إحدى الكرديات ترفع العلم القومي الكردي في تجمع بتركيا
إحدى الكرديات ترفع العلم القومي الكردي في تجمع بتركيا



الشاعر محمود درويش

​​ليس للكردي إلا الريح
يتذكر الكردي حين أزوره، غده
فيبعده بمكنسته: إليك عني!
فالجبال هي الجبال. ويشرب الفودكا
لكي يُبقى الخيال على الحياد:
وينفض عن هويته
الظلال: هويتي لغتي. أنا.. وأنا.
أنا لغتي. أنا المنفيُ في لغتي.
وقلبي جمرة الكردي فوق جباله الزرقاء


هكذا عبر الشاعر الكبير محمود درويش عن "الحالة المأساوية" للأكراد كأشخاص منزوعي الجغرافيا، يقيمون في الشتات.. يتمسكون بهويتهم ويحلمون بيوم يجمعهم في وطن واحد.

ويشير درويش، الذي كانت له صداقة مع الكثير من الشخصيات الكردية، إلى الجبال التي يحتمي بها الأكراد في المناطق الأربعة التي يسميها الأكراد في أدبياتهم السياسية "كردستان الكبرى"، وهي دولة يحلمون بأن تضم أجزاء متوزعة على مناطق من تركيا، وهي ما يطلق عليها إقليم شمال كردستان، وأجزاء من إيران ويطلق عليها شرق كردستان، وأجزاء من سورية المسماة بغرب كردستان، وأخيرا العراق، حيث يطلق على الإقليم العراقي الواقع شمالا جنوب كردستان.

مات محمود درويش قبل أن يرى الأكراد يحولون حلمهم إلى ما يشبه الواقع، وذلك بعد أن اتفقت الأحزاب الكردية في المناطق الأربعة على تنظيم المؤتمر القومي الكردي في مدينة أربيل كبرى مدن إقليم كردستان العراق في أواسط سبتمبر/ أيلول المقبل.

يأتي هذا وسط مخاوف أطراف مجاورة من اتساع هذه الرابطة القومية للمطالبة بتأسيس دولة تضم شتات الأكراد في الشرق الأوسط. وقد اعتبرها بعض المثقفين العرب "ثورة كردية صامتة تريد استعادة الحلم الذي دغدغ مشاعر الأكراد بعيد انهيار الدولة العثمانية وقبيل ظهور النفط، الذي قضى على حلمهم".

المستشار الإعلامي لرئيس إقليم كردستان العراق كفاح سنجاري قال لموقع قناة "الحرة" إن "الهدف من عقد المؤتمر القومي الكردي في أربيل، هو التوصل إلى استراتيجية مشتركة تجمع كل الأطراف السياسية الكردية"، نافيا "سعي المؤتمر إلى تأسيس دولة كردية في المنطقة".

"حلم كردستان الكبرى"

يقول العديد من المراقبين إن دعوة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني إلى عقد مؤتمر قومي للأكراد في سبتمبر/ أيلول بمشاركة القوى والأحزاب في الأجزاء الأربعة لم تكن وليدة اليوم، إذ سبق أن دعا كل من الرئيس العراقي جلال طالباني الذي هو في الوقت نفسه الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى مؤتمر يجمع الأكراد في الشتات.

ولما كانت الظروف السياسية المحلية والدولية لا تسمح بذلك إلى وقت قريب، فقد أضحت الفرصة مواتية اليوم لإعادة إحياء المرجعية القومية الكردية الموحدة والرجوع بالتاريخ إلى ما قبل "اتفاقية سايس بيكو" سنة 1916، حين كان يراودهم حلم تأسيس الدولة قبل أن تجهض القومية العربية تلك الأحلام.

وينفي المستشار الإعلامي لرئيس إقليم كردستان أن يكون اجتماع الأحزاب الكردية الـ39 يهدف إلى مناقشة دولة مستقبلية في الشرق الأوسط، مؤكدا أن المؤتمر سيناقش موضوع "تقرير المصير الأكراد".

رئيس إقليم كردستان العراق محمود برزاني

​​​ ​وأوضح سنجاري أن الأكراد لا يهتمون بمخاوف الدول المجاورة بخصوص نشأة دولة كردية في المنطقة، لكنه شدد على أنه "من المعيب على أي نظام في العالم الآن أن يعارض حق تقرير المصير لأنه حق إنساني".

وقد خلص الاجتماع التحضيري للمؤتمر القومي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني إلى التركيز على قضايا منها: ضرورة إيجاد استراتيجية موحدة للقضية الكردية، وتوحيد الخطاب السياسي الكردي وتوطيد العلاقات بين القوى والأحزاب الكردية، وتحديد سبل التعامل مع أنظمة الدول التي يتواجد فيها الأكراد، وتفعيل النضال السلمي للقضية الكردية، ومد جسور التعايش السلمي مع الشعوب العربية والتركية والفارسية، والسعي للتوصل إلى حل سلمي للقضية أو القضايا الكردية بعيدا عن سياسة الصدام.

ويؤكد بعض المتابعين أن هذا المؤتمر هو الأول من نوعه وسيحاول أن يتبنى خطابا معتدلا حتى لا يتم إجهاض أول محاولة لتأسيس المرجعية القومية لـ"كردستان الكبرى".

واعتبر عضو المنبر الديموقراطي السوري سمير العيطة أن الأكراد لا يتفقون على نفس النقاط بخصوص مسألة الاستقلال وتأسيس دولة قومية، مشيرا إلى تباين الآراء حول دور أكراد سورية في هذا الاجتماع الأول.

وقال لـ"الحرة" إن "من حق الأكراد الاجتماع والتباحث ما لم تـنتهك سيادات الدول بالدعوة إلى الإنشقاق".

ردود كردية عنيفة

وترفض الكثير من القيادات الكردية اعتبار المؤتمر المزمع عقده في أربيل استغلالا للصراعات الداخلية في البلدان العربية لبلورة مشروع دولة خارج الصراعات الايديولوجية والسياسية بين الأحزاب التي أعاقت التقارب الكردي-الكردي كما حصل مرارا في تسعينيات القرن الماضي (بين الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديموقراطي الكردستاني، وبين الحزبين وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى).

وقال القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي أحمد بيره لموقع "الحرة" إنه "لا يوجد أحد يعمل على تأسيس الدولة الكردية في الشرق الأوسط حاليا وإنما المناقشة ستكون حول حق تقرير المصير.. الذي يعتمد على رأي كل قسم من أقسام كردستان الأربعة، كما حدث عام 1992 في الجمهورية العراقية".

شارك برأيك
​​​​​​

​​
وأضاف بيرة أن موضوع تأسيس دولة كردية من عدمها "يرجع إلى التفاهم بين المكونات في بلد ما، فمثلا إذا كان هناك تفاهم بين الأكراد وغير الأكراد في إحدى هذه الدول فليس هناك حاجة للأكراد لتأسيس دولة".

وانتقد القيادي الكردي اعتبار الأكراد مواطنين من الدرجة الثانية في بعض البلدان، قائلا إن "من حقهم الدفاع عن النفس بالأساليب المناسبة حينما يتعرضون للحيف".

ولم يخف وجود حلم كردي بإنشاء دولة مستقلة، مشيرا إلى أن "الشرق الأوسط يضم أربع قوميات وهي العرب والفرس والترك والأكراد، فقط الأكراد من لا يتوفرون على دولة خاصة بهم. حتى حق الحلم في اطار الدول الإيرانية الموحدة والتركية الموحدة يعتبره البعض خطرا على هذه الدول".

​​

​​
ويؤكد مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية في العاصمة البريطانية علي رضا نوري زادة بدوره، أن لطهران مخاوف حقيقية من مشاركة أكراد إيران في المؤتمر القومي الكردي بسبب اعتراف تركيا بالثقافة واللغة الكردية وبروز كيان كردي شبه مستقل في سورية بعد سيطرتهم على مناطق واسعة يريدون تحويلها إلى إقليم شبيه بإقليم كردستان في العراق.

غير أن أحمد سعدي بيرة يرى أن "التخوف الإيراني والتركي غير مبرر، لأن كردستان العراق كمثال تحافظ على مقومات الحكم الذاتي، فهناك  جيش عراقي والدولة عراقية والمؤسسات عراقية، والأكراد كانوا من الفصائل السياسية الأولى التي ساهمت في إعادة ترميم العراق من الخراب والحفاظ على وحدة هذا البلد".

هل يتحقق الحلم أو تصدق نبوءة درويش ؟

خلال الاجتماع التحضيري للمؤتمر القومي الكردي في 23 يوليو/تموز الماضي حرص رئيس إقليم شمال العراق مسعود البارزاني على طمأنة دول الجوار بالتأكيد على أن اللقاء بين 39 حزبا من المناطق الأربعة "لا يهدف إلى معاداة أي من دول الجوار أو المنطقة"، مضيفا أن الهدف الرئيسي من المؤتمر هو أن تصبح الأطراف السياسية في الدول الأربع (العراق وتركيا وسورية وإيران) "صاحبة خطاب واستراتيجية مشتركة أساسها إرسال رسالة سلام وتعايش إلى شعوب المنطقة".

أحد الأكراد يحمل صورة المعتقل الكردي فس السجون التركية عبد الله أوجلان

​​​ ​وتابع قائلا "لا نريد أن نعادي أية دولة من دول الجوار والمنطقة، بل نريد إنهاء حالة العداء بشكل تام والوصول إلى اتفاق كامل وحل سلمي وعادل لمشكلة الأكراد".

وقال المحلل السياسي العراقي عبد الله بخاري إن المؤتمر الذي دعا إليه بارزاني يسعى إلى معالجة القضية الكردية في الشرق الأوسط، وهدفه هو إظهار خارطة طريق لحل المشكلة الكردية بالطرق الدبلوماسية والسياسية".

ونفى بخاري أن يكون "الهدف المعلن حاليا إعلان النضال من أجل تأسيس دولة قومية كردية في الشرق الأوسط على الأراضي التاريخية للأكراد، لكن هدفها الأساسي هو حل المشكلة الكردية بالطرق السلمية وتوضيح كيف يمكن تحقيق تعايش سلمي بين شعوب المنطقة".

​​

​​
وأضاف قائلا "هذا لا يعني أن الأكراد لا يحلمون بحقهم في تقرير مصيرهم وهو حق مشروع، وتشكيل دولة كردية مستقلة، لكن هدف المؤتمر الوطني الحالي ليس بهذا الاتجاه".

ويعني تقرير المصير إما إقامة دولة أمة أو مناطق حكم ذاتي، لمجموعة من الأشخاص لديهم لغة وثقافة مشتركتين على نحو يؤهلهم ليكونوا قوما أو شعبا، ومن ثمة إعلان المنطقة دولة مستقلة أو محافظة ذات حكم ذاتي في إطار دولة فدرالية.

وإذا كان الأكراد حاليا يؤكدون رغبتهم في تأسيس مناطق حكم ذاتي في كل من إيران وسورية وتركيا، فإن التحدي مستقبلا سيكمن في صعوبة الوصول إلى الحلم الأكبر بتأسيس "دولة كردستان الكبرى" وسط اعتراف إقليمي ودولي بكيانهم القومي.

ويبقى الخوف الوحيد هو تغير المعادلة السياسية من جديد في الشرق الأوسط، لتصدق بذلك نبوءة درويش التي ختم بها قصيدته عن مأساة الأكراد قائلا:

الكرد يقتربون من نار الحقيقة،
ثم يحترقون مثل فراشة الشعراء
ليس للكردي إلا الريح.

لم يتطرق ترامب إلى الشكل الذي ستكون عليه الوساطة بين تركيا وإسرائيل في سوريا (رويترز)
لم يتطرق ترامب إلى الشكل الذي ستكون عليه الوساطة بين تركيا وإسرائيل في سوريا (رويترز)

هذا الأسبوع ومن داخل البيت الأبيض طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه كوسيط بين إسرائيل وتركيا في سوريا، وذلك بهدف خفض التوتر وإبعاد خطر المواجهة بينهما على الساحة السورية، فما الذي يمكن أن تشكله هكذا خطوة؟ وما الأصداء التي انعكست عنها؟ وهل من أية مؤشرات عن المشهد الذي قد ترسمه على أرض الواقع؟

وأبدى ترامب موقفه خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض، إذ قال أمام الصحفيين موجها كلماته لبنيامين نتانياهو: "أعتقد أنني أستطيع حل أي مشكلة لديكم مع تركيا".

وأردف: "كما تعلم لدي علاقة جيدة جدا مع تركيا ومع زعيمها (رجب طيب إردوغان)، وأعتقد أننا سنتمكن من حلها. لذا آمل ألا تكون هذه مشكلة. لا أعتقد أنها ستكون مشكلة".

الرئيس الأميركي أكد أيضا أنه يتمتع بعلاقات "رائعة" مع نظيره التركي، واصفا إياه بأنه "رجل قوي، وذكي للغاية، وقد فعل شيئا لم يتمكن أحد من فعله"، في إشارة إلى دور تركيا في إسقاط نظام الأسد و"أخذ سوريا"، على حد تعبيره.

ورغم أن كلا من ترامب ونتانياهو ناقشا ملفات بارزة وهامة أخرى، من قبيل المسار المتعلق بالمفاوضات مع إيران والحرب في غزة وقضية الرسوم الجمركية، نظر مراقبون إلى ما تطرق إليه الاثنان بشأن سوريا وتركيا بعين الأهمية، وذلك بناء على التوقيت.

وجاء طرح الوساطة من جانب ترامب بين تركيا وإسرائيل في وقت كان المشهد بين الطرفين في سوريا يسير باتجاه التصعيد. وهذا التصعيد فرضته رسائل تحذيرية جاءت بصيغة ضربات نفذها الجيش الإسرائيلي داخل سوريا، وقيل إنها استهدفت مواقع وقواعد عسكرية تنوي تركيا التمركز بها، بناء على اتفاق وتفاهمات مع دمشق.

ما أصداء الوساطة؟

على المستوى الرسمي في تركيا لم يصدر أي تعليق على ما طرحه الرئيس الأميركي ترامب (الوساطة)، دون أن يشمل ذلك التقارير التي نشرتها وسائل إعلام مقربة من الحكومة، إذ حملت في غالبيتها نبرة إيجابية على اعتبار أن نتانياهو "لم يحصل على ما يريد من الرئيس الأميركي".

وركزت وسائل إعلام تركية أخرى، بينها "حرييت" و"صباح"، على العلاقة القوية التي تربط كل من إردوغان وترامب، واعتبرتها نقطة انطلاق لتوافق أكبر في عدة ملفات إقليمية ودولية، بينها سوريا.

وفي حين وضعت وسائل إعلام إسرائيلية، خلال اليومين الماضيين، ما تم التطرق إليه حول علاقة تركيا بإسرائيل في سوريا كجزء صغير من قائمة الملفات الأوسع التي ناقشها ترامب ونتانياهو اعتبرت في المقابل أن الأخير"عاد خالي الوفاض من البيت الأبيض"، على حد وصف صحيفة "يديعوت أحرنوت"، يوم الثلاثاء.

ولم يتطرق ترامب بدقة إلى الشكل الذي ستكون عليه الوساطة بين تركيا وإسرائيل في سوريا، ومع ذلك وبمجرد دخوله على الخط بينهما يكون قد أسس لمشهد جديد لا يعرف ما إذا كانت تفاصيله ستترجم فورا على أرض الواقع أم لا، وفق مراقبين.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل أن "ترامب يحاول مجددا لعب دور صانع السلام"، إذ يُعتبر ذلك "جزءا لا يتجزأ من إرثه كرئيس لولاية ثانية".

ويدرك ترامب أيضا، بحسب حديث الباحث لموقع "الحرة" أن أي تصعيد بين شريك في الناتو (تركيا) وحليف من خارجه "سيشكل خطرا بالغا على استراتيجية أميركا الإقليمية، ووحدتها في مواجهة إيران".

"الموقف الأميركي مهم جدا في القضية المتعلقة بتركيا وإسرائيل في سوريا، لكن حتى الآن لا يعرف ما إذا كانت هناك خطوات فعلية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين"، يضيف الباحث السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن.

ويرى شتيرن في حديثه لموقع "الحرة" أنه لا يمكن استشراف الخطوات التي قد تعكسها الوساطة الأميركية، وخاصة أن "الأمور في بدايتها وتحتاج لاهتمام ترامب المنشغل في أمور وملفات عديدة".

"خيار صعب.. لكنه وحيد"

وتُعتبر تركيا في الوقت الحالي أبرز حلفاء الإدارة السورية الجديدة، التي يرأسها أحمد الشرع، وفي ذات الوقت هي حليفة الولايات المتحدة الأميركية في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

في المقابل تنظر إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة من خارج "الناتو"، للإدارة السورية الجديدة في دمشق كـ"تهديد"، وبالإضافة إلى ذلك تقول إنها ستمنع أي تمركز قد يهدد حرية عملها الجوي في سوريا، في إشارة إلى تركيا. 

ويوضح الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، محمود علوش أن "الولايات المتحدة لديها تأثير كبير على السياسات التركية والإسرائيلية في سوريا، ولا يُمكن لأي من تركيا وإسرائيل تجاهل هذا التأثير بالمُطلق".

ويقول علوش لموقع "الحرة" إن "ظروف التوافق بين إسرائيل وتركيا صعبة، لكن تبقى الخيار الوحيد المطروح على الطاولة. ليس فقط بالنسبة لإسرائيل وتركيا ولترامب".

الباحث يشير من جانب آخر إلى المحادثات التي تجريها تركيا وإسرائيل بالفعل لإنشاء آلية تمنع وقوع اشتباك بينهما، ويضيف أنه وفي حال نجحت هذه الآلية "ستمهد الظروف للمستوى السياسي للتوافق على وضع يدير مصالحهما المتناقضة على المدى البعيد".

ولا تتأثر قنوات التواصل العسكري والاستخباراتي بين البلدين في العادة بالتوترات السياسية، وتنشط بشكل أكبر في مثل هذه الظروف ووظيفتها في سوريا حاليا إدارة المخاطر الفورية، بحسب الباحث.

ولا تعتبر الضربات المتزايدة التي تنفذها إسرائيل في سوريا على القواعد والمطارات التي يعتقد أن تركيا ستتمركز بها بموجب اتفاق مع دمشق المسار الوحيد الذي يسير عليه الجيش الإسرائيلي في سوريا.

على مدى الأشهر الثلاثة الماضية نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة توغلات في جنوب سوريا. وبينما شدد لأكثر من مرة على هدفه المتعلق بنزع السلاح في جنوب سوريا أضاف قبل أيام هدفا آخر يتعلق بمنع أي تهديد على حرية العمل الإسرائيلية، بمعنى أنه يريد ضمان الأرض والجو في آن واحد.

ويقول الباحث شتيرن إن "إسرائيل تواصل توجيه الضربات في سوريا على منشآت عسكرية، خوفا من أن تستولي عليها أو تتمركز بها تركيا".

ويضيف أن "الوساطة التي عرضها ترامب لا يعرف اتجاهها حتى الآن"، وأن "عملية ترجمتها ستكون مبنية على ما يجري على الأرض من تطورات".

"منظور شرق أوسطي"

وعبّر شتيرن عن تفاؤله لاحتواء الخلافات بين تركيا وإسرائيل في سوريا، في وقت طرح سؤالا مفتوحا بقوله: "هل سيكون لترامب الوقت الكافي ليستثمره في هذه القضية؟".

وكان الباحث الإسرائيلي يقصد الملفات التي تولي لها واشنطن أهمية أكبر، مثل المفاوضات مع إيران والحرب في غزة، وتابع: "ملف سوريا سيكون في آخر قائمة المهام التي من المقرر أن تناقشها الإدارة الأميركية".

وبدوره أوضح الباحث الأميركي راين بوهل أن "سياسة ترامب في سوريا الآن هي سياسةٌ يسعى فيها إلى خروج القوات الأميركية من البلاد، وتحويلها إلى دولةٍ محايدة، إن لم تكن موالية لأميركا".

لكن ليس من الواضح مدى رغبته في استخدام نفوذ أميركا بقواتها على الأرض هناك لتشكيل هذه النتيجة، وفقا للباحث الأميركي.

ويضيف في هذا الصدد أنه في حال استمرت دمشق في إظهار وجهٍ معتدلٍ نسبيا للغرب، فسيزداد احتمال سحب الولايات المتحدة لقواتها والسماح لتركيا وسوريا بتشكيل مرحلة ما بعد الأسد، أما إذا اعتقدت واشنطن أن الحكومة الجديدة تميل إلى الإسلاميين، فستُمكّن الولايات المتحدة إسرائيل من القيام بمزيد من العمل العسكري، و"ستدعم ضمنيا زعزعة استقرار الحكومة المؤقتة".

ويرى الباحث علوش أن أولويات ترامب في سوريا أصبحت واضحة، وأهمها "توفير ظروف مناسبة لقرار الانسحاب دون قلق من الفراغات المُحتملة".

ويقول في المقابل إن "مخاطر الصدام التركي الإسرائيلي تُشكل تهديدا كبيرا لاستراتيجية ترامب وآخر ما يرغب به"، وإن "الأميركيين لديهم رهانات عالية على تركيا في سوريا، لمنع ظهور تحديات أمنية وجيوسياسية تُهدد مصالحهم في سوريا، وفي المنطقة انطلاقا منها".

"ترامب ينظر إلى تركيا من منظور شرق أوسطي قبل سوريا"، يتابع علوش.

ويعتبر أن "تركيا دولة حليفة مُهمة للولايات المتحدة في المنطقة وقادرة على ملء الفراغات"، وأن "الأميركيين يطمحون في نهاية المطاف إلى تشكيل نظام إقليمي جديد يجمع تركيا وإسرائيل".

"شكوك"

وتركيا هي واحدة من الدول القليلة ذات الأغلبية المسلمة التي تعترف بإسرائيل.

لكن في المقابل تركيا فرضت في أبريل 2024، قيودا على صادرات إلى إسرائيل، شملت 54 منتجا من الحديد والصلب إلى وقود الطائرات.

وقبل حرب غزة كانت العلاقة بين تركيا وإسرائيل تسير على مسار إيجابي.

لكن بعد اندلاع الحرب توترت العلاقة إلى مستوى وصل إلى حد إيقاف التجارة من جانب تركيا، والانخراط في مسارات مناهضة لإسرائيل في الأروقة الدبلوماسية.

ويعتقد الباحث الأميركي بوهل أن "الإسرائيليين سيكبحون جماح أنفسهم في ظل ظروف تصعيدية أكثر، خوفا من زعزعة علاقاتهم مع ترامب"، دون أن يستعبد أن "تدعم إدارة ترامب محاولات إسرائيل السرية لعرقلة تمركز تركيا في سوريا".

وبينما يميل الباحث أيضا إلى الاعتقاد "بوجود بعض الشكوك داخل الإدارة الأميركية بشأن الدور البنّاء لتركيا في سوريا" يستبعد في المقابل أن يكون لواشنطن "رأي استراتيجي حازم بشأن ما إذا كانت سوريا تميل إلى تركيا أم أنها دولة محايدة ما دامت لا تُشكل تهديدا مباشرا لإسرائيل".