آلاف الأتراك احتفلوا بفوز إردوغان
آلاف الأتراك احتفلوا بفوز إردوغان

بفوزه على منافسه، كمال كليتشدار أوغلو، يضيف الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، 5 سنوات أخرى إلى سنوات حكمه، بعدما  ترك بصماته على ربع القرن الأخير من التاريخ السياسي لتركيا، وبات أول رئيس في تاريخ البلاد يتم انتخابه 3 مرات متتالية.

شمل النصف الأول من ولاية إردوغان إصلاحات سمحت للبلاد ببدء محادثات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأدت سياساته إلى إحداث نمو اقتصادي انتشل الكثيرين من براثن الفقر، لكن مع سنوات حكمه، واجه الرئيس المحافظ اتهامات بقمع الحريات والإعلام والانفراد بالسلطة، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016.

وألقى عديدون باللوم على سياساته الاقتصادية غير التقليدية في ارتفاع معدلات التضخم، التي غذت أزمة غلاء المعيشة، وانتقدوا حكومته لبطء الاستجابة للزلزال الذي أودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص في فبراير الماضي.

وخارجيا، استعرضت تركيا خلال حكمه قوتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، واستخدمت  حق النقض ضد محاولة السويد الانضمام إلى "الناتو"، واشترت أنظمة دفاع صاروخي روسية، مما أثار غضب الولايات المتحدة، لكنها ساعدت أيضا في التوسط باتفاق سمح بشحن الحبوب الأوكرانية وتجنب حدوث أزمة غذاء عالمية.

أما المنافس الرئيسي لإردوغان، كليتشدار أوغلو، فهو مرشح علماني ينادي بالحرية والديمقراطية، وكان ممثلا لتحالف المعارضة الذي تعهد خلال الحملة الانتخابية بإلغاء التعديلات الدستورية التي أقرتها حكومة إردوغان، في استفتاء عام 2017، وتوسعت بموجها بشكل كبير سلطات الرئاسة على حساب البرلمان.

ومع ذلك، حقق إردوغان، الذي ظل على رأس السلطة في تركيا لمدة 21 عاما، انتصارا في الجولة الأولى من الانتخابات في 14 مايو. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يفشل فيها بالفوز في الانتخابات على الفور، لكنه استطاع إنهاء السباق، الأحد، على الرغم من الأزمات الاقتصادية وتبعات الزلزال.

واحتفل مئات الآلاف من أنصاره وهم يلوحون بالأعلام حتى وقت متأخر من الليل، مما عكس الحماس الذي يستطيع أن يولده إردوغان وسياساته ذات المرجعية الإسلامية بين مؤيديه، وذلك رغم الصعوبات الاقتصادية غير المسبوقة في عهده، التي اعتقد كثيرون أنها قد تتسبب في هزيمته، وفق رويترز.

وفي محافظة ديار بكر التي تقطنها أغلبية كردية، وهي واحدة من 11 منطقة ضربها زلزال 6 فبراير المدمر، قال مصطفى يسيل، المتقاعد البالغ من العمر 60 عاما، إنه صوت لصالح "التغيير".

وأضاف لأسوشيتد برس: "لست سعيدا على الإطلاق بالطريقة التي تسير بها هذه البلاد... إذا استمرت هذه الإدارة الحالية، فأنا لا أرى أشياء جيدة للمستقبل... أرى أن ذلك سينتهي بشكل سيء... هذه الإدارة يجب أن تتغير".

لكن محمد يورتاس، أحد أنصار إردوغان، اختلف مع ذلك. وقال صاحب المتجر البالغ من العمر 57 عاما: "أعتقد أن وطننا في حالة جيدة جدا.. مسار بلدنا جيد جدا وسيظل على ما يرام".

رسائل قومية ومحافظة

واحتفظ إردوغان خلال ولايته بدعم الناخبين المحافظين الذين ظلوا مخلصين له من أجل رفع صورة الإسلام في تركيا، التي تأسست على مبادئ علمانية، ولزيادة نفوذ البلاد في السياسة العالمية.

وقالت رويترز إن فوز إردوغان يؤكد أنه لا يزال يحتفظ بتأثيره على ملايين الأتراك بعد 21 عاما في السلطة، إذ يعتقد كثيرون أنه الرجل الأنسب لحل المشكلات التي يقول منتقدوه إنه صنع جزءا منها بنفسه.

وقال عمر، وهو واحد من بين آلاف الأشخاص الذين تجمعوا عند القصر الرئاسي في أنقرة: "اليوم يوم سعدنا. لقد فاز رئيسنا. أشعر وكأنني ذاهب لأداء فريضة الحج في مكة".

وتقول مجلة تايم في تحليل لأسباب فوز إردوغان إن خصومه استفادوا من السخط المتزايد ضد سياساته وأطلقوا حملة تركزت على عكس سياساته معتقدين أن لديهم فرصة قوية للإطاحة به.

ودخل إردوغان سباق مايو متأخرا في استطلاعات الرأي. وكان على حملته أن تتعامل مع المشكلات الاقتصادية والانتقادات لبطء استجابتها لأزمة زلزال فبراير.

كمال كليتشدار أوغلو فشل في الإطاحة بإردوغان

لكن إردوغان، الخطيب الماهر والسياسي المخضرم الذي فاز في عشرات المناسبات الانتخابية انتصر بعدما اعتمد على خطاب مزج بين الاتجاهين المحافظ والقومي لمهاجمة خصمه كليتشدار أوغلو، وفق رويترز، وكان إردوغان يتودد لمؤيديه من المسلمين المحافظين، بوصفه المعارضة مرارا في تجمعاته الانتخابية بأنها مؤيدة لـ"مجتمع الميم".

وأطلق في هذا الصدد حملة اتهم فيها منافسه بأنه على صلة بالإرهاب، محذرا الناخبين من أن البلاد سوف تواجه حالة من الفوضى، إذا وصل تحالف المعارضة إلى السلطة، وفق بوليتيكو.

في الفترة التي سبقت الجولة الثانية من التصويت، واصل إردوغان استمالة القوميين، وذهب إلى حد نشر مقاطع فيديو (يقول معارضوه إنها مزيفة) تتهم منافسه بأنه على صلة بحزب العمال الكردستاني، الذي ينظر العديد من الأتراك إليه على أنه منظمة معادية. 

ويقر بعض مؤيدي إردوغان بالأوقات الصعبة التي تعيشها البلاد حاليا، لكنهم قالوا إنه الرجل الذي ساعد على تحسين الوضع.

"مشكلات صنعها وقادر على حلها"

وقالت نوران بعد الإدلاء بصوتها في إسطنبول لرويترز: "نحن نحبه كثيرا... البلاد لديها العديد من المشاكل ولكن إذا كان بمقدور أحد أن يحلها سيكون هو (أردوغان)".

وصوت آخرون، بناء على تقييمهم لفترة حكمه الطويلة، واستشهدوا بتنامي القوة الاقتصادية والدبلوماسية لتركيا منذ توليه السلطة عام 2003.

وقال عامل البناء عمر كوسكول (58 عاما) في إسطنبول لرويترز: "أعطيت صوتي لإردوغان لأنه زعيم عالمي. أعطيته صوتي لأنني أقدر الأشياء التي فعلها من أجل تركيا. لقد غير النظام الصحي للأبد. قام ببناء الطرق".

ويقول المحلل السياسي التركي، علاء الدين إسماعيل، لموقع الحرة، إن الأتراك جربوا إردوغان لمدة 20 عاما، ويرون أن التجربة بمجملها كانت "ناجحة"، مشيرا إلى أن العديد من الأتراك لا يتهمون الحكومة بالعجز عن إدارة الأزمة الاقتصادية باعتبار أنها كانت أزمة عالمية، لا تخص تركيا وحدها.

ويشير إلى أنهم يقارنون بين موقف الحكومة الحالية من الزلازل الأخير وأزمة زلزال عام 1999 المدمر وطريقة استجابة الحكومة آنذاك له ، وعجزها عن مساعدة المنكوبين، في حين استطاعت الحكومة التعامل بشكل أفضل مع الأمر.

لكن المحلل يقول إن آخرين من المتضررين اختاروا التصويت لصالح مرشح المعارضة لأنهم يرون أن الحكومة لم تتعامل مع الأزمة بشكل جيد ولأسباب إيدولوجية أخرى.

وتقول رويترز إن أداء إردوغان جاء خلافا للتوقعات التي قالت إنه سيدفع ثمنا سياسيا في أعقاب الزلزال، كما احتل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس المركز الأول في 10 مقاطعات من أصل 11 ضربتها الزلازل، مما ساعده، والأحزاب المتحالفة معه، على تأمين أغلبية برلمانية في الانتخابات التشريعية التي جرت بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية هذا الشهر.

وقالت روضة قاوقجي، النائبة السابقة عن حزب العدالة والتنمية، إن الناخبين اختاروا زعيما "يثقون به في الاقتصاد، ويثقون به لبناء منازل للمتضررين من الزلازل، شخص يثقون به دائما من أجل أمن البلاد".

ويعتقد المحلل يوسف كاتب أوغلو، في تصريحات لموقع الحرة، أن حكومة إردوغان تعاملت بشفافية مع موضوع الزلزال، إذ فضلت عدم تأجيل الانتخابات رغم أنه كان بمقدورها ذلك.

ويرى أن إردوغان وحزبه استطاعا النهوض بتركيا خلال 21 عاما اقتصاديا، إذ استطاعت تركيا الانضمام لمجموعة العشرين، وتمكن من إلغاء ديون صندوق النقد الدولي، والنهوض بمستوى الرفاهية رغم تبعات الوضع الاقتصادي.

ويضيف أن إردوغان استطاع تحقيق إنجازات في القطاعين التعليمي والصحي، إذ زادت في عهده الجامعات من 72 إلى 217 وزاد عدد المدن الطبية إلى 25 مع هدف الوصول إلى 45، وزاد عدد المطارات من 23 إلى 57 .

ويرى أن معظم هذه الإنجازات أدت إلى "تطور حقيقي" في تركيا.

وتشير رويترز إلى أن الشعارات القومية ساعدت إردوغان على صرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية، بما في ذلك أزمة غلاء المعيشة التي حمل معارضون مسؤوليتها إلى حد كبير على سياساته الاقتصادية غير التقليدية.

وتقول تايم إن الانتخابات مالت أكثر لصالح إردوغان، هذا الأسبوع، بعد أن ألقى سنان أوغان، السياسي القومي اليميني، الذي احتل المركز الثالث في الجولة الأولى من الانتخابات، بثقله خلف الرئيس التركي.

في غضون ذلك، حاول خصمه استمالة القوميين بعد أن تعهد بطرد اللاجئين إذا تم انتخابه في حين أن تركيا هي موطن لما يقرب من 4 ملايين لاجئ. وتشير "بوليتيكو" إلى أن هذه الخطوة أثبتت فشلها في النهاية. 

أخطاء المعارضة

ويشير كاتب أوغلو في تصريحاته لموقع الحرة إلى ما سماها أخطاء المعارضة خلال الحملة الانتخابية ومرشحها الذي "لم ينجح في إعطاء مصداقية لدى الناخب، وفشل في إطلاق وعود حقيقية، ولجأ إلى أساليب ضبابية في طرح خططه".

ويعتقد كاتب أوغلو أن أروغان نجح في استمالة المشاعر الوطنية والقومية بإظهار قدرته على الدفاع عن سيادة البلاد، واستقلالها على المسرح الدولي وهو ما أقنع الناخب التركي.

وتشير مجلة "تايم" إلى أن أحد أسباب فوز إردوغان وحلفائه سيطرتهم على المكونات الرئيسية للدولة، بما في ذلك وسائل الإعلام والقضاء. 

تأثير إردوغان

ويقول مؤيدو المعارضة إن الانتخابات عكست قبضة إردوغان على السلطة، ويتمثل ذلك في تأثيره شبه الكامل على وسائل الإعلام في البلاد، التي تسيطر عليها إلى حد كبير مجموعات موالية للحزب الحاكم.

وكان كليتشدار أوغلو اعتبر في خطابه بعد الانتخابات أن انتخابات الأحد كانت "أكثر عملية انتخابية غير عادلة منذ سنوات"، مشيرا إلى حشد كل موارد الدولة لصالح منافسه.

وفي المقابل، سخر إردوغان من منافسه قائلا: "وداعا وداعا كمال".

وتقول "تايم" إن حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمه كليتشدار أوغلو "ضعيف أيضا، لاسيما في المناطق الريفية، خاصة في الأجزاء الشرقية من تركيا والأناضول، وفي المدن والقرى الصغيرة، وهذا هو المكان الذي يتمتع فيه حزب إردوغان بقوة كبيرة".

Istanbul's incumbent Mayor and mayoral candidate Ekrem Imamoglu delivers a speech amid the first partial ballot counting of the…
إمام أوغلو يلقي خطابا أثناء الفرز الجزئي الأول لأصوات الانتخابات البلدية، في إسطنبول في 31 مارس 2024.

أعلن مرشح حزب "الشعب الجمهوري" المعارض في تركيا، أكرم إمام أوغلو فوزه برئاسة بلدية إسطنبول، قائلا إنه تقدم على منافسه مراد قوروم بفارق "مليون صوت".

وأضاف إمام أوغلو في أول خطاب له بعد فرز أكثر من 70 بالمئة من صناديق الاقتراع: "فزنا ببلديات 14 منطقة كانت معنا في الفترة الماضية بإسطنبول وأضفنا إليها بلديات جديدة وننتظر حسم فرز الأصوات فيها".

وتابع: "يمكنني القول الآن أن سكان إسطنبول منحونا صلاحية إدارة بلدية إسطنبول لولاية ثانية".

كما أشار إلى أن "أهدافهم تحققت على مستوى المنطقة أيضا".

من جانبه قال مرشح "الشعب الجمهوري" في أنقرة، منصور يافاش بعدما أعلن الفوز في الانتخابات إن "الخاسر هو تورغوت ألتينوك (مرشح التحالف الحاكم)".

وأضاف: "مواطنونا قرروا، ونحن نحترم ذلك، حظا سعيدا".

وتظهر النتائج الأولية لانتخابات البلدية التي انطلقت صباح الأحد فوزا ساحقا حققه "الشعب الجمهوري" أكبر أحزاب المعارضة في معظم المدن التركية الكبرى.

في المقابل مني تحالف "الجمهور" الحاكم المشكل من "العدالة والتنمية" الحاكم و"الحركة القومية" بخسارة مدوية وخاصة في مدينة إسطنبول وأنقرة ومدن تركية كبرى أخرى، بينها إزمير وأنطاليا.

ومن المقرر أن تعلن "الهيئة العليا للانتخابات" بشكل رسمي نتائج الانتخابات في الساعات المقبلة.

ولم يصدر أي تعليق من تحالف الجمهور الحاكم حتى ساعة إعداد هذا التقرير.

وقالت رئاسة الاتصالات التركية إن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سيلقي خطابا من مقره حزبه في العاصمة أنقرة في الساعة 12:30 بالتوقيت المحلي.