أنصار إدوغان يلوحون بالأعلام التركية وأعلام حزب العدالة والتنمية بإسطنبول في 9 مايو 2023
أنصار إدوغان يلوحون بالأعلام التركية وأعلام حزب العدالة والتنمية بإسطنبول في 9 مايو 2023

من بين أكثر من 64 مليون ناخب سيدلي أكثر من مئة ألف مواطن من "السوريين الأتراك" بأصواتهم في انتخابات الرئاسة والبرلمان في تركيا يوم 14 مايو، ورغم أن هذا الرقم يبدو صغيرا بالنظر إلى الإجمالي إلا أن أصحابه يرون أنفسهم "فئة استثنائية"، وأنهم "حاضرون وغائبون" في آن واحد.

وخلال خمسة أعوام صوّت 30 ألف من هذه الفئة في انتخابات الرئاسة والبرلمان عام 2018، ومن المقرر أن يزيد هذا العدد إلى أربعة أضعاف في الاستحقاق المقبل، بحسب تصريحات رسمية.

وتوضح البيانات المتاحة عبر الموقع الرسمي لـ"الهيئة العليا للانتخابات" بأنه وفي انتخابات 14 مايو سيدلي 64 مليون و113 ألف و941 بأصواتهم، منهم 60 مليون و843 في البلاد، و3 ملايين و416 ألف و98 في خارجها، في حوالي 192 ألف صندوق اقتراع.

بدوره صرّح وزير الداخلية، سليمان صويلو، في أبريل الماضي، أن 230 ألفا و998 فردا من اللاجئين السوريين، بما في ذلك 130 ألفا و914 فردا بلغ سن الرشد، حصلوا على الجنسية التركية.

وذلك يعني أن أكثر من 130 ألف "سوري – تركي" سيكون لهم الحق في الإدلاء بصوتهم في الانتخابات المقبلة، حسب كلمات الوزير التركي.

في غضون ذلك، ووفقا لبيانات "إدارة الهجرة" التابعة لوزارة الداخلية التركية، يعيش 3 ملايين و426 ألفا و719 لاجئا سوريا في تركيا بموجب "الحماية المؤقتة".

ويعيش من بينهم 63 ألفا و720 سوريا في مراكز الإيواء المؤقتة، بينما يعيش 3 ملايين و362 ألفا و989 آخرين خارج هذه المراكز.

وتُعد ولايات إسطنبول وغازي عنتاب وشانلي أورفا وهاتاي وأضنة ومرسين وبورصا وإزمير وقونية وأنقرة من المدن التي يعيش فيها أكبر عدد من الذين يحظون بـ"الحماية المؤقتة".

"ناخبون استثنائيون"

ويعتبر ملف اللاجئين السوريين من أكثر القضايا التي ترددت على لسان السياسيين الأتراك خلال الفترة الأخيرة، وحتى أن قسما كبيرا منهم محسوب على أحزاب المعارضة ما يزال يطلق الوعود الخاصة بإعادتهم إلى سوريا.

وعلى رأس هذه الشخصيات السياسية المرشح الرئاسي عن "تحالف الأمة" المعارض، كمال كليتشدار أوغلو واعدا بأن "الإعادة ستكون في غضون عامين".

كمال كليتشدار أوغلو وعد بإعادة السوريين إلى بلادهم في غضون عامين

في غضون ذلك كان المرشح الرئاسي، سنان أوغان قد زاد الجرعة مؤخرا على نحو أكبر، بقوله إن أول مرسوم سيكون له في حالة الفوز سيتضمن "الإعادة"، بالإضافة إلى "سحب الجنسية الاستثنائية" ممن حصلوا عليها، خلال السنوات الماضية.

وبالإضافة إلى هاتين الشخصيتين يَعد المرشح الرئاسي، محرم إينجه بإعادة السوريين أيضا، في وقت كان الرئيس إردوغان قد أعلن قبل أشهر أنه بصدد تنفيذ مشروع "إعادة مليون لاجئ إلى سوريا"، بصورة طوعية وبشكل "آمن".

وتوّلد هذه الوعود حالة "من الخوف والخشية" لدى شريحة كبيرة من السوريين، سواء اللاجئين منهم أو أولئك الذين باتوا "مواطنين الأتراك" بحسب قوانين البلاد، حسب ما يقول الشاب السوري محمد المقيم في إسطنبول، لموقع "الحرة".

حصل محمد على الجنسية الاستثنائية قبل عامين مع أفراد أسرته، وسيكون تصويته في 14 مايو الأول في حياته.

ويضيف: "هذه الحالة الفريدة التي سأعيشها لا تقتصر من كوني أصبحت مواطنا تركيا فحسب، بل تتعلق أيضا بهويتي السورية التي لم استخدمها إلا لاستخراج إخراجات القيد من النفوس في مدينتي حمص".

ورغم أن إطلاق الوعود الخاصة بالسوريين لا تتعلق بشخصية سياسية واحدة دون أخرى بل تنسحب على الجميع، إلا أن الشاب يرى أن الكثير من السوريين الأتراك "سيفضلون التصويت لمن ستكون سياسته أخف عن غيره بشأن السوريين".

ويوضح ذلك بالقول: "إردوغان يعد بإعادة السوريين لكنه لم يهدد بتصريحاته ممن يحملون الجنسية الاستثنائية كما هو الحال بالنسبة لسنان أوغان مثلا وباقي شخصيات المعارضة".

ويتابع: "معظم السوريين قد لا يكونوا سعداء بما يتحدث عنهم السياسيون، ومع ذلك يدركون أن حياتهم لن تكون جيدة في حال وصلت المعارضة إلى الحكم، ولاسيما أن سياستها اتجاهنا غير واضحة وضبابية".

وفي مقابل الوعود بـ"إعادتهم" لم تشهد الأشهر الماضية إطلاق أي وعود "إيجابية" للسوريين المجنسين كباقي الفئات المجتمعية من الأتراك، ولذلك يرى الشاب محمد أنه "فئة السوريين الأتراك عم مصوتون استثنائيون".

وترتبط هذه الحالة من "الاستثناء" بأنهم سيدلون بأصواتهم بناء على "المصلحة" التي ستعود لهم، بعيدا عن أي برامج انتخابية تستهدفهم أو وعود من شأنها أن تحفزهم لاخيار هذا المرشح أو غيره.

"زخم مشاركة"

والسوريون الذين يأتون إلى تركيا لا يحصلون على الجنسية التركية بشكل مباشر، بل يحصلون على وضع "الحماية المؤقتة". 

في المقابل فإن الطريقة الوحيدة لكي يصبح السوريون مواطنين أتراك هي "المواطنة الاستثنائية".

ويمكن للسوري الذي تجاوز سن 18 وله حق "جنسية استثنائية" التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة والمحلية في تركيا، وهو ما حصل لعشرات الآلاف منهم في انتخابات 2018، وانتخابات البلدية في 2019.

في الاستحقاق الحالي يشير المحامي السوري، غزوان قرنفل والحاصل على الجنسية الاستثنائية في تركيا إلى أن "السوريين الأتراك سيكونون بالتأكيد جزءا من العملية الانتخابية".

ويقول لموقع "الحرة": "حسب متابعاتي مع البعض أشاهد زخما من المشاركة وبشكل جدي".

"النسبة العظمى إلا قلة قليلة ستصوت لصالح تحالف الجمهور الحاكم أي للعدالة والتنمية وإردوغان، لاعتقادهم أو إيمانهم أنه يمكن أن تتبدل الأمور فيما يتعلق بإعادة السوريين".

ويتابع قرنفل: "أو على الأقل أن تتم معالجة وضعهم ضمن منظور أشمل من فكرة المصالحة مع النظام السوري بدون وجود ضمانات تتعلق باللاجئين السوريين، بخلاف ما طرحته المعارضة في هذا الشأن".

وخلال الفترة الأخيرة كان للمحامي السوري المقيم في مرسين التركية محاولة لإنشاء مجموعة تضم كل المجنسين السوريين، من أجل "التشاور في الخيارات.

ومن أجل أن تكون هذه الخطوة "نواة تشكيل لوبي على المدى الطويل يمكن أن يكون له تأثير".

لكن هذه المساعي "لم تلقى استجابة كافية"، فيما يشير قرنفل إلى أن "السوريين الأتراك يجب أن يفهموا أنهم جزء من الحياة السياسية. ليس ترشيحا بالضرورة بل على الأقل أن يحددوا خيارات تناسب ثقلهم".

ويوضح أن رقم 130 ألف سوري بالغ مجنس ليس بالقليل، و"لو باشرنا من الآن لتمكنا من تشكيل لوبي سيكون له تأثير ويخاطب جميع الجهات السياسية في مراحل قادمة، ولاسيما أن البلاد ستكون مقبلة على انتخابات البلدية في مارس 2024".

"أكثر من جانب"

في غضون ذلك يرى الناشط الحقوقي المتابع لأوضاع السوريين في تركيا، طه الغازي أن "الجو العام لواقع السوريين المجنسين في البلاد يرتبط بأكثر من جانب".

أولى هذه الجوانب تتعلق بأن "فئة من المجنسين لها هاجس في الذهاب لصناديق الاقتراع والمشاركة في الانتخابات".

ويقول الغازي لموقع "الحرة": "هذا الشعور ليس قائما على مدى أهمية صوت المجنس السوري، بل بسبب حالة الكراهية والعنصرية اتجاه السوريين من بعض الساسة الأتراك، مثل سنان أوغان وأوميت أوزداغ".

"ما سبق ولد تخوف للسوري المجنس بأنني وإن ذهبت للتصويت قد أتعرض لموقف عنصري وغير جيد".

ويشير الحقوقي إلى جانب يرتبط "بمدى شعور الإنسان السوري المجنس بحقوق المواطنة".

ويوضح حديثه بالقول: "بغض النظر عن العدالة والتنمية وأحزاب الطاولة السداسية لم تطلق أي برامج لمن تم تجنيسهم خلال السنوات الماضية، سواء من الإعلام والهيئات السورية أو حتى من الجانب التركي، لكي يشرح للسوري المجنس حقوقه كمواطن تركي".

ويسفر هذا الحال إلى "فجوة كبيرة، ولدها غياب البرامج المعرفية عن حقوق المواطن التركي".
 ونادرا ما كانت أحزاب المعارضة توجه رسائل "إيجابية" للاجئين السوريين أو ممن حصلوا على الجنسية الاستثنائية"، ومع ذلك كان ناشطون حقوقيون وفي منظمات المجتمع المدني قد التقوا بعض الشخصيات مؤخرا، من بينها كليتشدار أوغلو وزعماء أحزاب يسارية أخرى.

في المقابل كانت الأشهر الماضية قد شهدت سلسلة من الاجتماعات الدورية بين أعضاء من "حزب العدالة والتنمية" وناشطين وأعضاء هيئات سورية، بالإضافة إلى اجتماعات مع مسؤولين في "إدارة الهجرة التركية".

وجاء هذا الحراك في الوقت الذي كان فيه المجتمع السوري في تركيا يتعرض لعمليات تضييق، سواء على مستوى الانتقال بين الولاية والأخرى، أو فيما يتعلق بعمليات الترحيل التي وثقتها منظمات حقوق إنسان دولية.

ويرى الناشط الحقوقي الغازي أن "السوريين المجنسين عرضة لما يتم تداوله في وسائل الإعلام"، وأن "فئة كبيرة منهم غير مدرك أساسا للبرامج الانتخابية للأحزاب، سواء الحاكم أو المعارضة".

واعتبر أن "غياب الإدراك يخلق حالة تشبه ما كنا عليه في سوريا، أي إعطاء صوتي لحزب ما نتيجة وجود شخص ما فيه، أو بالعكس". 

"في الانتخابات الحالية سيعطي الكثير من السوريين المجنسين أصواتهم  للعدالة والتنمية، لأنه كان الأكثر تعاطفا معهم في السابق".

وفي المقابل "توجد أحزاب ضمن الطاولة السداسية وأخرى يسارية تؤيد قضايا اللاجئين، مثل حزب المستقل الذي يتزعمه أحمد داوود أوغلو وحزب علي باباجان"، وفق الغازي.

ويوضح الناشط الحقوقي أن "حالة اللجوء في تركيا هي قرار الدولة التركية وليس قرار حزب. والكل يدرك ذلك"، وأنه "لا يمكن لأي حزب أن يعيد اللاجئين كما يعد، بغض النظر عن نتائج الانتخابات".

يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود للمواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه
يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود على المواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه

يقوم العديد من أنصار المعارضة التركية، بشكل مستقلّ عن الأحزاب التي يأخذون عليها عدم تحركها على الأرض، بتعبئة واسعة بين الناخبين لدفعهم للتصويت لكمال كليتشدار أوغلو في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فيطرقون أبواب المنازل موزّعين الزهور والحلوى ورسائل إقناع، في ظاهرة جديدة من نوعها.

تقدم الرئيس المنتهية ولايته، رجب طيب إردوغان، في الدورة الأولى من الانتخابات بفارق خمس نقاط (49,5 في المئة) على منافسه الاشتراكي الديمقراطي، كمال كيليتشدار أوغلو (45 في المئة)، ممّا تسبب في خيبة أمل عميقة في معسكر الأخير، بعدما كان مؤمنا الى حد بعيد بفوزه.

هذه المرة، منحت استطلاعات الرأي الصدارة لرئيس الدولة، ولكن في المعسكر المنافس هناك كثر ممّن يرفضون الاستسلام.

وتقول بهيس سايات (40 عاماً) التي تدير وكالة إعلانات في إسطنبول "لا مجال لليأس".

بالنسبة إليها، بدأ كلّ شيء عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" أنشأها سكّان حيِّها، الذين يأملون في التغلّب على الانقسامات وتبادل الأفكار مع ناخبين من المعسكر المعارض.  

"إنهم يكذبون"

غير أنّ المهمّة تبدو شاقّة في مواجهة رئيس منتهية ولايته يتهم المعارضة في خطاباته التي تُبَثّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات تقريباً، بـ"دعم الإرهاب.. ومجتمع الميم". 

وتضيف سايات "غداة الدورة الأولى، بدأنا البحث عن طرق للتغلّب على الاستقطاب والوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بالدعاية الحكومية".

وفي الرسالة التي كتبتها سايات ووزّعتها على أكثر من 600 شخص في حيّها بمساعدة صديقاتها، تقول "جاري العزيز، إنّهم يكذبون عليك ومستقبل بلادنا يُقلقنا". 

ظهرت رسائل مماثلة في جميع أنحاء تركيا، تدعو خصوصاً المتغيّبين الـ8,3 ملايين عن الدورة الأولى، للتصويت في الثانية.

وتتخذ هذه "الطريقة الجديدة في ممارسة السياسة" انطلاقاً من القاعدة، أشكالاً فنية أحياناً، إن كان عبر مقاطع فيديو أو عبر ملصقات ابتكرها مستخدمو الإنترنت لدعم المعارضة، أو غيرها من الأساليب.

وفي هذا الإطار، أنتجت كوراي أونات (32 عاما) التي تعمل في مجال الفنون السمعية والبصرية مقطعاً لأغنية انتقادية لاذعة تمّت مشاركتها أكثر من مليون ونصف مليون مرّة عبر "تويتر".

وتحمل الأغنية كلمات تنتقد إردوغان الذي تصفه بـ"السلطان"، مع عرض صور له ولتظاهرات طلابية تعرضت للقمع، ولمدن دمّرها الزلزال الذي أودى بأكثر من 50 ألف شخص في فبراير في تركيا. 

وتقول أونات "جعلَنا المقطع نشعر بأنه يمكن أن يكون لنا تأثير. لقد فعلنا ما في وسعنا للفوز في هذه الانتخابات".

من جهته، يقول علي غول من مجموعة "الأتراك الشباب" التي تقود أيضا حملة مدنية لصالح كيليتشدار أوغلو، "ليس من السهل الوصول إلى الناس الذين لا يشاهدون سوى القنوات الموالية للحكومة".

"التغلّب على الكراهية"

يرى الصحافي في صحيفة "بيرغون" أوزان غاندوغدو أن مثل هذه المبادرات يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقّع. 

قوبلت دعوته ناخبي المعارضة عبر "تويتر" للتحدّث "مع مناصري إردوغان والتغلّب على خطاب الكراهية" بآلاف الردود.

وقال "نحن 25 مليوناً. علينا إقناع 1,5 مليون من مناصري إردوغان، من أجل الفوز. عندما تنظرون إلى الأمور على هذا النحو، فإنّ الصورة ليست ميؤوساً منها". 

ومع ذلك، يُدرك غاندوغدو أنّ المهمة لا تزال صعبة.

ويقول "العقل يقودنا إلى التشاؤم. نظام الرجل الواحد يهيننا منذ أشهر. تمّت تسميتنا بأنّنا من دون عَلَم، من دون وطن، من دون دين، إرهابيون.. ولكن الناس يقاتلون لإنقاذ شرفهم ولإبراز إرادتهم عبر صندوق الاقتراع".

أمضت غامزة وهي أم لثلاثة أطفال، ثلاث ساعات على الهاتف في محاولة لإقناع زميلتها السابقة التي تصوّت لإردوغان، ولكن من دون جدوى.

غير أنّ جهودها نجحت مع بعض من في محيطها.

كذلك، تطوّعت مع زوجها للعمل كمراقبين خلال عملية الاقتراع، مع منظمة غير حكومية تتصدى للتزوير الانتخابي.

تقول "هذه فرصتنا الأخيرة (..) شعرنا بإحباط شديد غداة الدورة الأولى. ولكنّني أؤمن بالأمر الآن. تمّ حشد الجميع".