لافروف كان في زيارة إلى تونس شهر ديسمبر الماضي
لافروف كان في زيارة إلى تونس شهر ديسمبر الماضي | Source: الرئاسة التونسية

كشفت تقارير إعلامية غربية مؤخرا عن هبوط طائرات روسية يُشتبه في أنها عسكرية، في مطار جربة الدولي جنوب شرق تونس، ما أثار موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، بشأن حقيقة هذه التحركات ودلالاتها في ظل حساسية الوضع في المنطقة.

وعلى مدار الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام أوروبية وغربية بشكل واسع المعطيات التي أوردتها صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية والتي أفادت الأسبوع الماضي، بهبوط "طائرات عسكرية روسية" في الأيام القليلة الماضية، بمطار جربة الواقع على بعد 130 كيلومترا من الحدود الليبية.

وسارعت موسكو عبر سفارتها في ليبيا إلى نفي صحة ما ورد في تقرير الصحيفة الإيطالية، واصفة إياه بـ"الأكاذيب والتزييف"، الاثنين الماضي.

أما تونس، فلم تعلق رسميا على الموضوع سوى أمس الجمعة، عندما نفت سفارتها في روما ما أوردته لا ريبوبليكا، فيما رفضت سفارتها في باريس ما وصفته بـ"الادعاءات" التي حملها  برنامج سياسي عرض على قناة "LCI" الفرنسية، بُثّ الخميس، وناقش ما أسماه "الاختراق الروسي لتونس". وأعربت السفارتان عن أسفهما لـ"نشر معلومات مضللة ولا أساس لها".

طائرات روسية في جربة

ونقلت "لا ريبوبليكا"، في تقريرها، الأحد الماضي، أن طائرات شوهدت خلال الأيام الأخيرة تهبط في مطار  الجزيرة التونسية، مؤكدة أن طبيعة نشاطها لم تتحدد.

وذكرت أن لموسكو بالفعل حضور قوي في ليبيا، وتشكل تحالفا مع الجزائر، ونجحت في توسيع تواجدها العسكري في النيجر وتشاد، فيما انسحب الفرنسيون من مالي وبوركينا فاسو، معتبرة أن تواجدها في تونس من شأنه أن يكمل "اختراق" المنطقة.

واعتبرت الصحيفة أنه فيما "لا تزال الطبيعة الدقيقة لهذه الأنشطة الجوية، سواء كانت لوجيستية أو غير ذلك، غير واضحة"، شددت على أنها "تثير مخاوف حقيقية".

الناشط التونسي المقيم بإيطاليا، مجدي الكرباعي، يقول إن تقرير الصحيفة الإيطالية يشير إلى أن طائرات عسكرية روسية تتواجد في تونس، ويطرح فرضية تموضع قوات لفاغنر بالبلاد.

ويضيف الكرباعي في حديثه لموقع "الحرة"، أن بيانات السفارات الثلاث (التونسيتين والروسية) تنفي تواجد عناصر فاغنر وليس التواجد الروسي في تونس، حيث أن هناك إثباتات بوجود هذه الطائرات، بالتالي فهناك "روايتين" للموضوع.

ونفت السفارة التونسية بروما الأنباء التي تفيد بوجود عناصر من فاغنر في مطار جربة.

ووصفت السفارة، حسبما نقلته وكالة "نوفا" للأنباء، تقرير الصحيفة بأنه "معلومات كاذبة"، وأكدت أن "الجمهورية التونسية دولة مستقلة ذات سيادة، تتحكم وحدها في سلامة كامل ترابها، وترفض أي نوع من التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية".

بدورها، اعتبرت روسيا في بيان نشر على صفحة سفارتها في ليبيا عبر موقع "فيسبوك"، أن الدول الغربية "تسوق عبر إعلامها لأفكار غير حقيقية، الغرض منها بث الذعر ومحاولة التأثير على الأوساط الاجتماعية، عبر الترويج لأخبار مزيفة".

ونفى البيان "وجود أي طائرات حربية تابعة لقوات فاغنر داخل جزيرة جربة التونسية، المجاورة لليبيا، كما تزعم الدول الغربية".

الرواية الأولى وفقا للكرباعي، يمثلها تقرير لا ريبوبليكا والمعطيات التي أوردها بشأن التواجد الروسي والتداعيات الأمنية على المنطقة وعلى إيطاليا تحديدا القريبة من تونس.

ويضيف الناشط التونسي، أن البيانات التي تكذّب الخبر كذبت مسألة تواجد فعلي لفاغنر في تونس، وهو ما لم تطرحه الصحيفة بل بقي الأمر جزءا من التحليل الخاص بها.

بالمقابل، يقول علية العلاني، خبير الشؤون السياسية والاستراتيجية، إن التقارير "لا تحمل كل الحقيقة وتفتقد إلى الدقة"، مشيرا إلى أن "الأراضي التونسية تستقبل طائرات من العديد من الدول".

ويضيف العلاني في تصريح لموقع "الحرة"، أن "تونس لم ترد في البداية على التقارير لكن بعد تداول الحديث عنها اضطرت إلى الرد، نافية وجود قوات فاغنر على الأرض، وأيضا لا داعي لوجودها، حيث أن لروسيا مناطق أخرى أهم بالنسبة إليها".

ويشير الخبير التونسي إلى أن تقرير الصحيفة الإيطالية أشبه بـ"لعبة مخابرات"، وليس "خبرا حقيقيا"، لافتا إلى أنه يندرج ضمن الصراع الفرنسي الإيطالي على النفوذ بالبلاد.

وأوضحت صحيفة "لا ريبوبليكا"، أنها طلبت من الخارجية الأميركية بيانا بشأن موقفها بخصوص الرحلات الجوية الروسية إلى تونس، ومدى اطلاعها عليها.

وذكرت أن الخارجية الأميركية، علقت بالقول: "ما زلنا نشعر بالقلق بشأن أنشطة مجموعة فاغنر وتلك التي تدعمها روسيا في القارة الأفريقية، والتي تؤجج الصراعات وتشجع الهجرة غير النظامية، بما في ذلك إلى تونس". 

"دلالات التحركات"

بدورها سلطت جريدة "لوموند" الفرنسية الضوء على تداعيات ودلالات التحركات الروسية المزعومة في تونس، والجدل الذي أثارته في ظل الوضع الإقليمي المتوتر.

واعتبرت الجريدة الفرنسية، أن تونس ترتبط بالمعسكر الغربي، ولجيشها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، بالتالي فإن أي تقارب محتمل بينها وبين وروسيا سيمثل بلا شك تحولا جذريا في توجهات البلاد، على الرغم من أن مثل هذا التحول لا يزال حتى الآن مجرد احتمال نظري بعيد المنال في خضم الظروف الراهنة.

غير أن الصحيفة، تقول إن "النزعة الاستبدادية" للرئيس قيس سعيّد، الساخر المعتاد من "الإملاءات" الغربية، خلقت مع ذلك بيئة حاضنة وأرضية خصبة للخطاب السائد في موسكو، وفقا لمراقب أوروبي في تونس.

وأكد مصدر دبلوماسي غربي لـ"لوموند"، أنه "كان هناك بالفعل هبوط لطائرات روسية في جربة، لكننا لا نعرف طبيعتها". ووفقا لتقارير غير مؤكدة تتداولها أوساط محللي الأمن في تونس، كانت هذه طائرات "شحن" و "رحلات مستأجرة" مدنية، وليست لطائرات عسكرية، كما ذكرت "لا ريبوبليكا".

وبحسب المصادر ذاتها، كان على متن بعض هذه الطائرات روس منتسبون لمجموعة فاغنر شبه العسكرية والتي أعيد تسميتها بـ"فيلق أفريقيا"، والذين حلوا في جربة من أجل الاستجمام.

وذكرت الصحيفة، أن طائرات أخرى توقفت للتزود بالوقود. وتم الإبلاغ عن هذه التحركات الجوية الروسية في الجزيرة التونسية منذ نحو عام. 

ووفقا لعدد من المحللين، فإن تونس ليست بمعزل عن الانتشار الجديد للنفوذ الروسي في الساحل والصحراء وليبيا، حتى لو كان البعد العسكري الفعلي لا يزال غائبا.

وبعد تأجيلها مرتين، زار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أخيرا تونس  في ديسمبر الماضي،  وذلك وسط نمو كبير للتجارة بين البلدين.

في هذا الجانب، يقول الكرباعي إن قيس سعيد يريد أن "يلعب لعبة تهديد ولي ذراع الأوروبيين  والغربيين بسبب عدم رصد الأموال التي كانت مقررة بعد اتفاق الشراكة الشامل مع الاتحاد الأوروبي وأيضا إعانات صندوق النقد الدولي من خلال التلويح بالانضمام للمحور الروسي والصيني".

وفي السياق ذاته، يلفت المتحدث إلى أن مشاركة سعيد بمراسم جنازة الرئيس الإيراني ولقائه بالمرشد الأعلى، علي خامنئي، تحمل أيضا "رسائل مشفرة إلى الغرب الذي عزل تونس اقتصاديا وسياسيا".

ويشير إلى أن هذه "مناورات سياسية غير محسوبة من قيس سعيد"، وأن "هذا خيار اقتصادي وسياسي ودبلوماسي خاطئ".

في المقابل، يقول العلاني إن لتونس "خط ثابت، ولا تغير حلفاءها وأصدقاءها، وتعتبر أن مصالحها هي التي تحدد  إجراءاتها الاقتصادية مع هذا البلد أو ذاك"،  وأما على "المستوى العسكري فلا تغيير والتنسيق في أوجه مع البلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة".

وعلى الصعيد الاقتصادي، تزايدت واردات الحبوب الروسية في 2023، بزيادة 435 في المئة عن 2022، لتصل إلى قيمة إجمالية حوالي 1.1 مليار دينار (حوالى 353 مليون دولار)، وفقا للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء.

وبالرغم من العقوبات الدولية ضد روسيا، ضاعفت تونس أيضا وارداتها من "الفحم الحجري والنفط ومشتقاته" ثلاث مرات مقارنة بعام 2022، الذي كان بالفعل أعلى بكثير من السنوات السابقة. 

ومنذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، استوردت تونس النفط من روسيا بأكثر مما استوردته في السنوات التسع الماضية مجتمعة.

ويسجل أيضا المزيد من التعاون السياسي، وفقا للوموند، التي أشارت إلى أنه في 15 مارس، وقعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس مذكرة تعاون مع اللجنة الانتخابية الروسية. 

وفي إطار هذا التعاون سافر، فاروق بوعسكر، رئيس الهيئة، إلى موسكو للمشاركة في البعثة الدولية لمراقبة الانتخابات الروسية في الفترة من 15 إلى 17 مارس، والتي شهدت إعادة انتخاب الرئيس، فلاديمير بوتين، لولاية خامسة.

"أرضية خصبة"

وتواكب القوة الناعمة الروسية هذا التقارب المتصاعد بين البلدين. فمنذ فترة، بدأت ملصقات إعلانية تظهر في شوارع تونس تروّج للنسخة العربية من القناة التلفزيونية "روسيا اليوم" (RT)، وهي قناة ممولة من الحكومة الروسية وتعمل كأداة رئيسية للدعاية والدبلوماسية العامة الروسية في المنطقة.

وتنظم "الدار الروسية"، وهي مركز ثقافي تابع للسفارة، بانتظام فعاليات حول الثقافة واللغة والتاريخ الروسي، وتشارك في الأحداث الثقافية مثل معرض تونس الدولي للكتاب.

وقال دبلوماسي غربي: "الأرضية خصبة"، في ظل تنامي إدراك الرأي العام التونسي بوجود "معايير مزدوجة" لدى الأوروبيين والأميركيين فيما يخص الحرب في غزة، وهو ما يخدم الرواية الروسية حول الغرب المنافق أخلاقيا.

وفي بيئة تتسم أيضا باختراق روسيا المزدوج للساحل والصحراء وليبيا، يبقى "قيس سعيّد ثمرة ناضجة تنتظر السقوط في حضن روسيا"، بحسب ما صرح به، جلال حرشاوي، الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدفاع والدراسات الأمنية للصحيفة الفرنسية.

ومع ذلك، فإن تغيير النموذج الاستراتيجي ليس بالأمر السهل. ففي عام 2015، منحت الولايات المتحدة تونس وضع "حليف رئيسي من خارج الناتو". وهي كذلك عضو في "مجموعة رامشتاين" التي تشكلت بمبادرة من الناتو لدعم أوكرانيا. وهذا يفسر الإحراج، بل والارتباك، الملحوظ حاليا في تونس حيال هذه التطورات، وفقا للوموند.

والشهر الماضي، اختتمت فعاليات التمرين العسكري المشترك التونسي الأميركي "الأسد الأفريقي 24"، بحضور قيادات رفيعة المستوى من الطرفين، بالإضافة إلى مراقبين عسكريين من بعض الدول الأفريقية.

الخبير التونسي العلاني، يشدد على أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة بالنسبة لتونس، مشيرا إلى حدوث مناورات عسكرية ثنائية بين الجانبين، وإلى أنه بالتزامن مع هذا التقرير كان وفد عسكري تونسي رفيع في زيارة إلى الولايات المتحدة.

ويؤكد المتحدث أن تونس تجد لدى "روسيا صفقة أفضل سواء على مستوى الحبوب أو غيرها من المشتريات"، ويشير إلى أن "هذا يدخل ضمن المصالح الاقتصادية خاصة مع معاناة البلاد من أزمة اقتصادية".

ويضيف العلاني أنه "لا يمكن المزج بين الأمرين (العسكري والتجاري)"، مشيرا مثلا إلى أنه على مستوى التسليح وشراء الأسلحة فالقوات التونسية تسليحها غربي"، أما الصفقات الاقتصادية تدخل في خانة المصالح الاقتصادية العادية، مع مساعي البلاد لتقليص عجز ميزانها التجاري.

السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير
السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير

"جئت إلى تونس بحثا عن الأمل، فوجدت نفسي عالقا بين الخوف والجوع والتجاهل. لم أختر الهجرة غير النظامية، بل اختارتني الظروف. كنت أحلم بحياة كريمة، بعمل بسيط يوفر لي لقمة نظيفة، لكن الواقع كان أقسى مما تخيلت".

بمرارة تعتصر قلبه يروي آسامواه (اسم مستعار) تفاصيل ظروفه كمهاجر غير نظامي في تونس.

قدم آسامواه من غانا إلى تونس منذ نحو ثلاث سنوات، وكغيره من الكثير من مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، وجد نفسه في مخيمات منتشرة في الحقول ومزارع الزيتون ببلدتي العامرة وجبنيانة من محافظة صفاقس جنوب شرق البلاد، بعد أن تم طردهم في صائفة 2023 إثر اندلاع مواجهات مع متساكني مدينة صفاقس.

يقول المهاجر الغاني لموقع "الحرة": "في البداية، كنت أظن أن تونس محطة عبور فقط، لكنها تحولت إلى سجن مفتوح. لا أوراق، لا حقوق، لا أمان. كل يوم أستيقظ وأنا أفكر: كيف سأجد ما آكله؟ كيف سأتجنب أعين الشرطة إن غادرت الخمية؟ كيف سأحمي نفسي من نظرات الاحتقار، من العبارات الجارحة، من بعض الذين يرون فيَّ دخيلا لا إنسانا؟".

وعلى امتداد الأربع سنوات الماضية، شهدت تونس تدفقا لافتا للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بنية العبور إلى سواحل الجزر الإيطالية ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي بحثا عن فرص أفضل للحياة، في ما يواجه هذا الملف انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية في البلاد.

ومطلع الأسبوع الماضي، نفذت قوات الأمن التونسي حملة أمنية قامت خلالها بتفكيك عشرات المخيّمات التي أقامها المهاجرون في بلدة العامرة، فيما تناقل تونسيون مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر بقاء مهاجرين في العراء.

"وضع مأساوي"

"نحن في قلب عاصفة من الكراهية والعنف، حتى المخيمات التي أنشأناها تم إزالتها، فحملات الشيطنة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي جعلت منا هدفا سهلا للاعتداءات، تتم معاملتنا كمجرمين لا كمهاجرين غير نظاميين، وهذا ما يجعل وضعنا مأساويا" يوضّح آسامواه ظروف العيش في المخيمات.

ويتابع في هذا السياق، موضحا أن المهاجرين لا يجدون طعاما ولا ماء، وسط تزايد حاجتهم إلى الإحاطة الاجتماعية في ظل غياب أي أمل في تركهم يبحثون عن شغل يحفظ كرامتهم، أو تركهم يكملون رحلة العبور إلى الفضاء في الأوروبي.

وكشفت دراسة ميدانية سابقة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي)، أن 40,1 %؜ من المهاجرين غير النظاميين لا يجدون مياه صالحة للشرب فيما يلتجئ 56,5 % للوسائل التقليدية للعلاج.

وقد أفضت الدراسة التي تم إنجازها في يوليو الماضي إلى أن 70 % صرحوا أنهم يعرفون مهاجرين ليس لديهم ما يأكلون.

من جانبه، يؤكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (غير حكومي) مصطفى عبد الكبير لـ "الحرة" أن حملات الشيطنة التي يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين على منصات التواصل الاجتماعي ارتفعت بشكل لافت في الأيام الأخيرة مما عطل عمليات التدخل لتقديم مساعدات إنسانية لهم.

وأوضح أن هذه "الحملات باتت تعرض حياتهم للخطر وتجعلهم محل مطاردة أينما حلوا وهذا ما يفاقم أزمتهم في تونس".

وسبق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن أعربت في بيان، السبت، عن بالغ قلقها إزاء ما اعتبرتها “التطورات الخطيرة التي يشهدها ملف المهاجرين والمهاجرات من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس، نتيجة تنامي الاعتداءات والانتهاكات التي تستهدفهم، والتي تعمّق من معاناتهم وتعرض حياتهم وكرامتهم لمخاطر جسيمة".

مواجهات عنيفة

وفيما تلتزم السلطات التونسية الصمت تجاه ملف المهاجرين غير النظاميين، أظهرت مقاطع فيديو تناقلها التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي، اندلاع مواجهات عنيفة في عدد من البلدات التونسية بين المتساكنين ومهاجرين وسط تزايد حدة الخطابات الداعية إلى تدخل الأمن لتطويقها.

وتعليقا على ذلك، يقول رئيس "جمعية الأرض للجميع" (حقوقية) عماد السلطاني إن هذا التعامل مع المهاجرين خاصة في محافظة صفاقس لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان، ذلك أن قانون الغاب أصبح يحكم بين التونسيين و مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء.

ويشدد السلطاني في حديثه لـ "الحرة" على أن تصاعد المواجهات يأتي في "غياب تام للسلطة" مشيرا إلى أن هذا الغياب سيدفع فاتورته التونسيون والمهاجرون غير النظاميين.

وتبعا لذلك، دعا السلطات التونسية ممثلة في رئيس الدولة قيس سعيد إلى التدخل الفوري ووضع استراتيجية واضحة لملف تدفق المهاجرين لافتا إلى أن الوضع أخذ منحى خطيرا، وفقه.

وتقدر وزارة الداخلية التونسية عدد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين في البلاد 23 ألف شخصا سنة 2024، ينحدرون من 27 جنسية مختلفة، فضلا عن صد وارجاع حوالي 130 ألف على الحدود التونسية، يرجح رئيس المرصد التونسي لحقوق الانسان مصطفى عبد الكبير عددهم ما بين 80 ألفا و100 ألف مهاجر، لافتا إلى أن هذا العدد يتغير بين الفترة والأخرى.

بين العودة الطوعية والترحيل القسري

تعوّل السلطات التونسية على برامج العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين التي أطلقته خلال العامين الماضيين لحل أزمة الهجرة، إذ أكد محمد بن عياد، كاتب الدولة بوزارة الخارجية التونسية، أثناء كلمة ألقاها أمام البرلمان في يناير المنقضي، أن بلاده وبالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، أعادت ما مجموعه 7250 مهاجرا غير نظامي إلى بلادهم خلال عام 2024.

وشدد في هذا السياق على موقف تونس ورفضها التام لأن تكون بلد عبور أو استقبال أو استقرار للمهاجرين.
في السياق ذاته، وخلال لقائه الأسبوع الفارط برئيس بعثة المنظمة الدّوليّة للهجرة بتونس، أكد وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، على "أهمية تضافر الجهود ومواصلة التنسيق بين جميع الأطراف المتدخلة، بما يساهم في نجاح برنامج العودة الطوعية للمهاجرين في جميع مراحله". 

وذكرت الوزارة في بلاغ لها أن الوزير دعا إلى تكثيف الحملات التوعوية في صفوف المهاجرين غير النظاميين للتعريف ببرنامج العودة الطوعية وبما يُوفره من إمكانيات لإعادة إدماجهم في بلدانهم الأصلية.

في مقابل ذلك، اعتبرت عضوة البرلمان التونسي فاطمة المسدي في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن برنامج العودة الطوعية لا يعد حلا لمعالجة أزمة المهاجرين في تونس، مشددة على أن الترحيل القسري ضروري.

واستنكرت المسدي عدم تطبيقه في تونس، على غرار عدة دول ذكرتها مثل ليبيا ومصر وإيطاليا وبريطانيا وغيرها.