إحدى مدارس إمام خطيب في تركيا (المصدر: Kırklareli)
إحدى مدارس إمام خطيب في تركيا (المصدر: Kırklareli)

هنادي الخطيب- إسطنبول

لا يخف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعمه ومساندته للمدراس الدينية والتي تسمى في تركيا "إمام خطيب"، وقال أردوغان في المؤتمر الـ16 لمدارس إمام خطيب بداية الشهر المنصرم أنه أرسل أبناءه الأربعة إلى هذه المدارس، وأضاف: "يشرفني أن أكون واعظا حتى أنفاسي الأخيرة".

ويتصاعد الجدل في تركيا حول ازدياد عدد المدارس الدينية بسرعة كبيرة، وأما المشكلة الأكبر فهي وضع الأهل أمام خيار هذه المدارس بشكل شبه إجباري في بعض الأحيان، إذ واجهت العملية التعليمية عدة تحديات في الأعوام الماضية، أتت أكثر وضوحا في هذا العام، من حيث عدم قدرة المدارس على استيعاب الأعداد الكبيرة للطلاب، كما تحويل العديد من المدارس الحكومية إلى مدارس دينية "إمام خطيب"، ما يعني تسجيل الطلاب في مدارس إمام خطيب بدلا عن المدارس الحكومية لعدم وجود بديل، و قامت وزارة التعليم الوطني بزيادة مخصصات مدارس إمام خطيب عن طريق نقل بعض المدارس الثانوية في المدن الكبيرة مثل إسطنبول وأنقرة وأضنة إلى مليكة التعليم المزدوج، أي إمكانية تحويلها إلى دينية.

وتحصل مدارس إمام خطيب على موازنتها من رئاسة الشؤون الدينية، والتي تبلغ حصتها  الميزانية لعام 2019 حوالي 10.5 مليار ليرة تركية، بينما كانت الميزانية 5.2 مليار ليرة عام 2018، لتكون بذلك خمس أضعاف ميزانية جهاز الاستخبارات التركية.

وتأتي ردود الحكومة على التذمر بشأن زيادة أعداد المدارس الدينية وإجبار الأهالي على تسجيل أولادهم فيها، بأنها لا تجبر أحدا، وكل من لا يريد تسجيل ابنه في مدارس إمام خطيب يمكنه اختيار مدرسة خاصة للتسجيل فيها، بعد أن امتلأت المدارس الحكومية بالطلاب، ولم يبق من خيار أمام الطلاب الذين لم يتم استيعابهم إلا المدارس الخاصة أو مدارس إمام خطيب، وتقول إحدى الأمهات للحرة أنها لن تقبل أن يدرس ابنها بمدرسة دينية، وأن إجبارها على دفع أموال طائلة لمدرسة خاصة يعني إجبارها على قبول الأمر الواقع.

احتجاجات الأهالي وتذمر الكثير منهم لا يبدو أنه يلقى آذاناً صاغية حتى اليوم.

مليون طالب

اعتاد طلاب مدارس إمام خطيب إلى الخروج من الفئة المحافظة دينيا في تركيا، ولكن مع زيادة عدد تلك المدارس، والنقص في عدد المدارس الحكومية، جعل من الفئة الثانية في المجتمع من علمانيين وقوميين ومن الخلفيات اليسارية الاضطرار إلى التسجيل بهذه المدارس، فتضاعف عدد مدارس إمام خطيب 10 مرات خلال الـ15 عاماً الماضية، ووصل عددها إلى  4500 ، وزاد عدد طلابها من  71 ألف عام 2004 إلى أكثر من مليون عام 2018.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا في حزيران 2018 تحدثت فيه عن انقسام حاد في المجتمع التركي حول مدارس الأئمة والخطباء، وعن القمع والإكراه للتسجيل فيها، وجاء الرد من رئيس الدولة رجب طيب أردوغان بقوله: "لم نلجأ يوما لسياسة القمع والإكراه، والحقيقة واضحة لأهل البصيرة".

وتُدرّس ثانويات الأئمة والخطباء المنهاج الوطني المعتمد في المدارس الثانوية، إضافة إلى مناهج دينية، ويثير هذا الاهتمام المتصاعد بها  قلق بعض الأتراك البساريين، ويقول الصحافي المعارض يشار آيدن من صحيفة "بير غون" للحرة أن ارتفاع عدد هذه المدارس في فترة حكم العدالة والتنمية ووصولها إلى مليون، هو دليل واضح على سياسة الحزب الحاكم للدخول إلى عقول الطلاب، وترسيخ سياسته الدينية المحافظة في المجتمع التركي، وإعادته إلى سنوات إلى الوراء، وأضاف آيدن أن وزير التعليم صرح بوضوح قائلاً أنهم سيزيدون عدد هذه المدارس، ولا يمكننا أن نفهم هذا التصريح إلا من زاوية الإصرار على تحويل المجتمع إلى ديني.

تراجع المستوى التعليمي

انتقادات عديدة توجه للنظام التعليمي التركي مؤخراً، ويقول معارضون إن التراجع بالمعدلات الدراسية للطلاب لا يعود فقط لزيادة عددهم ونقص الموارد وزيادة الضغط على الحكومة لتأمين الظروف المناسية لكل تلك الأعداد من الطلاب، وإنما السبب الأول برأيهم هو زيادة وتغلغل مدارس الأئمة والخطباء في المجتمع، ومصادرة حق الأهالي باختيار المدارس الحكومية لأولادهم وإجبارهم على الدينية، وهو الأمر الذي يرفضه الدكتور أحمد طوران أرسلان عميد كلية الفاتح للشريعة قائلاً للحرة: "نعم ازداد عدد مدارس إمام خطيب في السنوات الماضية، ولكن هذه الزيادة أتت بناء على طلبات الناس الأتراك، إذ إن الشعب التركي محافظ ومتدين بطبيعته"، وأضاف جازماً: "القول بأن الحكومة تجبر الناس على تسجيل أبناءهم بهذه المدارس هو كذب خالص ومرفوض جملة وتفصيلا".

ملجأ للطلاب العرب

أعلن علي أرباش رئيس الشؤون الدينية التركي، في شهر حزيران الفائت، أنه سيتم استقبال ألف طالب من 101 دولة لدراسة العلوم الشرعية في تركيا خلال العام الدراسي المقبل، وأوضح أنه تم اختيار ألف طالب للدارسة في تركيا ضمن مشروعي، "ثانويات الأئمة والخطباء الدولية"، و"كليات الشريعة الدولية، وخلال السنوات الأخيرة التي أعقبت ثورات "الربيع العربي"، أصبحت مدارس الأئمة والخطباء وجهة الكثيرين من العرب الذين فروا من بلادهم ، خصوصاً أن اللغة العربية في هذه المدارس لغة رئيسية، وأن هذه المدارس تشجع الطلاب من مختلف الجنسيات على الالتحاق بها.

ووجدت العائلات العربية الحل لحفظ لسان الجيل الجديد من الأبناء بالالتحاق بمدارس الأئمة والخطباء في تركيا، كونها تعمل على تدريس علوم اللغة العربية، في المحادثة والقواعد والنحو.

وتنتقد نقابة العمل والتعليم (المعارضة)  هذا النوع من المدارس، وتتهم الحكومة بتحويل العديد من مدارس الدولة إلى مدارس الأئمة والخطباء، والتي تصف كوادرها وخريجيها بأنهم "غير أكفاء"، وتقول إنهم "ذوو مستوى تعليمي منخفض"، كما أنها ترى أن هذه المدارس "تعزز التفرقة بين الطلاب وتقسمهم بحسب معتقداتهم الدينية، مما يفسد السلام الاجتماعي ووحدة التعليم في تركيا".

يجدر الذكر أنه ووفقاً لإحصائيات وزارة التعليم التركية، فإن 207 مدارس حكومية من أصل 49 ألفًا و765 مدرسة فقط هي التي تم تحويلها إلى مدارس متوسطة وثانوية للأئمة والخطباء، وفسرت الوزارة هذا الإجراء بسياسة حسن استغلال مباني المدارس الحكومية، إضافة إلى تزايد عدد الأهالي الراغبين في تسجيل أبنائهم بهذه المدارس.

إصابات جديدة بكورونا في تركيا
إصابات جديدة بكورونا في تركيا

بدأ الاقتصاد التركي بالتعافي بعد انكماشه قبل أن يضرب فيروس كورونا المستجد، لتسارع أنقرة لاحتواء الأضرار عبر إجراءات تحفيز بالمليارات وسط دعوات إلى مزيد من الجهود.

وبلغت حصيلة الوفيات جرّاء كوفيد-19 في تركيا 168 مع تسجيل 10 آلاف و827 إصابة لكن تسري مخاوف من احتمال تدهور الوضع بشكل كبير.

وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في وقت سابق هذا الشهر عن حزمة بقيمة 15 مليار دولار لدعم الاقتصاد مع خفض الضرائب للأعمال التجارية وإجراءات لمساعدة العائلات ذات الدخل المحدود.

وبينما تتفق كبرى الشخصيات في عالم المال والأعمال والمحللون على أن إجراءات أنقرة قد تعود بالفائدة على الشركات إلا أن الخبراء يحذّرون من ارتفاع مرتقب في معدلات البطالة وانخفاض النمو.

ويشيرون كذلك إلى التداعيات المدمّرة المحتملة للوباء على قطاع السياحة الذي يؤمن وظائف لمئات الآلاف.

ويكمن القلق بشكل أساسي في حقيقة أن الاقتصاد التركي كان قبل تفشي الوباء يحقق نموا طفيفا للغاية منذ أزمة الليرة عام 2018.

وأفادت وكالة "مودي" للتصنيف الائتماني أنه من بين أعضاء مجموعة العشرين "ستكون تركيا الأكثر تأثرا بانكماش تراكمي في الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني والثالث بحوالي 7.0 بالمئة" في 2020.

وحتى 19 مارس، لم يرَ وزير المال التركي براءت البيرق "أي مخاطر على الاقتصاد الآن"، معربا عن أمله حينها في الوصول إلى نسبة نمو تبلغ خمسة بالمئة للعام الجاري.

وأضافت "مودي" أن "الصدمة ستصيب بشكل أكبر على الأرجح القطاعات ذات الصلة بالسياحة خلال الصيف".

وارتفعت عوائد السياحة العام الماضي بنسبة 17 بالمئة لتصل إلى 34.5 مليار دولار بينما وصلت أعداد السياح إلى 52 مليونا في ارتفاع بنحو 14 في المئة.
مخاوف البطالة 

وفي سوق مفتوح في أنقرة، بدا القلق على السكان من البطالة بينما تخوف التجار من إمكانية عدم تمكنهم من إطعام عائلاتهم.

وقال بائع الخضار محمد أرسلان إن الوضع "صعب" لأن زبائنه في الغالب من فئة المتقاعدين الذين طُلب منهم البقاء في المنازل. وتساءل الشاب البالغ من العمر 35 عاما "إن لم نستطع تأدية هذه الوظيفة، كيف بإمكاننا أن نعيش؟".
وقال تجار آخرون أن المبيعات انخفضت بنسبة 70-80 في المئة.

وارتفعت نسبة العاطلين عن العمل إلى 13,7 بالمئة العام الماضي في حين لم تزد عن 11% في 2018، بينما وصلت نسبة التضخم إلى 12,37% الشهر الماضي. 
وأبدت بيلغه جيهان (44 عاما) العاطلة عن العمل قلقها من تداعيات الوباء.

وقالت "كيف بإمكاني الاستمرار في البحث عن العمل؟ كيف سيكون شكل سوق العمل بعد كل هذا؟"، مضيفة أن مدخراتها لن تكفيها إلى الأبد.

بدوره، ذكر المحلل في مركز أبحاث "غلوبال سورس" أتيلا يسيلادا أن إجراءات السلطات التركية توافقت مع تلك التي اتخذتها بلدان أخرى "لكنها غير كافية إطلاقا بناء على التوقعات التي في ذهننا أنا وخبراء آخرين". 

وحذر من خسائر عديدة في الوظائف مع إغلاق الكثير من المتاجر، وأوصى بأن تمنح الحكومة دعما ماليا بسهولة أكبر.
"أكتب شيكا" 

وذكرت الحكومة في منتصف الشهر الجاري أن نحو 150 ألف عمل تجاري أغلقت مؤقتا. وقال يسيلادا "الطريقة الأميركية هي الطريقة الأكثر أمانا: أكتب شيكا ولا تسأل أي سؤال"، مضيفا "ذلك من أجل ضمان ألا تضر البطالة ببقية الاقتصاد".

وأعلن إردوغان الأسبوع الماضي إجراءات إضافية تشمل 1.1 مليار دولار لدعم العمال من ذوي الأجور الأدنى إثر انتقادات طالت الحزمة الأولى بأنها تساعد الأعمال التجارية أكثر من الموظفين أنفسهم. وقال إنه سيتم منح ألف ليرة تركية (155 دولارا) لمليوني عائلة من أصحاب الدخل المنخفض. 

أما وزير المال، فقال إنه سيكون هناك خطة لدعم التوظيف للحفاظ على الوظائف يمكن للأعمال التجارية تقديم طلب بشأنها.
وضع "غير مسبوق" 

وقال يسيلادا إن ميزانية الحكومة العام الماضي أنفقت "بسخاء"، مضيفا أن السيولة قد تنفذ وبالتالي قد تضطر السلطات إلى طباعة المزيد من النقود وهو ما من شأنه أن يزيد معدل التضخم.

لكنه أشار إلى أنه كان لدى تركيا خيار طلب أموال من صندوق النقد الدولي وهو أمر سبق وتعهّد إردوغان بتجنبه.

من جهته، قال رئيس مجلس إدارة أكبر شركة استثمارات عائلية في تركيا "إساس القابضة" جغطاي أوزدوغرو إن تركيا في وضع أفضل من غيرها و"تتميّز" بتركيبتها السكانية التي تغلب عليها فئة الشباب وخبرتها في التعامل مع الأزمات.

وقال لفرانس برس إن الطلب قوي محليا، مضيفا أن الزبائن سيعودن إلى نمطهم الاستهلاكي المعتاد فور معاودة المتاجر فتح أبوابها.  لكنه أشار كذلك إلى أن تركيا بحاجة كذلك إلى تعافي الاقتصادات الغربية، وهو أمر "قد يستغرق بعض الوقت". وذكر أن النمو في تركيا قد يتراجع على المدى القريب قبل أن يتحسن مجددا.

بدوره، شدد يسيلادا على أن "الوضع الحالي غير مسبوق. الجميع يخطئ و90 بالمئة مما تقوم به تركيا حاليا يستند إلى النموذج الدولي لكن عليهم القيام بالمزيد".