يعتبر الغنوشي شخصية مثيرة للجدل، فالبعض يصفه بالإسلامي المتشدد في حين يرى فيه آخرون سياسيا براغماتيا متلونا مستعدا للتضحية بكل شيء مقابل البقاء في السلطة
حُكم على الغنوشي بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بتهمة تلقي حزبه تمويلات بشكل غير قانوني

قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي لدى محكمة الاستئناف بتونس بإقرار الحكم الابتدائي القاضي بالسجن مدة ثلاث سنوات مع النفاذ العاجل في حق كل من راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة، ورفيق بوشلاكة، وزير الخارجية السابق، وذلك في القضية المعروفة إعلاميا بقضية عقود "اللوبيينغ".

وكانت الدائرة الجنائية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي قد قضت، في فبراير الماضي، حضوريا، في حق  الغنوشي وغيابيا في حق بوشلاكة المتواجد خارج البلاد، مدة ثلاثة أعوام سجنا مع النفاذ العاجل.

كما قضت الدائرة بتغريم الغنوشي وبوشلاكة بقيمة ما اتهموا به من تمويل أجنبي متحصل عليه فيما قضية عقود "اللوبيينغ".

وأوقف الغنوشي (82 عاما) أولا في 17 أبريل عام 2023 بعد إعلانه أن تونس ستكون مهددة بـ"حرب أهلية" إذا تم القضاء على الأحزاب اليسارية، أو تلك الإسلامية مثل حزبه.

وفي 15 مايو عام 2023، حُكم عليه بالسجن لمدة سنة بعد إدانته بتهمة "تمجيد الإرهاب" في قضية أخرى، وتم تشديد الحكم عند الاستئناف في أكتوبر إلى 15 شهرا.

وفي فبراير عام 2024 حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بتهمة تلقي حزبه تمويلات بشكل غير قانوني.

ويُعدّ الغنوشي الذي قاد حزبه وشارك في مختلف الحكومات على مدى العقد الماضي بعد ثورة 2011 التي أطاحت زين العابدين بن علي، أشهر معارض مسجون منذ احتكار الرئيس، قيس سعيّد، السلطة في يوليو عام 2021.

وتوجه منظمات حقوقية تونسية ودولية انتقادات شديدة لنظام سعيّد، مؤكدة أنه "يقمع الحريّات في البلاد". لكن الرئيس التونسي يكرر أن "الحريّات مضمونة".

ولا يزال نحو 40 شخصا، بعضهم معارضون بارزون ورجال أعمال وناشطون سياسيون، موقوفين منذ فبراير الفائت، ويتهمهم سعيّد بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي".

ويحتكر سعيّد السلطات في البلاد ويسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات المقررة في السادس من أكتوبر المقبل، والتي أقصت هيئة الانتخابات ثلاثة مرشحين من سباقها بعدما أقرت المحكمة الادارية بشرعية ملفات ترشحهم.

السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير
السلطات التونسية قررت تمديد الإقامات وتسهيل عمليات المغادرة الطوعية وإعفاء المهاجرين من دفع غرامات التأخير

"جئت إلى تونس بحثا عن الأمل، فوجدت نفسي عالقا بين الخوف والجوع والتجاهل. لم أختر الهجرة غير النظامية، بل اختارتني الظروف. كنت أحلم بحياة كريمة، بعمل بسيط يوفر لي لقمة نظيفة، لكن الواقع كان أقسى مما تخيلت".

بمرارة تعتصر قلبه يروي آسامواه (اسم مستعار) تفاصيل ظروفه كمهاجر غير نظامي في تونس.

قدم آسامواه من غانا إلى تونس منذ نحو ثلاث سنوات، وكغيره من الكثير من مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، وجد نفسه في مخيمات منتشرة في الحقول ومزارع الزيتون ببلدتي العامرة وجبنيانة من محافظة صفاقس جنوب شرق البلاد، بعد أن تم طردهم في صائفة 2023 إثر اندلاع مواجهات مع متساكني مدينة صفاقس.

يقول المهاجر الغاني لموقع "الحرة": "في البداية، كنت أظن أن تونس محطة عبور فقط، لكنها تحولت إلى سجن مفتوح. لا أوراق، لا حقوق، لا أمان. كل يوم أستيقظ وأنا أفكر: كيف سأجد ما آكله؟ كيف سأتجنب أعين الشرطة إن غادرت الخمية؟ كيف سأحمي نفسي من نظرات الاحتقار، من العبارات الجارحة، من بعض الذين يرون فيَّ دخيلا لا إنسانا؟".

وعلى امتداد الأربع سنوات الماضية، شهدت تونس تدفقا لافتا للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بنية العبور إلى سواحل الجزر الإيطالية ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي بحثا عن فرص أفضل للحياة، في ما يواجه هذا الملف انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية في البلاد.

ومطلع الأسبوع الماضي، نفذت قوات الأمن التونسي حملة أمنية قامت خلالها بتفكيك عشرات المخيّمات التي أقامها المهاجرون في بلدة العامرة، فيما تناقل تونسيون مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر بقاء مهاجرين في العراء.

"وضع مأساوي"

"نحن في قلب عاصفة من الكراهية والعنف، حتى المخيمات التي أنشأناها تم إزالتها، فحملات الشيطنة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي جعلت منا هدفا سهلا للاعتداءات، تتم معاملتنا كمجرمين لا كمهاجرين غير نظاميين، وهذا ما يجعل وضعنا مأساويا" يوضّح آسامواه ظروف العيش في المخيمات.

ويتابع في هذا السياق، موضحا أن المهاجرين لا يجدون طعاما ولا ماء، وسط تزايد حاجتهم إلى الإحاطة الاجتماعية في ظل غياب أي أمل في تركهم يبحثون عن شغل يحفظ كرامتهم، أو تركهم يكملون رحلة العبور إلى الفضاء في الأوروبي.

وكشفت دراسة ميدانية سابقة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي)، أن 40,1 %؜ من المهاجرين غير النظاميين لا يجدون مياه صالحة للشرب فيما يلتجئ 56,5 % للوسائل التقليدية للعلاج.

وقد أفضت الدراسة التي تم إنجازها في يوليو الماضي إلى أن 70 % صرحوا أنهم يعرفون مهاجرين ليس لديهم ما يأكلون.

من جانبه، يؤكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (غير حكومي) مصطفى عبد الكبير لـ "الحرة" أن حملات الشيطنة التي يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين على منصات التواصل الاجتماعي ارتفعت بشكل لافت في الأيام الأخيرة مما عطل عمليات التدخل لتقديم مساعدات إنسانية لهم.

وأوضح أن هذه "الحملات باتت تعرض حياتهم للخطر وتجعلهم محل مطاردة أينما حلوا وهذا ما يفاقم أزمتهم في تونس".

وسبق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن أعربت في بيان، السبت، عن بالغ قلقها إزاء ما اعتبرتها “التطورات الخطيرة التي يشهدها ملف المهاجرين والمهاجرات من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس، نتيجة تنامي الاعتداءات والانتهاكات التي تستهدفهم، والتي تعمّق من معاناتهم وتعرض حياتهم وكرامتهم لمخاطر جسيمة".

مواجهات عنيفة

وفيما تلتزم السلطات التونسية الصمت تجاه ملف المهاجرين غير النظاميين، أظهرت مقاطع فيديو تناقلها التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي، اندلاع مواجهات عنيفة في عدد من البلدات التونسية بين المتساكنين ومهاجرين وسط تزايد حدة الخطابات الداعية إلى تدخل الأمن لتطويقها.

وتعليقا على ذلك، يقول رئيس "جمعية الأرض للجميع" (حقوقية) عماد السلطاني إن هذا التعامل مع المهاجرين خاصة في محافظة صفاقس لا يحترم أدنى مقومات حقوق الإنسان، ذلك أن قانون الغاب أصبح يحكم بين التونسيين و مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء.

ويشدد السلطاني في حديثه لـ "الحرة" على أن تصاعد المواجهات يأتي في "غياب تام للسلطة" مشيرا إلى أن هذا الغياب سيدفع فاتورته التونسيون والمهاجرون غير النظاميين.

وتبعا لذلك، دعا السلطات التونسية ممثلة في رئيس الدولة قيس سعيد إلى التدخل الفوري ووضع استراتيجية واضحة لملف تدفق المهاجرين لافتا إلى أن الوضع أخذ منحى خطيرا، وفقه.

وتقدر وزارة الداخلية التونسية عدد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين في البلاد 23 ألف شخصا سنة 2024، ينحدرون من 27 جنسية مختلفة، فضلا عن صد وارجاع حوالي 130 ألف على الحدود التونسية، يرجح رئيس المرصد التونسي لحقوق الانسان مصطفى عبد الكبير عددهم ما بين 80 ألفا و100 ألف مهاجر، لافتا إلى أن هذا العدد يتغير بين الفترة والأخرى.

بين العودة الطوعية والترحيل القسري

تعوّل السلطات التونسية على برامج العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين التي أطلقته خلال العامين الماضيين لحل أزمة الهجرة، إذ أكد محمد بن عياد، كاتب الدولة بوزارة الخارجية التونسية، أثناء كلمة ألقاها أمام البرلمان في يناير المنقضي، أن بلاده وبالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، أعادت ما مجموعه 7250 مهاجرا غير نظامي إلى بلادهم خلال عام 2024.

وشدد في هذا السياق على موقف تونس ورفضها التام لأن تكون بلد عبور أو استقبال أو استقرار للمهاجرين.
في السياق ذاته، وخلال لقائه الأسبوع الفارط برئيس بعثة المنظمة الدّوليّة للهجرة بتونس، أكد وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، على "أهمية تضافر الجهود ومواصلة التنسيق بين جميع الأطراف المتدخلة، بما يساهم في نجاح برنامج العودة الطوعية للمهاجرين في جميع مراحله". 

وذكرت الوزارة في بلاغ لها أن الوزير دعا إلى تكثيف الحملات التوعوية في صفوف المهاجرين غير النظاميين للتعريف ببرنامج العودة الطوعية وبما يُوفره من إمكانيات لإعادة إدماجهم في بلدانهم الأصلية.

في مقابل ذلك، اعتبرت عضوة البرلمان التونسي فاطمة المسدي في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن برنامج العودة الطوعية لا يعد حلا لمعالجة أزمة المهاجرين في تونس، مشددة على أن الترحيل القسري ضروري.

واستنكرت المسدي عدم تطبيقه في تونس، على غرار عدة دول ذكرتها مثل ليبيا ومصر وإيطاليا وبريطانيا وغيرها.