إردوغان انزعج من تناول إدراة الرئيس أوباما لعدد من ملفات المنطقة
إردوغان انزعج من تناول إدراة الرئيس أوباما لعدد من ملفات المنطقة

تمر الأيام ببطء على العالم بعد إعلان فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بانتخابات الرئاسة الأميركية ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب نتائجها ورفع دعاوى قضائية في عدة ولايات بدعوى التزوير.

ويسود الترقب حول الملفات التي ستكون على رأس القائمة التي سيبدأ العمل بها حال دخوله البيت الأبيض، ورغم أنها كثيرة ومعقدة، إلا أن هناك ملفاً بارزاً يتصدرها، ويُجمع المراقبون أنه سيكون على رأس الأولوية، وهو الملف التركي الذي تغيّر رأسا على عقب منذ أربعة سنوات مضت، لتغدو أنقرة لاعبا إقليميا وقوة أكثر تأثيرا في الشرق الأوسط والخليج وشرق المتوسط، مؤخرا.

صورة عامة كان بايدن قد كونها، منذ ثلاثة أشهر خلال حملته الانتخابية، ورسم من خلالها أولى مسارات سياسته المقبلة اتجاه تركيا، وبالأخص رئيسها رجب طيب إردوغان، واصفا إياه بـ "المستبد"، ومتوعدا بالتدخل في شؤون بلاده الداخلية والمحلية، من خلال دعم أحزاب المعارضة، في خطوةٍ لتغيير تيار التطورات السياسية، التي كان يسير عليه ترامب. 

لكن وعلى الرغم مما سبق والعداء الواضح الذي تحدث به بايدن على العلن، إلا أن هناك من وصفه بـ "حديث الليل الذي سيمحوه بزوغ الفجر"، بمعنى أن موقف ساكن البيت الأبيض الجديد من إردوغان سيتغير حال تنصيبه على كرسي الرئاسة الأميركية، بينما ذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى شبح بايدن الذي سيتحرك أمام "الأنظمة الشمولية" في الأشهر المقبلة، لتكون بذلك تركيا ملعبا للشخص الذي يحمل بجيبه مفاتيح التغيير الحاسمة.

ومن العداء بين بايدن وإردوغان فإن الجوهر يكمن في أحزاب المعارضة التركية، والتي تعتبر ركيزة ستعتمد عليها السياسة المقبلة لبايدن، وهو الذي حددها في تصريحاته الأخيرة، مشيرا إلى أنه سيعوّل عليها في الدعم من أجل "تغيير الحكم ولتحقيق "الديمقراطية"، بحسب قوله.

"موقع الحرة" التقى أعضاء في الأحزاب التركية المعارضة، وأجمعت آراؤهم على أن التغيير الداخلي في تركيا لا يمكن أن يكون من الخارج، في إشارةٍ للعرض الذي قدمه بايدن، وفي ذات الوقت يعوّلون على سياسة أميركية "ناعمة" في المستقبل، ولاسيما المتعلقة بحقوق الإنسان، على خلاف السياسة "الخشنة"، الخاصة بترامب.

وطوال حملته الانتخابية، كان بايدن قد كرر في أكثر مناسبة، التزامه بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير في العالم، كما أكّد أكثر من مرة أنه سينهج سياسة أكثر صرامةً تجاه الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية.

رد عكسي قد يكون لصالح إردوغان

بركات قار عضو المجلس المركزي لحزب "الشعوب الديمقراطي" المعارض يعتبر أن نظرة بايدن السلبية لإردوغان ربما ستكون من الماضي، لأننا أمام تطورات ومستجدات جديدة، وفي السياسة لا تستند الأمور على الماضي فقط، بل ينظر الطرفان إلى المستقبل.

ويقول قار في تصريحات لـ "موقع الحرة": "تركيا مهمة كبلد وكشعب وقوة في حلف الناتو، ولها ثقلها في المنطقة، لذلك سيغيّر بايدن من سياسته تجاه إردوغان، وسيحاول بقدر استطاعته أن يشدّه ويجبره على قضايا كثيرة".

وتوجد اليوم عدة ملفات وقضايا عالقة بين أميركا وتركيا، وحلّها لا يمكن من طرف واحد، ويتابع عضو الحزب المعارض: "إردوغان في وضع صعب جدا، وهو بحاجة إلى أميركا مهما كانت علاقته مع روسيا، وبايدن يفهم ويعرف هذه الحقائق، وسيتعامل معه على هذا الأساس".

وبوجهة نظر قار فإنه ينظر إلى مستقبل العلاقة بين أنقرة وواشنطن مستقبلا على أنها "أكثر عطاءً، مع وجود تعقيدات بالطبع"، معتبرا أن "أميركا سياساتها ليس عبارة عن تغيير الشخصيات، بل هناك سياسات مؤسساتية، ولا شك أن المعارضة تنظر إلى أسلوب يعتمد الطرق الدبلوماسية أكثر من سياسات الخشونة، التي اعتمدها ترامب".

إلى نقطة أهم وبارزة وترتبط بما ستكون عليه العلاقة بين بايدن وأحزاب المعارضة التركية، يوضح قار أن المعارضة تعوّل على عدة نقاط أساسية، أبرزها تغيير السياسات العالمية لواشنطن، كون ترامب انسحب من 11 اتفاقية دولية، ولم يلتزم بقرارات الأمم المتحدة، وهذه الخطوة لا تفيد المعارضة في أي بلد كان.

ويشير عضو الحزب المعارض إلى أن تصريحات بايدن السابقة حول عزمه تغيير إردوغان عن طريق المعارضة، قد يكون لها رد فعل عكسي، وتدفع إردوغان "لأن يكون أكثر قوة"، من خلال اللعب على الوتر القومي و"الطروحات الإسلامية التركية، الموجودة في البلد"، وبالتالي كسب جماهرية أكثر، وقطع طريق التغيير الذي تعمل عليه المعارضة التركية داخليا.

وبوجهة نظر قار فيجب على المعارضة التركية أن تغيّر ما وصفها بـ "السياسات الإردوغانية" بقوتها وائتلافها الداخلي، لافتا "إذا لم يكن هناك إئتلاف قوي للمعارضة من الصعب جدا تغيير سياسات إردوغان، وهزيمته حتى في الانتخابات القادمة أو المبكرة".

ومن المتوقع أن تشهد تركيا انتخابات مبكرة أواخر العام المقبل، ورغم حديث عضو الحزب المعارض عن ضرورة تشكيل "ائتلاف معارض في تركيا"، إلا أن الأمر قد لا يتم، ولاسيما مع وجود وجهتا نظر وجبهتان مختلفتان لأحزاب المعارضة، كانت بذورهما قد نشأت بناء على التفاوت الطبقي.

ويشير قار: "كحزب العدالة الذي يمسك بالسلطة سيحاول بشتى الوسائل أن يقطع أمام الطريق أمام المعارضة، وسيكون في مقدمة بناء العلاقات مع أميركا وحتى مع بايدن بالذات، ولاسيما أنه لا يهمه ما قاله بايدن سابقا أو سيقوله مستقبلا (...) مصلحة النظام في تركيا هو تمتين العلاقات مع أميركا في الدرجة الأولى".

"لسنا بحاجة للدعم الخارجي.. شعبيتنا تكفي"

إلى حزب "الشعب الجمهوري" المعارض (CHP) الذي يعتبر أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، وتقف سياساته بشكل ندّي مع "حزب العدالة والتنمية الحاكم"، فموقفه لا يختلف كثيرا عن "حزب الشعوب" من وصول بايدن إلى البيت الأبيض، معتبرا أن التصريحات التي أطلقها الأخير لدعم المعارضة التركية "لم تكن بمحلها".

وكانت المؤشرات الخاصة بالحزب في الأيام الماضية تقود إلى جو إيجابي حول وصول بايدن إلى البيت الأبيض، وهو ما دفع رئيسه كمال كليجدار أوغلو إلى تهنئة المرشح الديمقراطي بفوزه بالانتخابات الأميركية، في خطوة كانت الأولى التي تصدر من تركيا، واستبقت الموقف الرسمي من الرئاسة التركية.

وفي تغريدة له باللغتين التركية والإنجليزية نشرها عبر "تويتر"، في الثامن من نوفمبر الحالي، قال كليجدار أوغلو: "أهنئ جو بايدن الذي أصبح الرئيس الـ46 للولايات المتحدة الأميركية ونائبته كامالا هاريس"، معربا عن أمله من أن "تتعزز الصداقة وعلاقات التحالف الاستراتيجي بين تركيا والولايات المتحدة".

دينيز بستاني محللٌ سياسي في حزب "الشعب الجمهوري" يقول في تصريحات لـ "موقع الحرة": "نحن ضد حديث بايدن حول دعم المعارضة التركية، لأن حزب الشعب الجمهوري هو مؤسس دولة تركيا وليس بحاجة لأي دعم من الخارج".

ويضيف بستاني: "نحن كحزب وبكل تاريخه وحتى الآن لا يعتمد بالعلاقات الخارجية، وعلى ما هي العلاقة سواء كانت سيئة بين الحكومة التركية وأي حكومة أخرى أو أي شخص في الخارج".

ويشير العضو في "حزب الشعب" إلى أن الأخير ضد أي دعم خارجي على الأراضي التركية، لافتا: "لسنا بحاجة لدعم، لأننا مدعومون من الشعب، والدليل على ذلك ما شهدته انتخابات البلديات في إزمير وإسطنبول وهاتاي ومرسين".

موقف الأحزاب المعارضة المذكورة ليس جديدا حول وصول فوز بايدن، بل كان موقفا حذراً ومدروسا، وفق مراقبين، وكان قد تمثل بسلسلة بيانات أصدرها مسؤولين في الأحزاب، عقب تصريحات بايدن، منذ ثلاثة أشهر، والتي وصف بها إردوغان بـ "المستبد"، وأعرب نيته تقديم الدعم للمعارضة.

المتحدث باسم حزب "الشعب الجمهوري"، فائق أوزتراك، انتقد حينها عبر حسابه في "تويتر" تصريحات بايدن بقوله: "ديمقراطيتنا وسعينا من أجل الحرية لا يحتاجان إلى أي مزايا إمبريالية، الاستقلال هو شخصيتنا"، مؤكدا أن "المعارضة تنشط بالسياسة من أجل الأمة التركية، وليس لأجل الفاعلين السياسيين الأجانب".

وحسب عضو الحزب بستاني، فإن لأمريكا مشاريع واسعة في المنطقة، وتتضارب ببعضها مع تركيا، كالمشاريع في سوريا وغيرها، "إذ ترفض أنقرة تأسيس دولة كردية على حدودها الجنوبية، بينما تعمل أميركا على دعم الأكراد، في خطوة تصب بالتقسيم".

وإلى جانب ما سبق فيما يتعلق برؤية الأحزاب التركية المعارضة لفوز بايدن والعلاقة السيئة التي تحدث عنها مع إردوغان، فالأمر ينسحب أيضا إلى باقي الأحزاب وليس فقط "الشعوب" و"الشعب الجمهوري".

وتواصل "موقع الحرة" مع أحدث المقربين من حزب "المستقبل" الذي يرأسه أحمد داوود أوغلو، وقال إنه "من المبكر كثيرا الحديث عن سياسة بايدن وماذا سيفعله"، مؤكدا على موقف الرفض لأي تدخل خارجي، على حساب الشعبية التي يتم العمل لكسبها، من أجل التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة.

مد وجزر 

بالنسبة لتركيا وموقف "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، فقد شهدت الأيام الماضية ترقب وحذر من النتائج التي ستكون عليها الانتخابات التركية، وعقب فوز بايدن كان هناك انطباع عن عدم ترحيب ضمني، ولاسيما أن إردوغان كان يفضل استمرار ترامب في البيت الأبيض، على خلفية المواقف السلبية لبايدن من تركيا، سواء السابقة، أو التي خرجت منذ أشهر.

وبالعودة إلى عام 2016 في أثناء الانتخابات الأميركية السابقة كان إردوغان قد انتقد سياسة الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، فيما يتعلق بالملف السوري، وقال إنه نقل الملفات المتعلقة بالأزمة السورية إلى أوباما ونائبه جو بايدن، لكنهما "فشلا" في تناول هذه الملفات، ماسبب "إزعاج" لتركيا، وهدّد أمنها على الحدود الجنوبية.

ونقلت صحيفة "يني شفق"، حينها عن إردوغان إنه منزعج من تعامل أوباما مع فتح الله غولن، المتهم الوحيد بتنفيذ محاولة انقلاب 15 يوليو في تركيا، معربا في ذلك الوقت من تفائله الكبير من ترامب، ووصوله إلى كرسي الرئاسة.

عضو حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، باكير إيتاجان يتوقع أن تكون العلاقة بين أنقرة وواشنطن، في المرحلة المقبلة بين مد وجزر، وفي الوقت ذاته لا بد من التأثيرات السلبية، لكنها ستكون على الطرفين.

ويقول إيتاجان في تصريحات لـ "موقع الحرة": "تركيا تغيرت عما كانت عليه سابقا، والشعب التركي يدرك تماما بأن تركيا لها موقع استراتيجي وليست كما في الماضي، فهي دولة حديثة وقوية عسكريا واقتصاديا، والمسؤولين فيها يدركون هذه الأهمية التي نتحدث عنها أكثر من أي سياسي".

ويتابع عضو الحزب الحاكم: "نتمنى أن ألا يكون هناك تدخل أميركي وخاصة من بايدن شخصيا، لأن هذه الخطوة سوف تقابل بالفشل".

وحول العرض الذي قدمه بايدن للمعارضة التركية، يشير إيتاجان إلى أنها وفي حال كشفت إعلاميا وسياسيا سيكون لها ردات فعل سلبية، ليس فقط على واشنطن بل على الأحزاب التي "تدعمها" واشنطن أيضا.

زيارة تاريخية لإردوغان للقاهرة
زيارة تاريخية لإردوغان للقاهرة

بعد الزيارة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة، وقبل أخرى مقررة لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة، باتت الأضواء مسلطة على نحو كبير  على أحد أبرز الملفات الخلافية بينهما، وهو جماعة "الإخوان المسلمين".

وبينما نشرت وسائل إعلام عربية خلال اليومين الماضيين تقارير تفيد بأن أنقرة "سحبت جنسية" القائم بأعمال مرشد الجماعة محمود حسين وأبلغته بضرورة مغادرة البلاد لم يصدر أي تعليق رسمي يؤكد اتخاذ هذا الإجراء بالفعل. فما القصة؟ وما مدى صحة التقارير التي انتشرت على نطاق واسع؟

يعتبر حسين من أبرز قادة "الإخوان المسلمين" وكان قد تولى منصب القائم بأعمال مرشد الجماعة بعد وفاة إبراهيم منير في العاصمة البريطانية لندن، في شهر ديسمبر  2022.

ورغم أنه ليس الوحيد الذي يقيم على الأراضي التركية منذ سنوات طويلة، وضعت "تقارير سحب الجنسية" اسمه كنقطة من شأنها أن تعطي مؤشرا عما ستكون عليه الجماعة في تركيا بعد التقارب "التاريخي" الحاصل بين إردوغان والسيسي.

هل سحبت الجنسية بالفعل؟

وكانت محكمة مصرية حظرت نشاط الجماعة وجمدت أموالها، قبل أن تعلن القاهرة في ديسمبر 2013، أن الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، بعد 4 شهور من اعتقال مرشدها محمد بديع.

لكن في المقابل لا تصنف تركيا الجماعة ذاتها منظمة "إرهابية"، وسبق أن اعتبرها وزير الخارجية التركي السابق، مولود جاويش أوغلو "حركة سياسية".

وقال في شهر أبريل 2021 إن "السياسة الخارجية التركية لا تستند إلى أفراد أو إيديولوجيات".

وفي حديث لموقع "الحرة" نفى عضو شورى "الإخوان"، مدحت الحداد، التقارير التي تفيد بسحب جنسية حسين بعد عودة الرئيس التركي من مصر، رغم حديثه عن "خطأ في السيستم (تقني) حصل قبل شهر ونصف".

وأسفر "الخطأ" عن عدم ظهور بيانات القائم بمنصب المرشد العام للجماعة مع زوجته وأفراد عائلته، بينما تتم في الوقت الحالي عملية استعادتها، حسبما يضيف الحداد، مؤكدا على فكرة أن "ما حصل عبارة عن خطأ".

المعلومات المذكورة تتقاطع مع أخرى نشرتها الكاتبة التركية، إيليف تشاكر في صحيفة "قرار" يوم الأربعاء، بعدما قالت إنها التقت بشخص مقرب من حسين أخبرها بأنه كان قد أصبح مواطنا تركيا منذ خمس سنوات، عن طريق شراء العقارات.

وقبل شهرين "اتصل به مكتب السجل المدني وأخبره أن جنسيته قد ألغيت"، وبعد ذلك تم إبلاغ السلطات الحاكمة بوضعه، وقيل إنه "يوجد خطأ وسيتم تصحيحه"، حسبما ذكرت الكاتبة تشاكر.

وتضيف: "لم يحدث أي تطور الآن"، قبل أن تشير إلى أن "مسؤولين حكوميين التقوا بحسين وأبلغوه أن ملفه موجود لدى الرئيس إردوغان، وأنه ستتم استعادة جنسيته".

وكان حسين قد جاء إلى تركيا "قبل يومين من انقلاب السيسي (يوليو 2013) وبقي في بلادنا بعد ذلك"، وفق ما تتابع الكاتبة التركية.

وتوضح أن الشخص المقرب منه ذكر أن "هناك حاليا 30 ألف مصري في بلادنا هربوا من السيسي وجاءوا إلى بلادنا".

"تحذيرات وتأكيدات"

ولا تعتبر جماعة "الإخوان المسلمين" وأفرادها الموجودين داخل تركيا الملف الإشكالي الوحيد بين تركيا ومصر في الفترة التي تبعت حكم السيسي بل يضاف إليها ملفات شائكة أخرى تتعلق بالساحة الليبية وغاز شرق المتوسط.

ومع ذلك ينظر إلى وضع "الجماعة" في الوقت الحالي واللاحق بعين الاهتمام كون طريقة التعاطي التركية الجديدة معها سيصب في إطار التقدم في العلاقات بين أنقرة والقاهرة.

ويوضح المحلل السياسي التركي، يوسف كاتب أوغلو أن العلاقات المصرية التركية بدأت "بصفحة جديدة مع طي صفحة الخلافات، رغم بقاء بعض الموضوعات الشائكة التي لم يتم البت بها بشكل نهائي".

ويضيف مدير تحرير صحيفة "الأهرام" المصرية، أشرف العشري أن "العلاقات المصرية التركية أصبحت تشهد الآن طفرة إيجابية".

ويقول لموقع "الحرة" إن "زيارة إردوغان تخللها بحث القضايا الخلافية والتباينات، خاصة فيما يتعلق بالإخوان والمنصات الإعلامية وبعض الشخصيات".

ويبدو من الواضح بعد الزيارة الأخيرة لإردوغان إلى القاهرة، وما تلا ذلك من تصريحات إيجابية، أن هناك "رغبة مشتركة في فتح قنوات الحوار والوصول لحلول مرضية، مع تفهم وجهة نظر كلا الطرفين"، حسب ما يرى كاتب أوغلو في حديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن "جماعة الإخوان من الملفات الشائكة بالفعل"، وأن تركيا "لا تجرم على الفكر ولا تصنفها إرهابية"، وبالتالي "لن ولم تسلّم أي منتسب إليها أو أي معارض مصري آخر يلتزم بالقوانين التركية".

ومع ذلك يشير المحلل السياسي التركي إلى أن "أنقرة وجهت تحذيرات مهمة للإخوة المصريين من المعارضة السياسية سواء الإخوان وغيرهم".

وجاء في فحوى هذه التحذيرات أن "لا يتخذوا من تركيا منصة للهجوم على مصر وسيادتها ودولتها، لأن ذلك سيضر بالمصالح المتنامية والصفحة الجديدة التي يتم الآن تطويرها".

وبدوره قال مدير تحرير الصحيفة المصرية إن "القاهرة حصلت على الكثير من التأكيدات من تركيا أنها ستتعامل مع ملف الإخوان بشكل تدريجي، وأن الأمر يحتاج لبعض الوقت".

ويضيف العشري: "الأمر بدأ مع محمود حسين بسحب جنسيته"، بحسب قوله، و"يوجد تحسن آخر على مستوى تحديد اجتماعات للأجهزة المختصة لبحث إمكانية تسليم بعض المطلوبين".

"خطوات حسن نوايا"

وكان الزعيمان (إردوغان والسيسي) اتفقا في القاهرة على أن يزور الرئيس المصري تركيا في شهر أبريل المقبل. وجاء ذلك بعدما وقعا مذكرات تفاهم والإعلان المشترك لإعادة تشكيل اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا.

وفي معرض حديثه للصحفيين بعد عودته من القاهرة أشار إردوغان إلى أنه بحث مع السيسي العلاقات التركية المصرية التي اكتسبت زخما خلال الفترة الأخيرة في جميع المجالات، وبما في ذلك الصناعة العسكرية والدفاعية. 

وقال السيسي قبله إن العلاقات بين البلدين خلال سنوات القطيعة، شهدت استمرار التواصل على المستوى الشعبي، كما شهدت نموا في العلاقات التجارية والاستثمارية خلال تلك الفترة.

ورغم أن الزعيمين لم يتطرقا بالتصريحات إلى الملفات الإشكالية بينهما، يشير مراقبون من البلدين إلى أن أنقرة والقاهرة بصدد تشكيل لجان مختصة لمتابعة القضايا، ومن بينها "الإخوان" وليبيا وشرق المتوسط.

ويعتقد منير أديب، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أن "الوقت الطويل الذي شهدته عملية التقارب بين مصر وتركيا يعود إلى أن الأخيرة كانت ترفض رفع الغطاء عن الجماعة".

وبعد التحولات السياسية التي طرأت على مشهد الإقليم سارع البلدان الخطوات، فيما اتجهت تركيا إلى "التخلي قليلا عمن تمسكت بهم سابقا"، كما يقول أديب لموقع "الحرة".

ويضيف: "كما رفعت الغطاء عن قيادات الحركة أو أوعزت لهم بالخروج، مع عدم توجيه انتقادات مباشرة للحكومة المصرية ووسائل الإعلام المملوكة لها".

من جانبه يقول المحلل كاتب أوغلو إن "العلاقات المتجذرة التاريخية والتغيرات الجيوسياسية تحتّم على مصر وتركيا تنحية الملفات الخلافية والاهتمام بالملفات المشتركة والمصالح المتبادلة".

ويضيف أن "قسما من المعارضين المصريين انتقل إلى بلدان أخرى، وآخر التزم بالطلبات التركية بعدم استخدام البلاد منصة لمهاجمة مصر".

وفي المقابل "تعهدت مصر أيضا أن لا يكون هناك هجوم من إعلامها على تركيا ورئيسها إردوغان أو على الشأن الداخلي"، وفق حديث المحلل التركي.

ويتابع: "العلاقات متبادلة ومبنية على الالتزام المتبادل ولا يمكن الحديث عن أن تركيا خضعت لضغوط لتسليم شخصيات تطالب بها مصر فقط لأنهم ينتمون للإخوان".

ويوضح كاتب أوغلو أن "موضوع سحب الجنسيات يخضع في حد ذاته للقوانين التركية، وأن القانون هو من يحدد آلية منحها وسحبها".

ويردف بالقول: "وجهة نظر الحكومة تؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك أي تسييس لأي قوانين، سواء تجريد مواطن تركي أو عربي من الجنسية دون أن يستند ذلك لقانون معين".

"المصالح في المقدمة"

وقبل زيارة إردوغان عملت أنقرة والقاهرة على تبادل إشارات للتقارب، بينها مصافحة السيسي لإردوغان بقطر في نوفمبر 2022، على هامش بطولة كأس العالم. 

وأواخر العام الماضي، أعلنت مصر وتركيا إعادة تبادل السفراء، كخطوة في اتجاه تحسين العلاقات وحل الخلافات التي تعددت وتطورت خلال السنوات القليلة الماضية.

وجاءت هذه الخطوات بعد سلسلة اجتماعات "استكشافية" عقدها مسؤولون في خارجية البلدين.

إردوغان في مصر.. "المصالح تتصالح"
بعد سنوات من القطيعة وخلافات امتدت من ليبيا إلى شرق المتوسط وجماعة الإخوان المسلمين (المصنفة إرهابية في مصر)، يبدو أن القاهرة وأنقرة قررتا تجنيب تلك الخلافات، حتى لو لم يتم حلها بشكل نهائي، من أجل البحث عن الملفات التي تحقق للبلدين أقصى استفادة سواء اقتصاديا أو سياسيا أو حتى عسكريًا.

ويقول مدير تحرير صحيفة "الأهرام" العشري إن "الجانب التركي وعد ببذل جهود كبيرة قبل زيارة السيسي بأن يكون هناك معالجة كاملة للشوائب المتعلقة بالإخوان".

ويضيف: "من الآن وحتى زيارة السيسي سيكون معالجات لإنهاء الملف، وربما نرى حظرا كاملا لأنشطتهم وممثليهم باعتبار أن هذا شرط حصّلت فيه القاهرة على الكثير من الضمانات والتأكيدات الوافية".

ويوضح الخبير المصري أديب أن "تركيا لا تزال ترفض تسليم القيادات كما تأمل مصر قريبا أو بعيدا".

ويعتقد أنه "تم تشكيل لجان قضائية وعدلية ومختصة لمناقشة هذه الملفات الإشكالية ودراستها"، وأن "سحب الجنسية من حسين ربما تريد أنقرة من خلاله التأكيد على أنها صادقة النية في التعامل مع الملف المهم".

ويشير إلى ذلك المحلل السياسي كاتب أوغلو بحديثه عن "تشكيل لجان لفتح أبواب الحوار والوصول لحلول مرضية سواء بخصوص المعارضة المصرية أو ليبيا".

ويؤكد بالقول: "لا يوجد عداوات دائمة ولا توجد صداقات. اللغة هي المصالح المتبادلة والمنافع المشتركة والاحترام المتبادل".