الزيارة التي أجراها إردوغان إلى أصللترك، هي الأولى من نوعها
إردوغان كثف من جهوده لتوسيع نطاق التحالفات

ترتسم صورة أوضح لتحركات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان في إطار توسيع تحالفاته الداخلية في البلاد، لتتحول بذلك تحليلات وتكهنات المحليين والمراقبين الأتراك إلى أشياء ملموسة على أرض الواقع، وهو ما تؤكده الأيام العشر الأخيرة، والتي ارتسم فيها مشهد جديد من شأنه أن يحدث تغييرا جذريا في الحياة السياسية.

ورغم أنها تصب في قناة واحدة، إلا أن تحركات إردوغان الداخلية من المتوقع أن تتوسع دائرتها في الأيام المقبلة، لاسيما أنها تأتي في ظل حراك داخلي عام تشهده البلاد، استعدادا للانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2023، والتي تتجه جميع الأنظار إليها، ومعها يسود ترقب لما سيسبقها، سواء من تغيير التحالفات القائمة، أو الإعلان عن تحالفات أخرى، مع ازياد عدد الأحزاب إلى 107، بمعدل 27 حزبا تم الإعلان عن تأسيسها في عام واحد (2020).

وحسب ما رصد موقع "الحرة" خلال الفترة الممتدة من 10 يناير حتى 21 الشهر الجاري فقد وجّه الرئيس التركي أنظاره نحو "حزب السعادة" المعارض بثلاثة تحركات، أولها بزيارة له إلى منزل عضو المجلس الاستشاري الأعلى للحزب، أوغوزهان أصللترك، حيث التقاه وتحدث معه مطولا، في مشهدٍ قرأه مراقبون بأنه "هام ويحمل عدة دلالات"، لاسيما في ظل الحراك الهادئ الذي تشهده خارطة التحالفات الحزبية داخل تركيا.

التحرك الثاني لإردوغان جاء بعد أيام قليلة من لقائه بأصللترك، بزيارة أجراها إلى قبر رئيس الوزراء السابق البروفيسور نجم الدين أربكان في مدينة إسطنبول، وحسب ما ذكرت وكالة "الأناضول"، في 19 يناير الجاري جاءت هذه الزيارة بعد صلاة الجنازة على روح عالمة الاجتماع التركية، نور فيرغين.

ونجم الدين أربكان ولد في 29 أكتوبر 1926 وتوفي في 27 فبراير 2011، وهو مهندس وسياسي تركي تولى رئاسة "حزب الرفاه" ورئاسة وزراء تركيا في الفترة بين 1996 و1997، ويعرف بأنه مؤسس و "أب الإسلام السياسي" في تركيا.

"من خلف الكاميرات"

التحركات السابقة للرئيس التركي لكسب ود "حزب السعادة" يراها مراقبون بأنها تصب في إطار محاولاته لسحبه من التحالف الذي ينخرط فيه (تحالف الأمة)، والذي يتصدره "حزب الشعب الجمهوري" المعارض.

وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية لوحظت محاولات حثيثة في الساحة السياسية التركية، إذ توجه كل تحالف إلى توسيع دائرته على حساب التحالف الآخر، ليضمن الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة، لكن هذه التحركات لم تحصد ثمارها حتى الآن، خاصة في ظل الحديث عن تحضيرات لظهور تحالف انتخابي ثالث، يضم المنشقين من "حزب العدالة والتنمية"، بالإضافة إلى "حزب السعادة" و"الحزب الجيد" و"حزب الشعب الجمهوري".

وإلى جانب الزيارتين اللتين أجراهما إردوغان، في الأيام الماضية، خرجت تقارير تركية الخميس تفيد بأن الأخير أجرى زيارة "من خلف الكاميرات" في مدينة إسطنبول، التقى فيها اسم بارز ومؤثر في "حزب السعادة"، وهو نديم أورهان، والذي كان مع أربكان منذ تأسيس "أحزاب التيار الوطني".

ويعتبر "حزب السعادة" الصورة الخالصة والوريث لـ"أحزاب التيار الوطني" أو حركة "ميللي غوروش"، التي أسسها وقادها رئيس الوزراء الراحل، نجم الدين أربكان.

لكن الحركة بمحطتها الأخيرة (حزب الفضيلة الإسلامي) تعرضت لانشقاقات في بنيتها الداخلية في بداية الألفية بين تياري "المحافظين" و"التجديديين"، نتج عنها تأسيس حزب "العدالة والتنمية" على يد إردوغان والرئيس السابق، عبد الله غول، ورئيس الوزراء السابق، بولنت أرينج (التجديديين)، وفي المقابل، كان هناك تشكيل لـ"حزب السعادة" بزعامة رجائي قوطان.

ووفق ما ذكرت صحيفة "حرييت" المقربة من "العدالة والتنمية" الخميس فإن ثقل زيارة إردوغان لنديم أورهان "لا تأتي من فراغ"، بل لها أبعاد كبيرة، كونها تخصّ أحد الأسماء المؤثرة في "حزب السعادة".

ويلقب أورهان بـ"المعلم"، وتوضح الصحيفة أنه يشغل منصب الرئيس الفخري لـ"جمعية دار الأرقم"، وكان قد تقاعد من كلية أصول الدين بجامعة مرمرة عام 2002، ليركّز فيما بعد على تدريس العلوم الإسلامية، بدلا من السياسة. 

وهناك من يعتبر أورهان بأنه اسم يتجاوز تأثيره باقي الأسماء المعروفة في "حزب السعادة"، لذلك من شأن أي قرار قد يمضي به بأن يسحب معه غالبية الأصوات الإسلامية المرتبطة بالحزب المعارض.

"وجهتا نظر"

وكانت هناك محاولات في السنوات السابقة من جانب "تحالف الجمهور" لكسب "حزب السعادة" والتفاهم معه، إلا أنها باءت بالفشل على خلفية التزام الأخير وإصراره على البقاء ضمن صفوف "تحالف الأمة".

ومنذ أيام أكد زعيم "حزب الحركة القومية"، دولت بهتشلي أنهم يدعمون مساعي إردوغان لتوسيع دائرة "تحالف الجمهور"، ولا ينزعجون منها.

في المقابل أعلن رئيس "حزب السعادة"، تمل كرم الله أوغلو، أنه من السابق لأوانه الحديث عن تحالف بين حزبه و"حزب العدالة والتنمية" خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن الزيارات التي يجريها إردوغان "تأتي في إطار المجاملة. لن يكون من الصواب رؤيتها بخلاف ذلك في هذه المرحلة. من السابق لأوانه الحديث عن قضايا مثل التحالف".

وبعيدا عن الروايتين السابقتين خرجت أصوات مقربة من "العدالة والتنمية"، في الأيام الماضية أشارت إلى عملية "نبض وردة فعل" يشهدها البيت الداخلي لـ"حزب السعادة"، من بينها ما ذكره الكاتب محمد آجات، والمقرب من دوائر صنع القرار في أنقرة.

آجات قال في مقالة له على صحيفة "يني شفق"، في 16 من يناير الجاري: "يقال في حزب السعادة أنّ هناك نوعين من وجهات النظر حول التحالف مع تحالف الجمهور وحزب العدالة والتنمية".

وتابع: "الطرف الأول من لا يريد التعاون مع حزب العدالة والتنمية وإردوغان بأيّ شكل من الأشكال، أما بالنسبة للطرف الثاني فهو من يستطيع إعطاء الضوء الأخضر للتعاون، مع مراعاة إنجازات الحزب. من هنا يمكننا فهم الفرق بين تمل كرم الله أوغلو وأوزهان أصيلتورك".

وأشار الكاتب التركي: "إذا استمرت الأجواء الإيجابية التي انعكست بعد زيارة إردوغان لأصيلتورك، فإنه من الممكن أن تصبح فكرة التحالف ممكنة جدا، وأقوى من السابق".

ساحة سياسية جديدة

في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" رأى الكاتب والمحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، أن إردوغان يسعى بكل قوته للإمساك بزمام الأمور داخل الحزب، الذي أسسه قبل عقدين من الزمن تقريبا، بعد الانقسامات والخلافات التي شهدها البيت الداخلي، وفي المقابل تسعى أحزاب المعارضة لتوحيد صفوفها، وتستعد لمرحلة جديدة عنوانها "التخلص من الرئيس إردوغان".

ويقول عودة أوغلو: "في هذا الإطار كثف إردوغان، خلال الأيام الأخيرة، من جهوده، لتوسيع نطاق التحالفات، متجها إلى إجراء لقاءات مع حليفه زعيم حزب الحركة القومية، دولت باهتشلي، وعضو المجلس الاستشاري لحزب السعادة، استعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في عام 2023".

ويوضح المحلل السياسي التركي أن إردوغان يواجه صعوبة في إقناع "حزب السعادة" بالانضمام إلى تحالفه، مع استمرار تعنّت رئيس الحزب، تمل كرم الله أوغلو، والذي يصر على مواصلة الطريق مع "تحالف الأمة" المعارض، مع العلم أن شريحة كبيرة من أعضاء "حزب السعادة" ترغب في الالتحاق بتحالف الجمهور، وهذا الأمر الذي من شأنه أن يحدث انشقاقات في صف "حزب السعادة"، خلال الأيام المقبلة.

ووفق المحلل السياسي: "لذا يبدو أن الساحة السياسية التركية في طريقها للتشكل من جديد، خلال المرحلة القادمة على مستوى التحالفات استعدادا للانتخابات المقبلة".

رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو نفى تهم الإرهاب الموجهة إليه (Reuters)
رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو نفى تهم الإرهاب الموجهة إليه (Reuters)

رد رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، على قرار احتجازه في قضية اتهامه بالفساد، داعيا الأتراك إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع "من أجل الديمقراطية والعدالة".

وكتب إمام أوغلو عبر حسابه على منصة إكس، الأحد: "أقف شامخا ولن أنحني، من يديرون هذه العملية سوف يحاسبون".

وقضت محكمة تركية، بوقت سابق الأحد، باحتجاز  إمام أوغلو على ذمة المحاكمة بتهم فساد في خطوة من المرجح أن تؤجج أكبر احتجاجات تشهدها البلاد ضد حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أكثر من عشر سنوات.

ويواجه إمام أوغلو يواجه أيضا اتهامات تتعلق بالإرهاب.

وقالت المحكمة "على الرغم من وجود شكوك قوية بشأن مساعدة منظمة إرهابية مسلحة، وبما أنه تقرر بالفعل احتجازه (على ذمة المحاكمة) بسبب تهم بارتكاب جرائم مالية، فإن (اعتقاله على ذمة المحاكمة بسبب تهم تتعلق بالإرهاب) لا يعتبر ضروريا في هذه المرحلة".

وفي تعليقه عبر حسابه على إكس، قال إمام أوغلو: "معا سنزيل هذه البقعة من صفحة ديمقراطيتنا".

وأُلقي القبض على إمام أوغلو، وهو شخصية معارضة بارزة ومنافس محتمل للرئيس رجب طيب أردوغان، يوم الأربعاء بتهم الفساد ومساعدة جماعة إرهابية. وقد نفى التهم المنسوبة إليه، واصفا إياها بأنها "اتهامات وافتراءات لا يمكن تصورها".

ويتوجه أعضاء حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا وآخرون إلى مراكز اقتراع، الأحد، للمشاركة في تصويت تمهيدي للحزب لدعم ترشيح إمام أوغلو، في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ودعا حزب الشعب الجمهوري إلى مشاركة غير الأعضاء في التصويت لتعزيز الموقف الشعبي في الاحتجاج على اعتقاله بتهم تشمل الفساد ومساعدة جماعة إرهابية. وينفي إمام أوغلو هذه التهم.

وأعد حزب الشعب الجمهوري، الذي يزيد عدد أعضائه على المليون ونصف المليون، 5600 صندوق اقتراع في جميع أقاليم تركيا البالغ عددها 81 إقليما. وينتهي التصويت الساعة 14:00 بتوقيت جرينتش.