فتحت مراكز التصويت في تركيا أبوابها في الثامنة صباحا
فتحت مراكز التصويت في تركيا أبوابها في الثامنة صباحا

لن يمنح حكيم إكينجي، وهو مصفف شعر من إسطنبول طالما أيد الرئيس التركي، صوته لرجب طيب إردوغان في انتخابات، الأحد، وهو ما يرجعه إلى السياسات الاقتصادية التي أتت على القوة الشرائية للأتراك وتركت الكثيرين غير قادرين على تحمل شراء حتى المواد الغذائية الضرورية.

وصباح الأحد، توجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس الثالث عشر للبلاد، وللتصويت في الانتخابات البرلمانية بدورتها الثامنة والعشرين.

توجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس الثالث عشر للبلاد

وفتحت مراكز التصويت أبوابها في الثامنة صباحا (0500 بتوقيت غرينتش) على أن تغلق في الخامسة مساء (1400 بتوقيت غرينتش).

أزمة غلاء المعيشة

وفي السنوات العشر الأولى له في السلطة تمكن إردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) ذي الجذور الإسلامية من الحفاظ على قاعدة الناخبين المؤيدة لهما، المكونة أساسا من الأتراك ذوي الدخل المنخفض والمسلمين المحافظين، عبر تسجيل نمو اقتصادي قوي.

لكن أزمة غلاء المعيشة التي أثارها برنامج إردوغان الاقتصادي غير التقليدي على مدار فترة عام ونصف العام حتى الآن أدت إلى تآكل شعبيته، ليواجه أكبر التحديات الانتخابية في 20 عاما قضاها في السلطة.

وتظهر بعض استطلاعات الرأي أن نسبة تأييد إردوغان أقل من خصمه الرئيسي كمال كليتشدار أوغلو قبيل الجولة الأولى من التصويت، على الرغم من أن الفارق تقلص في الآونة الأخيرة.

لا يزال الغموض يكتنف السباق البرلماني مع احتمال فوز المعارضة بأغلبية ضئيلة

ولا يزال الغموض يكتنف السباق البرلماني، مع احتمال فوز المعارضة بأغلبية ضئيلة.

وقال إكينجي البالغ من العمر 63 عاما، بينما توقف مؤقتا عن قص شعر أحد العملاء في صالونه بمنطقة بشكطاش في إسطنبول "اعتدنا على أنه يمكننا شراء ملء ثلاثة إلى أربعة أكياس من البقالة بمبلغ 150 إلى 200 ليرة (7.7 إلى 10 دولارات)، لم نكن أنا وزوجتي نقدر على حملها. الآن بالكاد يمكننا ملء كيسين (بهذا المبلغ)".

وأضاف "يمكنني أن أقول إن المسؤولين هم من يتحكمون فينا. أعتقد أن الأمر يتعلق بقرارات خاطئة اتخذوها، اعتدت أن أكون من مؤيدي حزب العدالة والتنمية، لكنني لا أفكر في التصويت لصالحهم".

مستويات تضخم غير مسبوقة

تمثل آراء إكينجي ملايين الأتراك الذين اضطروا للتعامل مع التضخم الجامح لسنوات. 

وارتفعت أسعار المواد الغذائية 54 بالمئة على أساس سنوي في أبريل، مع انخفاض التضخم إلى 43.7 بالمئة بعد أن بلغ ذروته في أكتوبر عند 85.5 بالمئة، وهو أعلى مستوى خلال حكم إردوغان.

وظل التضخم السنوي أكثر من 10 بالمئة طوال خمس سنوات تقريبا منذ الانتخابات العامة في 2018. 

وبدأ يرتفع بشدة بعد أزمة العملة في أواخر عام 2021، والتي نجمت عن سلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة وفقا للسياسة الاقتصادية غير التقليدية لإردوغان.

وقال إكينجي إنه بدأ يتشكك في دعمه للرئيس ولحزب العدالة والتنمية لأسباب اقتصادية بعد فترة وجيزة من انتخابات 2018، واتخذ قرارا محددا بعدم التصويت لهما بعد أزمة العملة في عام 2021.

خسرت الليرة التركية 44 بالمئة من قيمتها في عام 2021، و30 بالمئة في عام 2022

وخسرت الليرة التركية 44 بالمئة من قيمتها في عام 2021، و30 بالمئة في عام 2022. 

وتراجعت بشكل إجمالي 76 بالمئة في الولاية الرئاسية الثانية لإردوغان والتي شهدت عدة أزمات للعملة بسبب السياسات الاقتصادية غير التقليدية وتطورات جيوسياسية مثل حرب أوكرانيا والخلافات بين أنقرة وواشنطن.

وقال إكينجي "سعر الصرف خرج على نطاق السيطرة. لا يمكننا تحمل أي شيء، لم ينفذوا أي شيء قالوه، وبالتالي فإنهم لا يستحقون أي ثقة".

الأقوال والأفعال

يعمل مصفف الشعر بمفرده بعد أن اضطر إلى تسريح موظفين اثنين، وقال إنه لا يستطيع الحصول على أي قروض مصرفية على الرغم من تخفيضات أسعار الفائدة لأن السلطات تحد من القروض الاستهلاكية من أجل تثبيت التضخم.

لكن العديد من الناخبين المؤيدين لحزب العدالة والتنمية ما زالوا يعتقدون أن إردوغان وحده هو من يمكنه إصلاح الاقتصاد، أو يلقون باللوم على عوامل أخرى في الوضع الراهن. 

وأكدت حليمة دومان، وهي من سكان إسطنبول، أن من يرفعون الأسعار لتحقيق أرباح أكبر هم المسؤولون عن ارتفاع تكاليف المعيشة. 

وقالت في سوق بوسط إسطنبول "أقسم أن إردوغان يستطيع حلها بإشارة منه".

وترى دومان إن المعارضة، بما فيها تحالف المعارضة الذي ينتمي إليه كليتشدار أوغلو، لا تقوى سوى على الأقوال، وقالت "إنهم لا يتخذون أي إجراء".

ومن جانبه قال بيرول باسكان، وهو كاتب ومحلل سياسي لا ينتمي إلى أي حزب، إن حتى أنصار إردوغان "المتعصبين" لا ينكرون أن الاقتصاد لا يسير على ما يرام كما كان في وقت سابق من عهده.

وأضاف "السبب وراء استمرار هذا الحزب في الفوز هو أنه قدم للناخبين امتيازات مادية معينة، هذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها هذا السحر ليس مجديا بسبب الاقتصاد وبسبب التضخم المرتفع وتكاليف المعيشة الكبيرة".

وقال "لقد أضر ذلك بمالية الناس بشدة، ولهذا أعتقد أن الفوز في هذه الانتخابات لم يعد مضمونا بهذا القدر".

"لا شيء سوى الجوع"

بعض الناخبين ليسوا واثقين في أن المعارضة ستخفف على الفور المخاوف الاقتصادية أيضا. 

ويقول طلعت جول، وهو عامل في مجال أحجار الرخام لم يصوت أبدا لحزب العدالة والتنمية أو حلفائه، إنه لا يرى حوله حاليا "سوى الجوع"، لكنه يشك في أن الأمور ستتغير سريعا للأفضل إذا فازت المعارضة.

وقال وهو يتجول في سوق المزارعين "لقد أوجدوا على مدار 21 عاما ماضيا تركيا لا يمكن تغييرها، سيستغرق الأمر 20 عاما لتتعافى، بغض النظر عمن سيصل إلى السلطة. لكنني أريد فقط أن يرحل (إردوغان)".

ولم يقر إكينجي بعد لمن من المرشحين الثلاثة المنافسين لإردوغان سوف يمنح صوته، وقال" أوغلو ربما يكون شخصا نزيها، لكنهم لم يعلنوا عن أي شيء يقنعني".

وقال "أريد أن ينخفض سعر الدولار (بعد الانتخابات)، أريد أن ينخفض سعر البنزين، أريد أن ينخفض التضخم، أريد أن أعود إلى ما كانت عليه حياتي قبل خمس أو ست سنوات، أريد أن أكون قادرا على الخروج للنزهة، والسفر إلى الخارج".

يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود للمواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه
يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود على المواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه

يقوم العديد من أنصار المعارضة التركية، بشكل مستقلّ عن الأحزاب التي يأخذون عليها عدم تحركها على الأرض، بتعبئة واسعة بين الناخبين لدفعهم للتصويت لكمال كليتشدار أوغلو في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فيطرقون أبواب المنازل موزّعين الزهور والحلوى ورسائل إقناع، في ظاهرة جديدة من نوعها.

تقدم الرئيس المنتهية ولايته، رجب طيب إردوغان، في الدورة الأولى من الانتخابات بفارق خمس نقاط (49,5 في المئة) على منافسه الاشتراكي الديمقراطي، كمال كيليتشدار أوغلو (45 في المئة)، ممّا تسبب في خيبة أمل عميقة في معسكر الأخير، بعدما كان مؤمنا الى حد بعيد بفوزه.

هذه المرة، منحت استطلاعات الرأي الصدارة لرئيس الدولة، ولكن في المعسكر المنافس هناك كثر ممّن يرفضون الاستسلام.

وتقول بهيس سايات (40 عاماً) التي تدير وكالة إعلانات في إسطنبول "لا مجال لليأس".

بالنسبة إليها، بدأ كلّ شيء عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" أنشأها سكّان حيِّها، الذين يأملون في التغلّب على الانقسامات وتبادل الأفكار مع ناخبين من المعسكر المعارض.  

"إنهم يكذبون"

غير أنّ المهمّة تبدو شاقّة في مواجهة رئيس منتهية ولايته يتهم المعارضة في خطاباته التي تُبَثّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات تقريباً، بـ"دعم الإرهاب.. ومجتمع الميم". 

وتضيف سايات "غداة الدورة الأولى، بدأنا البحث عن طرق للتغلّب على الاستقطاب والوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بالدعاية الحكومية".

وفي الرسالة التي كتبتها سايات ووزّعتها على أكثر من 600 شخص في حيّها بمساعدة صديقاتها، تقول "جاري العزيز، إنّهم يكذبون عليك ومستقبل بلادنا يُقلقنا". 

ظهرت رسائل مماثلة في جميع أنحاء تركيا، تدعو خصوصاً المتغيّبين الـ8,3 ملايين عن الدورة الأولى، للتصويت في الثانية.

وتتخذ هذه "الطريقة الجديدة في ممارسة السياسة" انطلاقاً من القاعدة، أشكالاً فنية أحياناً، إن كان عبر مقاطع فيديو أو عبر ملصقات ابتكرها مستخدمو الإنترنت لدعم المعارضة، أو غيرها من الأساليب.

وفي هذا الإطار، أنتجت كوراي أونات (32 عاما) التي تعمل في مجال الفنون السمعية والبصرية مقطعاً لأغنية انتقادية لاذعة تمّت مشاركتها أكثر من مليون ونصف مليون مرّة عبر "تويتر".

وتحمل الأغنية كلمات تنتقد إردوغان الذي تصفه بـ"السلطان"، مع عرض صور له ولتظاهرات طلابية تعرضت للقمع، ولمدن دمّرها الزلزال الذي أودى بأكثر من 50 ألف شخص في فبراير في تركيا. 

وتقول أونات "جعلَنا المقطع نشعر بأنه يمكن أن يكون لنا تأثير. لقد فعلنا ما في وسعنا للفوز في هذه الانتخابات".

من جهته، يقول علي غول من مجموعة "الأتراك الشباب" التي تقود أيضا حملة مدنية لصالح كيليتشدار أوغلو، "ليس من السهل الوصول إلى الناس الذين لا يشاهدون سوى القنوات الموالية للحكومة".

"التغلّب على الكراهية"

يرى الصحافي في صحيفة "بيرغون" أوزان غاندوغدو أن مثل هذه المبادرات يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقّع. 

قوبلت دعوته ناخبي المعارضة عبر "تويتر" للتحدّث "مع مناصري إردوغان والتغلّب على خطاب الكراهية" بآلاف الردود.

وقال "نحن 25 مليوناً. علينا إقناع 1,5 مليون من مناصري إردوغان، من أجل الفوز. عندما تنظرون إلى الأمور على هذا النحو، فإنّ الصورة ليست ميؤوساً منها". 

ومع ذلك، يُدرك غاندوغدو أنّ المهمة لا تزال صعبة.

ويقول "العقل يقودنا إلى التشاؤم. نظام الرجل الواحد يهيننا منذ أشهر. تمّت تسميتنا بأنّنا من دون عَلَم، من دون وطن، من دون دين، إرهابيون.. ولكن الناس يقاتلون لإنقاذ شرفهم ولإبراز إرادتهم عبر صندوق الاقتراع".

أمضت غامزة وهي أم لثلاثة أطفال، ثلاث ساعات على الهاتف في محاولة لإقناع زميلتها السابقة التي تصوّت لإردوغان، ولكن من دون جدوى.

غير أنّ جهودها نجحت مع بعض من في محيطها.

كذلك، تطوّعت مع زوجها للعمل كمراقبين خلال عملية الاقتراع، مع منظمة غير حكومية تتصدى للتزوير الانتخابي.

تقول "هذه فرصتنا الأخيرة (..) شعرنا بإحباط شديد غداة الدورة الأولى. ولكنّني أؤمن بالأمر الآن. تمّ حشد الجميع".