبرلمان، ثم وضع دستور جديد في صيف 2022، قبل تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة أواخر السنة ذاتها.

ونص الدستور التونسي الذي جرى اعتماده بعد مشاركة وصلت نحو 30 بالمئة من الناخبين، على برلمان مؤلف من مجلسين: مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم الذي يتم تصعيد أعضائه من المجالس المحلية.

وعقدت أولى جلسات مجلس نواب الشعب محدود الصلاحيات في مارس الماضي، إثر انتخابات أعلنت أيضا أحزاب المعارضة مقاطعتها. 

ومن المقرر أن يتم تنصيب أعضاء المجلس الثاني، والبالغ عددهم 77 عضوا، في أبريل المقبل، وستعهد إليهم صلاحيات البت في ميزانية الدولة وفي مشاريع التنمية الإقليمية.

وفي ديسمبر الماضي، وقّعت أكثر من 260 شخصية تونسية عريضة ضد انتخابات مجلس الجهات والأقاليم، معتبرة أن "السلطة القائمة تواصل تنفيذ مشروعها السياسي المسقط على التونسيين".

وبحسب موقعي العريضة تشكل هذه الانتخابات "خطوة إضافية تهدف لإضعاف السلطة المحلية وتشتيتها وجعلها هي الأخرى أداة طيعة في يد السلطة التنفيذية".

أستاذ العلوم السياسية، الصغير الزكراوي، يرى أن من غير الممكن بناء مجالس ومؤسسات سياسية أو إقامة نظام سياسي جديد في ظل نسب المشاركة الشعبية المتدنية جدا.

ويضيف الزكراوي في تصريح لموقع "الحرة"، أن الوضع يتجاوز مسألة العزوف عن المشاركة الانتخابية، ويتحول إلى "مقاطعة سياسية"، تسائل مشروعية المؤسسات التي تنبثق عنها والنظام السياسي بالبلاد كافة.

ويؤكد الجامعي التونسي أن الأرقام تعكس بأن الشعب يقول إنه "لا يريد الانخراط في مشروع ومؤسسات الرئيس"، معتبرا أن نظام الحكم في تونس "تحول إلى نظام فردي ومطلق، لا قيمة فيه للمؤسسات الأخرى".

"نسب مقبولة"

في المقابل، يقول الباحث السياسي، نزار الجليدي، إن أرقام المشاركة تبقى "مقبولة جدا"، موضحا أن "تجربة المجالس المحلية حديثة، حيث تعيد تونس الآن بناء العملية الديمقراطية من جديد".

ويوضح الجليدي في تصريح لموقع الحرة، أن تراجع الإقبال على المشاركة "كان منتظرا"، مرجعا ذلك إلى عوامل عدة؛ على رأسها "القطيعة الحاصلة مع الفساد السياسي ومع الأموال التي كانت توزع في الحملات الانتخابية".

ويضيف أن السبب الثاني وراء تراجع نسب المشاركين يعود أيضا إلى نهاية عهد الجهات التي كانت "تضخم وتزور" نسب المشاركة في الانتخابات.

وسبق أن علق الرئيس التونسي على تدني نسب المشاركة في الانتخابات، قائلا إن "مشاركة بـ9 أو 12 بالمئة أفضل من الـ99 بالمئة التي كانوا يشاركون فيها، وكانت تتهاطل برقيات التهاني من الخارج وتعلم تلك العواصم أن تلك الانتخابات مزورة".

واعترف الجليدي بأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر منها البلاد "سبب آخر في ضعف نسبة الإقبال على الانتخابات"، لافتا إلى "خفوت زخم الفعل السياسي في ذهنية التونسيين"، والذين يبحثون اليوم فقط عن "الملف الاجتماعي وسبل اجتثاث الفساد".

وتعاني تونس من تضخم كبير وتدهور القدرة الشرائية للتونسيين، علاوة على  استمرار نقص عدد المواد الغذائية الأساسية في الأسواق.

ويصل الدين العام للبلاد إلى 80 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وتجري الحكومة التونسية مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد لسدّ عجز موازنتها العامة.

وكان الصندوق أعطى ضوءا أخضر لتونس، أواخر 2022، بإعلان موافقة مبدئية على منحها قرضا بقيمة 1.9 مليار دولار  لكن المفاوضات تعثرت وتوقفت بين الطرفين، حيث يرفض الرئيس قيس سعيّد ما يعتبره "إملاءات" الصندوق، خصوصا في ما يتعلق برفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، ويرى فيها "تهديدا للسلم الاجتماعي" في البلاد.

ويرتقب أن تشهد البلاد انتخابات رئاسية في خريف العام الجاري، بحسب ما أعلن المتحدث باسم للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، الأحد.

وردا على الرأي القائل بأن تدني المشاركة في الانتخابات يضرب في شرعية بقاء الرئيس في السلطة، يقول الجليدي، إن نسب دعمه "كانت لتكون ساحقة لو كان الأمر يتعلق بانتخابات رئاسية"، قائلا إن "التونسيين فهموا بعد 10 سنوات عجاف أن الأحزاب لم تكن سوى مطية للفساد السياسي ولم تقدم أي مشروع سياسي وتنموي حقيقي".

ويؤكد على أن الشعب التونسي "متشبث ومنخرط" في مشروع الرئيس الساعي إلى "اجتثاث الفساد وبلوغ أهداف التنمية المنشودة، في ظل مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسي الذي أطلقه".

مهاجرون أفارقة بمحطة القطار بمدينة صفاقس

لقي رجل أمن ومهاجر مصرعهما بمدينة صفاقس التونسية، الأربعاء، إثر محاولة إخلاء عمارة سكنية يقطنها مهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حسبما أفادت السلطات التونسية.

وكشف الناطق الرسمي بإسم المحكمة الابتدائية بصفاقس، هشام بن عياد، في تصريح لـ"الإذاعة التونسية"، أن مصرع رجل الأمن جاء بعد سقوطه من أعلى عمارة تؤوي مجموعة من المهاجرين خلال عملية مداهمة أمنية.

ووفقا للمصدر ذاته، توفي خلال العملية المهاجر إثر سقوطه  في عين المكان من سطح العمارة، بحسب نفس المصدر.

وتابع المصدر القضائي، أنه "بإذن من النيابة العمومية بالمحكمة الإبتدائية صفاقس 1، تم فتح بحث تحقيقي في الغرض للتعرف على أسباب وملابسات الوقائع المذكورة".

وتعيش مدينة صفاقس بتونس، منذ أشهر على وقع احتجاجات وأحيانا اشتباكات عنيفة بين السكان ومهاجرين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، تتدخل على إثرها السلطات التونسية لترحيل ونقل آلاف المهاجرين إلى نواحي ومناطق بخارج المدينة.

وتصاعدت وتيرة الاشتباكات والعنف، بعد مقتل مواطن تونسي، العام الماضي، خلال مواجهات بين سكان أحد أحياء المدينة، ومهاجرين، حسبما نقلته وسائل إعلام محلية.

ويتخذ آلاف المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء من مدينة صفاقس الساحلية مستقرا لهم، باعتبارها نقطة انطلاق رئيسية لرحلات الهجرة نحو السواحل الإيطالية.

وتحمّل فعاليات حقوقية تصاعد العنف ضد المهاجرين بالبلاد إلى التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي، قيس سعيد، شهر فبراير من العام الماضي، والتي انتقد فيها وصول "جحافل من المهاجرين غير القانونيين" إلى البلاد من دول أفريقيا جنوب الصحراء، واصفا ذلك بـ"محاولات تغيير التركيبة الديموغرافية" للبلاد.