أردوغان داخل آيا صوفيا/ أرشيف
أردوغان داخل آيا صوفيا/ أرشيف

سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على ما اعتبرته جهود الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لـ"توجيه الثقافة التركية للحفاظ على قوته"، مبرزة أن أردوغان سعى خلال سنوات حكمه الأخيرة إلى تأجيج المشاعر القومية المرتبطة بالماضي العثماني، ومواجهة معارضيه الفنانين والمثقفين بالسجن والرقابة.

وذكَرت الصحيفة أن أردوغان قرر قبل يوم واحد من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، زيارة آيا صوفيا لأداء صلاة العشاء، وذلك لـ"تذكير ناخبيه بما قدمه لهم"، حيث أشارت الصحيفة في هذا الجانب إلى مسار تحويل هذ المعلم التاريخي من كاتدرائية إلى مسجد خلال العهد العثماني ثم متحف خلال فترة حكم كمال أتاتورك، وصولا إلى عام 2020 وقراره تحويلها إلى مسجد.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأتراك عندما سيعودون إلى صناديق الاقتراع، الأحد، في جولة التصويت الثانية، فإنهم سيصوتون جزئيا على الأيديولوجية السياسية الكامنة وراء هذا "التحول الثقافي".

في هذا الجانب، يقول إدهم إلديم، أستاذ التاريخ في جامعة بوغازيتشي في اسطنبول، إن آيا صوفيا  "تتويج للحلم العثماني الجديد" الذي يتبناه أردوغان وأنصاره، مشيرا إلى أنه "يتم نقل المعارك السياسية والأيديولوجية والمناقشات والآراء الجدلية إلى الماضي، من خلال فهم بدائي للتاريخ".

"ثورة أردوغان الثقافية"

وبعد أن نجا من جولة أولى صعبة من التصويت في وقت سابق من هذا الشهر، ترجح التوقعات فوز أردوغان في الجولة الثانية من الانتخابات ضد مرشح المعارضة كمال كيليشدار أوغلو، بحسب الصحيفة.

ولفت تقرير الصحيفة الأميركية إلى أنه إذا كان صعود الثقافة والهوية على حساب الاقتصاد السمة المميزة للسياسة خلال القرن الحالي، فإنه يمكن القول إن تركيا "موطن واحدة من أطول الحروب الثقافية"، موضحة أنه على مدى السنوات العشرين الماضية، سعى أردوغان إلى تقوية مشاعر "الحنين إلى الماضي العثماني" سواء في مجالات الصناعة الفنية والثقافية أو من خلال قرارات وإجراءات تهم المعالم الأثرية الكبرى.

وأبرزت الصحيفة أن التلفزيون والموسيقى والمعالم الأثرية والنصب التذكارية كانت كلها "أدوات رئيسية في مشروع أردوغان السياسي القائم على تأجيج المشاعر الوطنية والقومية"، لافتة إلى أن القومية، وليس الدين، هي المحرك الحقيقي لما وصفته بـ"ثورة أردوغان الثقافية".

وأبرز المصدر ذاته أن احتفاء الرئيس التركي بالماضي العثماني توازيه جهوده القومية التي "لا علاقة لها بالإسلام" عكس ما يعقتده الكثيرون بخارج تركيا، لافتا إلى الحملات القوية التي شنتها الحكومة لاستعادة آثار يونانية ورومانية من المتاحف الغربية.
في سياق متصل، يقول أستاذ التاريخ، إن القومية "ليست جديدة في تركيا"، موضحا أن النخبة العلمانية التي هيمنت على السياسة لعقود حتى انتصار إردوغان في عام 2003، استغلت أيضا "الموضوعات القومية والثقافة لبلوغ غاياتهم السياسية"، موضحا أن السينما التركية كانت في بداياتها تمجد إنجازات مصطفى كمال أتاتورك.

في السياق ذاته، سجلت الصحيفة أن الدراما التلفزيونية التركية تحظى بشعبية كبيرة محليا وبعدد من دول العالم الإسلامي، حيث تحقق إنتاجاتها مئات الملايين من المشاهدين في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وأبرزت الصحيفة أن من بين أكثر الأعمال شهرة مسلسلات "القيامة: أرطغل" حول زعيم تركي من القرن الثالث عشر، أو «كورولوس: عثمان»، وهو عمل ملحمي عن الفترة العثمانية.

تقول آيس كافدار، عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية إن هذه الأعمال تعيد تدوير أفكار أردوغان وخطاباته عن الماضي العثماني للبلد، مشيرة "عندما يواجه أردوغان صراعات أو مشاكل في الوقت الحالي، يتم إعادة صياغتها في إنتاجات فنية خيالية عن الفترة العثمانية".

وتضيف كافدار: "في هذه المسلسلات شبه التاريخية، الأبطال حاسمون وشجعان ومجيدون، لكن الأنظمة السياسية التي يقودونها هشة، ومتأرجحة ومهددة من قبل الغرباء"، مشيرة إلى أن في عدد من الأعمال "يكون قادة الدول الناشئة معرضين للخطر.. كما لو أن هذا الرجل لم يحكم الدولة منذ 20 عامًا!".

"رقابة وتضييق"

وأوضحت الصحيفة أن الكتاب والفنانين والمثقفين المستقلين أو المعارضين يواجهون "رقابة وتضييقات أو ما هو أسوأ من ذلك.. السجن"، مضيفة أن احتمال تغيّر الحكومة لم يكن بالنسبة لهم "ليس مسألة تفضيل سياسي بقدر ما هو مسألة بقاء".

ومنذ تصاعد الحركة الاحتجاجية المطالبة بالتغيير عام 2013، اتخذ أردوغان، بحسب الصحيفة، "منعطفا صعبا نحو الحكم الاستبدادي"، مشيرة إلى أن العديد من الشخصيات الثقافية ما تزال مسجونة، ومن بينها المهندس المعماري موسيلا يابيتشي، وصانعي الأفلام مين أوزيردين وسيدغام ماتر والمحسن الفني عثمان كافالا.

كما أشارت إلى أن كتابا من أمثال كان دوندار وأسلي أردوغان (لا صلة عائلية تربطه بالرئيس)، سُجنوا خلال حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت الانقلاب العسكري الفاشل لعام 2016، ويعيشون اليوم في المنفى في ألمانيا.

كما ألغيت في العام الماضي فقط أكثر من 12 حفلة موسيقية، من بينها حفل لعازف الكمان آرا مالكيان ، وهو من أصل أرمني، ومنعت أغنية للمغنية الشعبية الكردية، عينور دوغان.

ووصلت التوترات إلى ذروتها هذا الشهر، قبل وقت قصير من الجولة الأولى من الانتخابات عندما قُتل مغني كردي طعناً في محطة عبّارات بعد رفضه غناء أغنية وطنية تركية.

في هذا الجانب، تقول الفنانة التركية، بانو سينيت أوغلو، إن استراتيجية الحكومة "تنجح مع تقلص وسائل الإعلام المستقلة، وصمت جميع المؤسسات الفنية والثقافية منذ خمس سنوات"، مضيفة: "هذا أمر غير مقبول، متى سنقول لا ونضع الخط الأحمر" لكل هذه التجاوزات.

وأبرزت الصحيفة أنه سواء فاز أردوغان في الانتخابات، الأحد أم لا، فهناك "رياح معاكسة لا يمكن لأي قدر من القومية الثقافية مواجهتها"، وتتمثل أساسا في التضخم وأزمة الليرة ومعها المشاكل الاقتصادية الأخرى، في هذا الجانب يقول أستاذ التاريخ التركي، أمام هذه الأوضاع في المستقبل "لا يوجد مكان للتراث.. والعثمانيون لن ينقذوك".

يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود للمواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه
يوزع المؤيدون لمرشح المعارضة في الانتخابات التركية الورود على المواطنين ويدعونهم للانتخاب لصالحه

يقوم العديد من أنصار المعارضة التركية، بشكل مستقلّ عن الأحزاب التي يأخذون عليها عدم تحركها على الأرض، بتعبئة واسعة بين الناخبين لدفعهم للتصويت لكمال كليتشدار أوغلو في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فيطرقون أبواب المنازل موزّعين الزهور والحلوى ورسائل إقناع، في ظاهرة جديدة من نوعها.

تقدم الرئيس المنتهية ولايته، رجب طيب إردوغان، في الدورة الأولى من الانتخابات بفارق خمس نقاط (49,5 في المئة) على منافسه الاشتراكي الديمقراطي، كمال كيليتشدار أوغلو (45 في المئة)، ممّا تسبب في خيبة أمل عميقة في معسكر الأخير، بعدما كان مؤمنا الى حد بعيد بفوزه.

هذه المرة، منحت استطلاعات الرأي الصدارة لرئيس الدولة، ولكن في المعسكر المنافس هناك كثر ممّن يرفضون الاستسلام.

وتقول بهيس سايات (40 عاماً) التي تدير وكالة إعلانات في إسطنبول "لا مجال لليأس".

بالنسبة إليها، بدأ كلّ شيء عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" أنشأها سكّان حيِّها، الذين يأملون في التغلّب على الانقسامات وتبادل الأفكار مع ناخبين من المعسكر المعارض.  

"إنهم يكذبون"

غير أنّ المهمّة تبدو شاقّة في مواجهة رئيس منتهية ولايته يتهم المعارضة في خطاباته التي تُبَثّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات تقريباً، بـ"دعم الإرهاب.. ومجتمع الميم". 

وتضيف سايات "غداة الدورة الأولى، بدأنا البحث عن طرق للتغلّب على الاستقطاب والوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بالدعاية الحكومية".

وفي الرسالة التي كتبتها سايات ووزّعتها على أكثر من 600 شخص في حيّها بمساعدة صديقاتها، تقول "جاري العزيز، إنّهم يكذبون عليك ومستقبل بلادنا يُقلقنا". 

ظهرت رسائل مماثلة في جميع أنحاء تركيا، تدعو خصوصاً المتغيّبين الـ8,3 ملايين عن الدورة الأولى، للتصويت في الثانية.

وتتخذ هذه "الطريقة الجديدة في ممارسة السياسة" انطلاقاً من القاعدة، أشكالاً فنية أحياناً، إن كان عبر مقاطع فيديو أو عبر ملصقات ابتكرها مستخدمو الإنترنت لدعم المعارضة، أو غيرها من الأساليب.

وفي هذا الإطار، أنتجت كوراي أونات (32 عاما) التي تعمل في مجال الفنون السمعية والبصرية مقطعاً لأغنية انتقادية لاذعة تمّت مشاركتها أكثر من مليون ونصف مليون مرّة عبر "تويتر".

وتحمل الأغنية كلمات تنتقد إردوغان الذي تصفه بـ"السلطان"، مع عرض صور له ولتظاهرات طلابية تعرضت للقمع، ولمدن دمّرها الزلزال الذي أودى بأكثر من 50 ألف شخص في فبراير في تركيا. 

وتقول أونات "جعلَنا المقطع نشعر بأنه يمكن أن يكون لنا تأثير. لقد فعلنا ما في وسعنا للفوز في هذه الانتخابات".

من جهته، يقول علي غول من مجموعة "الأتراك الشباب" التي تقود أيضا حملة مدنية لصالح كيليتشدار أوغلو، "ليس من السهل الوصول إلى الناس الذين لا يشاهدون سوى القنوات الموالية للحكومة".

"التغلّب على الكراهية"

يرى الصحافي في صحيفة "بيرغون" أوزان غاندوغدو أن مثل هذه المبادرات يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقّع. 

قوبلت دعوته ناخبي المعارضة عبر "تويتر" للتحدّث "مع مناصري إردوغان والتغلّب على خطاب الكراهية" بآلاف الردود.

وقال "نحن 25 مليوناً. علينا إقناع 1,5 مليون من مناصري إردوغان، من أجل الفوز. عندما تنظرون إلى الأمور على هذا النحو، فإنّ الصورة ليست ميؤوساً منها". 

ومع ذلك، يُدرك غاندوغدو أنّ المهمة لا تزال صعبة.

ويقول "العقل يقودنا إلى التشاؤم. نظام الرجل الواحد يهيننا منذ أشهر. تمّت تسميتنا بأنّنا من دون عَلَم، من دون وطن، من دون دين، إرهابيون.. ولكن الناس يقاتلون لإنقاذ شرفهم ولإبراز إرادتهم عبر صندوق الاقتراع".

أمضت غامزة وهي أم لثلاثة أطفال، ثلاث ساعات على الهاتف في محاولة لإقناع زميلتها السابقة التي تصوّت لإردوغان، ولكن من دون جدوى.

غير أنّ جهودها نجحت مع بعض من في محيطها.

كذلك، تطوّعت مع زوجها للعمل كمراقبين خلال عملية الاقتراع، مع منظمة غير حكومية تتصدى للتزوير الانتخابي.

تقول "هذه فرصتنا الأخيرة (..) شعرنا بإحباط شديد غداة الدورة الأولى. ولكنّني أؤمن بالأمر الآن. تمّ حشد الجميع".