إردوغان يواجه محطة مفصلية جديدة ستحدد مستقبله السياسي
إردوغان يواجه محطة مفصلية جديدة ستحدد مستقبله السياسي

يواجه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، يوم 14 مايو المقبل، محطة "مفصلية" ستحدد مشواره السياسي الطويل، وما إذا كان سيستمر على كرسي الرئاسة ويمضي به في القرن الثاني للجمهورية من عدمه. 

ورغم أنه تمكن من الخروج من ثلاث "محطات فاصلة" خلال العقدين الماضيين، إلا أن ما يواجهه الآن لا يقل بتداعياته كثيرا عن السابق، كونه سيواجه معارضة متحدة من كافة الانتماءات والمشارب والخلفيات، وتتحد على هدف "إسقاطه"، وفق ما يراه مراقبون.

وفي 14 مايو، عندما تُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، يسعى إردوغان، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية السابقتين في عامي 2014 و2018، إلى أن ينتخب رئيسا للجمهورية التركية لولاية أخرى، بدعم من "تحالف الجمهور". 

ويضم التحالف الذي ينخرط فيه كل من حزبه، "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية" و"حزب الوحدة الكبرى" و"حزب الرفاه من جديد" وحزب "هدى بار" الكردي ذو التوجه الإسلامي. 

"غيّر وجه تركيا" 

ومنذ انتخابه رئيسا لبلدية إسطنبول الكبرى، في 1994، وهي النقطة التي انطلق منها سياسيا، "غيّر الرئيس التركي من وجه البلاد بشكل كبير"، سواء من الداخل أو الخارج، وفق تقرير نشرته رويترز سابقا، ما كوّن له قاعدة كبيرة في البلاد، بينما واجه انتقادات من جانب أحزاب المعارضة، وخاصة العلمانية منها. 

وبينما يرى إردوغان وحزبه الحاكم أنهم حجزوا كلمة لتركيا في العالم، وقادوا البلاد إلى "نهضة اقتصادية أولا ومن ثم عسكرية" وحافظوا على بنية المجتمع التركي، يرى منتقدوه المشهد مغايرا لذلك، وخاصة نظراؤه من السياسيين في البلاد، إذ يقولون إنه "قيّد الحريات" وعمل على الخروج عن "مبادئ أتاتورك العلمانية". 

ولد إردوغان، الذي تعود أصوله إلى ريزه، في 26 فبراير عام 1954، وهو يقل عمرا عن منافسه زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كمال كليتشدار أوغلو. 

وذكرت رويترز أن إردوغان ولد لأب من منطقة البحر الأسود يعمل ربان زورق وهاجر حين كان طفلا إلى إسطنبول. ويقول كاتبون للسير إنه كان يبيع لفافات الخبز وعصير الليمون ليتمكن من دفع تكاليف مدرسته الدينية، وفق ما نقلته الوكالة.

تخرج من مدرسة "قاسم باشا" الابتدائية في إسطنبول، عام 1965، ومن ثانوية الإمام الخطيب، عام 1973.  

وفي 1981، حاز على شهادة جامعية، بعدما درس في كلية الاقتصاد والعلوم التجارية بجامعة مرمرة. 

خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان إردوغان ناشطا في الأوساط الإسلامية، وانضم إلى حزب، نجم الدين أربكان، الذي يوصف بـ"أبو الإسلام السياسي وراعيه" في تركيا. 

ومع ازدياد شعبية هذا الحزب في التسعينيات، انتُخب إردوغان كمرشح عنه لمنصب عمدة إسطنبول في عام 1994 وأدار المدينة على مدى السنوات الأربع التالية. 

لكن فترة حكمه انتهت عندما قادته أبيات من الشعر إلى السجن، بينما كان رئيسا لبلدية إسطنبول، في عام 1997.

وقبل 26 عاما ألقى، إردوغان هذه الأبيات: "مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمؤمنون جنودنا.. هذا هو الجيش المقدس.. الذي يحرس ديننا" من قلب ولاية سيرت شرقي تركيا.

وعلى إثرها اتهم بالتفريق بين الأديان ومعاداة العلمانية، ليدخل في السجن، في ديسمبر 1999 حتى عام 2000، ثم عاد إلى السياسة ليؤسس فيما بعد مع رفاقه "حزب العدالة والتنمية"، والذي يحكم تركيا، منذ 2002. 

في عام 2002، فاز "حزب العدالة والتنمية" بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية وفي العام التالي، تم تعيين إردوغان رئيسا للوزراء.  

ولا يزال إردوغان رئيسا لحزب "العدالة والتنمية" حتى يومنا هذا، فيما اعتبر سجنه أولى المحطات الفاصلة التي واجهها. 

"محطة غيزي والانقلاب"  

منذ عام 2003، أمضى ثلاث فترات كرئيس للوزراء، وترأس فترة من النمو الاقتصادي، بعد سلسلة أزمات عاشتها البلاد، وأدخلت شريحة واسعة من سكانها في بوتقة الفقر. 

بحلول عام 2013، واجه محطة "مفصلية" ثانية ونقطة تحول في حكمه، تمثلت بمظاهرات حديقة غيزي بارك في تقسيم بمدينة إسطنبول، والتي لا تزال المعارضة تحييها حتى اللحظة وفي كل عام، بالإضافة إلى منظمات مجتمع مدني، وأخرى نسوية. 

كان الانقلاب الفاشل، الذي نجا منه في عام 2016، واتهام الداعية المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن بالوقوف وراءه، نقطة تحول في حكمه.

فقد قُتل ما يقرب من 300 مدني أثناء قيامهم بعرقلة تقدم مدبري الانقلاب، بينما أدت الحملات الأمنية التي أطلقتها السلطات إلى إقالة حوالي 150 ألف موظف عام واعتقال أكثر من 50 ألف شخص، من بينهم جنود وصحفيون ومحامون وضباط شرطة وأكاديميون وسياسيون أكراد. 

"الانتخابات الأصعب" 

وينتقد المعارضون إردوغان "لاستغلاله الحكم في تركيا بهدف تركيز السلطة في يديه"، وفي المقابل يقول الرئيس التركي إن "فوز المعارضة في رئاسة البلاد يعتبر كارثة". 

وكان قد أطلق حملته الانتخابية قبل قرابة شهرين من الانتخابات تحت شعار "قرن تركيا"، كما دشن العديد من المشاريع، مثل حاملة الطائرات المسيرة، وطائرات حربية أخرى، فضلا عن قروض وإعفاءات ومشاريع اقتصادية كثيرة. 
 
وتتوقع استطلاعات الرأي أن يكون سباق الرئاسة محتدما في الانتخابات الأصعب منذ 2003

وكان إردوغان قد فاز بفارق ضئيل في استفتاء 2017 الذي منحه سلطات رئاسية كاسحة. 

وفي عام 2018، تمكن من الفوز بمنصب الرئيس بعدما كان بمواجهته مرشح "تحالف الأمة" المعارض، محرم إينجه. 

لكن حزبه كان قد خسر في رئاسة بلدتي إسطنبول وأنقرة في الانتخابات البلدية السابقة، ليذهب نصيبهما إلى "حزب الشعب الجمهوري"، بأكرم أمام أوغلو ومنصور يافاش. 

وتبدو منافسة أحزاب المعارضة لإردوغان في هذه الانتخابات "استثنائية"، من زاوية كم الأحزاب التي تتموضع ضده، سواء المشكلة لـ"تحالف الأمة" وعددها ستة أو بإعلان "حزب الشعوب الديمقراطي" الموالي للأكراد اصطفافه إلى جانب كليتشدار أوغلو. 

وفيما يتعلق بسياسته الخارجية كان الرئيس التركي قد اتجه استعدادا للانتخابات إلى انعطافة على صعيد سياسته مع الكثير من الدول، إذ أعاد العلاقات مع السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل. 

في المقابل، اتجه للعب دور الوساطة في الحرب الروسية والأوكرانية واتفاق الحبوب، بينما وافق على عضوية فنلندا في حلف الناتو مؤخرا، مع تحفظه حتى الآن على الطلب السويدي. 

ولا يزال إردوغان يؤكد على ضرورة "إنهاء ممر الإرهاب" في إشارة منه على مواصلة العمليات العسكرية ضد "حزب العمال الكردستاني" في سوريا والعراق، ويعد بإعادة مليون لاجئ سوري إلى بلادهم "بصورة آمنة وطوعية"، وبعد تشكيل حدود المنطقة "الآمنة".

يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود للمواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه
يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود على المواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه

يقوم العديد من أنصار المعارضة التركية، بشكل مستقلّ عن الأحزاب التي يأخذون عليها عدم تحركها على الأرض، بتعبئة واسعة بين الناخبين لدفعهم للتصويت لكمال كليتشدار أوغلو في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فيطرقون أبواب المنازل موزّعين الزهور والحلوى ورسائل إقناع، في ظاهرة جديدة من نوعها.

تقدم الرئيس المنتهية ولايته، رجب طيب إردوغان، في الدورة الأولى من الانتخابات بفارق خمس نقاط (49,5 في المئة) على منافسه الاشتراكي الديمقراطي، كمال كيليتشدار أوغلو (45 في المئة)، ممّا تسبب في خيبة أمل عميقة في معسكر الأخير، بعدما كان مؤمنا الى حد بعيد بفوزه.

هذه المرة، منحت استطلاعات الرأي الصدارة لرئيس الدولة، ولكن في المعسكر المنافس هناك كثر ممّن يرفضون الاستسلام.

وتقول بهيس سايات (40 عاماً) التي تدير وكالة إعلانات في إسطنبول "لا مجال لليأس".

بالنسبة إليها، بدأ كلّ شيء عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" أنشأها سكّان حيِّها، الذين يأملون في التغلّب على الانقسامات وتبادل الأفكار مع ناخبين من المعسكر المعارض.  

"إنهم يكذبون"

غير أنّ المهمّة تبدو شاقّة في مواجهة رئيس منتهية ولايته يتهم المعارضة في خطاباته التي تُبَثّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات تقريباً، بـ"دعم الإرهاب.. ومجتمع الميم". 

وتضيف سايات "غداة الدورة الأولى، بدأنا البحث عن طرق للتغلّب على الاستقطاب والوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بالدعاية الحكومية".

وفي الرسالة التي كتبتها سايات ووزّعتها على أكثر من 600 شخص في حيّها بمساعدة صديقاتها، تقول "جاري العزيز، إنّهم يكذبون عليك ومستقبل بلادنا يُقلقنا". 

ظهرت رسائل مماثلة في جميع أنحاء تركيا، تدعو خصوصاً المتغيّبين الـ8,3 ملايين عن الدورة الأولى، للتصويت في الثانية.

وتتخذ هذه "الطريقة الجديدة في ممارسة السياسة" انطلاقاً من القاعدة، أشكالاً فنية أحياناً، إن كان عبر مقاطع فيديو أو عبر ملصقات ابتكرها مستخدمو الإنترنت لدعم المعارضة، أو غيرها من الأساليب.

وفي هذا الإطار، أنتجت كوراي أونات (32 عاما) التي تعمل في مجال الفنون السمعية والبصرية مقطعاً لأغنية انتقادية لاذعة تمّت مشاركتها أكثر من مليون ونصف مليون مرّة عبر "تويتر".

وتحمل الأغنية كلمات تنتقد إردوغان الذي تصفه بـ"السلطان"، مع عرض صور له ولتظاهرات طلابية تعرضت للقمع، ولمدن دمّرها الزلزال الذي أودى بأكثر من 50 ألف شخص في فبراير في تركيا. 

وتقول أونات "جعلَنا المقطع نشعر بأنه يمكن أن يكون لنا تأثير. لقد فعلنا ما في وسعنا للفوز في هذه الانتخابات".

من جهته، يقول علي غول من مجموعة "الأتراك الشباب" التي تقود أيضا حملة مدنية لصالح كيليتشدار أوغلو، "ليس من السهل الوصول إلى الناس الذين لا يشاهدون سوى القنوات الموالية للحكومة".

"التغلّب على الكراهية"

يرى الصحافي في صحيفة "بيرغون" أوزان غاندوغدو أن مثل هذه المبادرات يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقّع. 

قوبلت دعوته ناخبي المعارضة عبر "تويتر" للتحدّث "مع مناصري إردوغان والتغلّب على خطاب الكراهية" بآلاف الردود.

وقال "نحن 25 مليوناً. علينا إقناع 1,5 مليون من مناصري إردوغان، من أجل الفوز. عندما تنظرون إلى الأمور على هذا النحو، فإنّ الصورة ليست ميؤوساً منها". 

ومع ذلك، يُدرك غاندوغدو أنّ المهمة لا تزال صعبة.

ويقول "العقل يقودنا إلى التشاؤم. نظام الرجل الواحد يهيننا منذ أشهر. تمّت تسميتنا بأنّنا من دون عَلَم، من دون وطن، من دون دين، إرهابيون.. ولكن الناس يقاتلون لإنقاذ شرفهم ولإبراز إرادتهم عبر صندوق الاقتراع".

أمضت غامزة وهي أم لثلاثة أطفال، ثلاث ساعات على الهاتف في محاولة لإقناع زميلتها السابقة التي تصوّت لإردوغان، ولكن من دون جدوى.

غير أنّ جهودها نجحت مع بعض من في محيطها.

كذلك، تطوّعت مع زوجها للعمل كمراقبين خلال عملية الاقتراع، مع منظمة غير حكومية تتصدى للتزوير الانتخابي.

تقول "هذه فرصتنا الأخيرة (..) شعرنا بإحباط شديد غداة الدورة الأولى. ولكنّني أؤمن بالأمر الآن. تمّ حشد الجميع".