كليتشدار أوغلو هو أبرز منافسي إردوغان على مقعد الرئاسة
كليتشدار أوغلو هو أبرز منافسي إردوغان على مقعد الرئاسة

رغم أنه ليس الوحيد في مواجهة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في انتخابات 14 مايو، إلا أن الجميع في تركيا يعلم بأنه منافسه الأساسي والأبرز و"اللدود"، وبينما تتعلق عليه آمال المعارضة كونه يرأس أكبر أحزابها ومرشح تحالفها، بات كمال كليتشدار أوغلو على أبواب مستقبلٌ جديد، لا يعرف ما إذا "سيكون زاهرا أم قاتما عليه".

والسياسي كليتشدار أوغلو هو واحد من بين اثنين من الشخصيات السياسية في البلاد التي ستنافس إردوغان على مقعد الرئاسة لخمس سنوات مقبلة. وجاء اختياره بعد سلسلة اجتماعات مكوكية لستة أحزاب استمرت عامين، ضمن إطار ما يعرف بـ"الطاولة السداسية" (تحالف الأمة).

ولم يسبق وأن ترشح في السابق إلى انتخابات الرئاسة، وهذه هي المرة الأولى التي يخوضها في حياته، مع أنه لاعب أساسي في السياسة التركية للفترة ذاتها تقريبا التي يمتلكها الرئيس التركي، وقادم من خلفية اقتصادية.

"يمثل وجه المعارضة"

ومنذ سنوات، يتصدر كليتشدار أوغلو وجه المعارضة التي خسرت سلسلة من الانتخابات على مدى عقد من الزمان.

ويعرف بلهجة الانتقادية الحادة تجاه إردوغان والحزب الحاكم، ولطالما كان يوجه الاتهامات لهما بين اليوم والآخر، وكذلك الأمر بالنسبة لمسؤوليه.

في غضون ذلك، يرى حزبه "الجمهوري" نفسه حاملا لشعلة الأتاتوركية، وهي الأيديولوجية العلمانية الغربية لمؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك.

ولد كليتشدار أوغلو في عام 1948 لعائلة من الطائفة العلوية من بلدة ناظمي الواقعة في تونيجلي، وبعدما كانت هويته الدينية مثار جدل على لسان أعضاء من الأحزاب المتحالفة معه، صرّح مؤخرا ومن خلال تسجيل مصور بأنه "علوي".

وجاء ذلك ضمن رسالة وجهها بشكل أساسي إلى فئة الشباب، وخاطبهم بعبارة: "أنا علوي. هل أنتم مستعدون لتدمير هذا النظام الذي يقول لا يوجد علويون؟"، مضيفا: "أنا مسلم مخلص نشأ على عقيدة حق محمد وعلي. هويتنا هي كياننا الذي يجعلنا ما نحن عليه وبالطبع علينا المطالبة بها بكرامة".

أكمل منافس إردوغان تعليمه الابتدائي والثانوي في أجزاء مختلفة من الأناضول عندما كان طفلا، وبعد دخوله في سن الشباب تخرج من أكاديمية أنقرة للاقتصاد والعلوم التجارية (كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة غازي) عام 1971.

بدأ حياته المهنية في وزارة المالية بعد أن اجتاز امتحان أخصائي الحسابات عام 1971 وأكمل مسيرته المهنية كمدير عام للتأمينات الاجتماعية، وتقاعد منها عام 1999 طواعية.

بالنسبة لنشاطه السياسي، وبعد انضمامه إلى "حزب الشعب الجمهوري" خاض انتخابات البرلمان لمرتين في 2002 (تاريخ انضمامه) و2007، وفاز بالعضوية عن الدائرة الثانية في مدينة إسطنبول.

وكان قد ترشح لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى بالانتخابات المحلية التي أجريت في مارس 2009، لكنه نال 37 بالمئة فقط من الأصوات، فخسر المنصب لصالح مرشح حزب "العدالة والتنمية" قدير توباش.

بعد ذلك بعام تولى رئاسة "الشعب الجمهوري"، من خلال الحصول على 1189 صوتا صحيحا في المؤتمر الذي عقد بعد استقالة رئيس مجلس الإدارة، حينها، دينيز بايكال في 10 مايو 2010 بعد "فضيحة الكاسيت الجنسي".

كما أعيد انتخابه لرئاسة الحزب نفسه في 2014، وبقي عضوا دائما في البرلمان، وشغل منصب نائب رئيس مجموعة "الشعب الجمهوري"، حتى أعلن ترشيحه لمنصب الرئاسة في 14 مايو.

"مهندس التحالفات"

في عام 2014 أقدم كليتشدار أوغلو على خطوة وصفت بـ"الجذرية" آنذاك، إذ أسس تحالفا انتخابيا مع حزب "الحركة القومية"، الذي كان خصما شرسا لـ"الشعب الجمهوري"، خلال سبعينيات القرن الماضي.

وعلى إثر هذا التحالف رشح الحزبين أكمل الدين إحسان أوغلو في أغسطس 2014، بطريقة التصويت المباشر لكن هذا الاسم خسر أمام مرشح "العدالة والتنمية"، حينها وكان إردوغان.

وفي تشريعيات يونيو 2015 حصل حزبه على 24.96 بالمئة من الأصوات، وتمكن من الفوز بـ132 مقعدا، مواصلا الحفاظ على موقعه كثاني أكبر الأحزاب في البرلمان.

وبعد فشل تشكيل حكومة ائتلافية، دعا إردوغان إلى انتخابات مبكرة يوم الأول من نوفمبر 2015، وحصل فيها "الشعب الجمهوري" على المرتبة الثانية بنسبة 25.38 بالمئة، وفاز بـ134 مقعدا.

في عام 2017 تحولت تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، وفي 2018 قاد كليتشدار أوغلو تحالفا انتخابيا آخرا مع زعيمة "حزب الجيد" القومي المنشق عن "الحركة القومية" و"حزب السعادة" الذي يتزعمه تيميل كرم الله أوغلو.

وأطلق على ذلك التحالف حينها "الأمة" أيضا، ومع ذلك فاز إردوغان أمام مرشحهم حينها محرم إينجه بفارق كبير، بينما انشق الأخير عن "الشعب الجمهوري"، بسبب خلافه مع زعيمه في أعقاب الإعلان عن نتيجتهم الخاسرة.

ويوصف كليتشدار أوغلو بـ"مهندس التحالفات في حزبه العلماني"، ونتيجة لذلك كان قد قاد عدة حملات لدفع من يعارض ذلك في حزبه من الكماليين القدامى للاستقالة.

وفي 2019 وصف أيضا بـ"مهندس الفوز" ببلدتي إسطنبول وأنقرة، بعدما انخرط في تحالف "الأمة"، وحصل على دعم القاعدة التصويتية لـ"حزب الشعوب الديمقراطي" الموالي للأكراد، وهو ثالث أكبر حزب في البرلمان.

وفي هذه الانتخابات يواجه إردوغان ضمن "تحالف الأمة"، الذي يتكون من ستة أحزاب ضمن تشكيلة "استثنائية في تاريخ البلاد"، إذ تضم اليساريين والعلمانيين والقوميين والمحسوبين على تيارات الإسلام السياسي.

ومن زاوية "استثنائية" أيضا يحظى بدعم رفاق درب إردوغان السابقين، أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان، فضلا عن زعماء "حزب الشعوب الديمقراطي"، على رأسهم الزعيم السابق الذي يقبع في السجن، صلاح الدين ديميرتاش.

"وعد لك"

يعد كليتشدار أوغلو في حملاته الانتخابية التي يطلقها تحت شعار "وعد لك" بإعادة سيادة القانون إلى تركيا وتحسين الاقتصاد، من خلال فريق اقتصادي، من المقرر أن يضم كبار الخبراء المخضرمين في هذا المجال.

كما يعد أيضا بمستويات كبيرة من الحريات في البلاد، بعد الإقدام على خطوة إعادة النظام في تركيا من الرئاسية إلى البرلماني.

خلال الفترة الأخيرة حافظ كليتشدار أوغلو على "لغة هادئة" كان يتقرب فيها من الشارع، ومن خلال ظهوره ضمن تسجيلات مصورة نشرها كثيرا على موقع التواصل "تويتر"، من داخل غرفة المطبخ.

وبينما كان يتحدث عن الوضع الاقتصادي للبلاد والقانوني والمعيشي ومستوى الحريات، كان يوجه رسائل من بينها "يدا بيد كتفا بكتف سوف نتوج جمهوريتنا بالديمقراطية".

ولطالما وصف الحزب الحاكم "العدالة والتنمية"، وفي مقابله المعارضة، الانتخابات المقبلة بأنها ستكون "مصيرية وتاريخية".

ولذلك يرى مراقبون أن كلشدار أوغلو قد يسجّل التاريخ في أحد وجهين، إما بالفوز في الانتخابات الأكثر أهمية من جهة، أو خسارتها والانسحاب من المشهد السياسي.

من جانب آخر لا يعرف شكل السياسة الخارجية التي سيقودها كليتشدار أوغلو في حالة فوزه بالانتخابات، لكن المقربين منه يقولون إن الحكومة تحت قيادته ستعيد توجيه تركيا إلى الغرب مع الحفاظ على نهج متوازن مع روسيا.

ومن المتوقع أيضا أن يقدم زعيم "حزب الشعب" على تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، من أجل البحث عن طريقة لإعادة اللاجئين السوريين، "بشكل طوعي".

يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود للمواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه
يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود على المواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه

يقوم العديد من أنصار المعارضة التركية، بشكل مستقلّ عن الأحزاب التي يأخذون عليها عدم تحركها على الأرض، بتعبئة واسعة بين الناخبين لدفعهم للتصويت لكمال كليتشدار أوغلو في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فيطرقون أبواب المنازل موزّعين الزهور والحلوى ورسائل إقناع، في ظاهرة جديدة من نوعها.

تقدم الرئيس المنتهية ولايته، رجب طيب إردوغان، في الدورة الأولى من الانتخابات بفارق خمس نقاط (49,5 في المئة) على منافسه الاشتراكي الديمقراطي، كمال كيليتشدار أوغلو (45 في المئة)، ممّا تسبب في خيبة أمل عميقة في معسكر الأخير، بعدما كان مؤمنا الى حد بعيد بفوزه.

هذه المرة، منحت استطلاعات الرأي الصدارة لرئيس الدولة، ولكن في المعسكر المنافس هناك كثر ممّن يرفضون الاستسلام.

وتقول بهيس سايات (40 عاماً) التي تدير وكالة إعلانات في إسطنبول "لا مجال لليأس".

بالنسبة إليها، بدأ كلّ شيء عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" أنشأها سكّان حيِّها، الذين يأملون في التغلّب على الانقسامات وتبادل الأفكار مع ناخبين من المعسكر المعارض.  

"إنهم يكذبون"

غير أنّ المهمّة تبدو شاقّة في مواجهة رئيس منتهية ولايته يتهم المعارضة في خطاباته التي تُبَثّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات تقريباً، بـ"دعم الإرهاب.. ومجتمع الميم". 

وتضيف سايات "غداة الدورة الأولى، بدأنا البحث عن طرق للتغلّب على الاستقطاب والوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بالدعاية الحكومية".

وفي الرسالة التي كتبتها سايات ووزّعتها على أكثر من 600 شخص في حيّها بمساعدة صديقاتها، تقول "جاري العزيز، إنّهم يكذبون عليك ومستقبل بلادنا يُقلقنا". 

ظهرت رسائل مماثلة في جميع أنحاء تركيا، تدعو خصوصاً المتغيّبين الـ8,3 ملايين عن الدورة الأولى، للتصويت في الثانية.

وتتخذ هذه "الطريقة الجديدة في ممارسة السياسة" انطلاقاً من القاعدة، أشكالاً فنية أحياناً، إن كان عبر مقاطع فيديو أو عبر ملصقات ابتكرها مستخدمو الإنترنت لدعم المعارضة، أو غيرها من الأساليب.

وفي هذا الإطار، أنتجت كوراي أونات (32 عاما) التي تعمل في مجال الفنون السمعية والبصرية مقطعاً لأغنية انتقادية لاذعة تمّت مشاركتها أكثر من مليون ونصف مليون مرّة عبر "تويتر".

وتحمل الأغنية كلمات تنتقد إردوغان الذي تصفه بـ"السلطان"، مع عرض صور له ولتظاهرات طلابية تعرضت للقمع، ولمدن دمّرها الزلزال الذي أودى بأكثر من 50 ألف شخص في فبراير في تركيا. 

وتقول أونات "جعلَنا المقطع نشعر بأنه يمكن أن يكون لنا تأثير. لقد فعلنا ما في وسعنا للفوز في هذه الانتخابات".

من جهته، يقول علي غول من مجموعة "الأتراك الشباب" التي تقود أيضا حملة مدنية لصالح كيليتشدار أوغلو، "ليس من السهل الوصول إلى الناس الذين لا يشاهدون سوى القنوات الموالية للحكومة".

"التغلّب على الكراهية"

يرى الصحافي في صحيفة "بيرغون" أوزان غاندوغدو أن مثل هذه المبادرات يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقّع. 

قوبلت دعوته ناخبي المعارضة عبر "تويتر" للتحدّث "مع مناصري إردوغان والتغلّب على خطاب الكراهية" بآلاف الردود.

وقال "نحن 25 مليوناً. علينا إقناع 1,5 مليون من مناصري إردوغان، من أجل الفوز. عندما تنظرون إلى الأمور على هذا النحو، فإنّ الصورة ليست ميؤوساً منها". 

ومع ذلك، يُدرك غاندوغدو أنّ المهمة لا تزال صعبة.

ويقول "العقل يقودنا إلى التشاؤم. نظام الرجل الواحد يهيننا منذ أشهر. تمّت تسميتنا بأنّنا من دون عَلَم، من دون وطن، من دون دين، إرهابيون.. ولكن الناس يقاتلون لإنقاذ شرفهم ولإبراز إرادتهم عبر صندوق الاقتراع".

أمضت غامزة وهي أم لثلاثة أطفال، ثلاث ساعات على الهاتف في محاولة لإقناع زميلتها السابقة التي تصوّت لإردوغان، ولكن من دون جدوى.

غير أنّ جهودها نجحت مع بعض من في محيطها.

كذلك، تطوّعت مع زوجها للعمل كمراقبين خلال عملية الاقتراع، مع منظمة غير حكومية تتصدى للتزوير الانتخابي.

تقول "هذه فرصتنا الأخيرة (..) شعرنا بإحباط شديد غداة الدورة الأولى. ولكنّني أؤمن بالأمر الآن. تمّ حشد الجميع".