فرصة جديدة تعطيها أنقرة وأثينا للحوار والجهود الدبلوماسية، عقب أشهر من أزمة كادت أن تتحول إلى حرب واسعة. الآن وبعد توقف دام 5 سنوات تستأنف المباحثات الاستكشافية بين الجانبين في مدينة إسطنبول، في خطوة عنوانها العريض "معالجة الخلافات في بحري إيجه والمتوسط".
وتتنازع تركيا واليونان بسبب تنقيب الأولى عن الغاز في شرق البحر المتوسط، كما تتنازع أنقرة السيادة على مناطق بحرية مع اليونان وقبرص، وعلى مدار الأشهر الماضية من عام 2020 مرت علاقات أنقرة مع هذين العضوين في الاتحاد الأوروبي في رحلة صعبة بشكل استثنائي، وكذلك مع فرنسا التي تدعمهما.
لكن هذه "الرحلة الصعبة" يبدو أن تفاصيلها بدأت تفكك باتجاه "الحل"، لا سيما مع التوجه الجديد الذي تسير فيه أنقرة بشأن سياستها الخارجية، سواء من حيث علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، أو مع الإدارة الأمريكية الجديدة، والتي يتطلب الاستعداد للتعامل معها "تصفيرا" ولو بشكل جزئي، للمشاكل التي تصدرتها السنوات الماضية.
وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قال في 11 يناير الجاري، إن بلاده تقدم دعوة مفتوحة لليونان من أجل المشاركة في تنظيم اجتماع ضمن محادثات استكشافية بين البلدين، مؤكدا على تمسك أنقرة بـ"الحوار" لمعالجة الخلافات مع أثينا.
وبعد محادثات بين وزارتي الخارجية التركية واليونانية، اتفق الطرفان على عقد الجولة 61 من المحادثات الاستكشافية بإسطنبول الاثنين، عقب دعوة وجهها جاويش أوغلو كي تستضيف تركيا المحادثات.
"فرصة في ظروف أكثر تعقيدا"
منذ أسبوع مضى وحتى الآن كان ملاحظا النبرة الهادئة التي بدأت أنقرة بالالتزام بها في أثناء تصريحاتها المتعلقة بملف شرق المتوسط وخاصة الموجهة إلى أثينا، والمرتبطة بالأوروبيين.
وإلى جانب ذلك، أقدمت أنقرة أيضا على خطوات ملموسة في سبيل ذلك، كان أولها تأجيل المسوح الزلزالية في شرق البحر المتوسط، ومن ثم اتجهت للحديث عن خارطة طريق لإصلاح العلاقات مع فرنسا، وأيضا مع أثينا.
وحسب الجو العام الذي يلوح في أفق العلاقة الحالية بين أثينا وأنقرة، فمن الملاحظ أن الطرفين ينظران إلى المحادثات الاستكشافية على أنها "فرصة لمواصلة التهدئة والعودة إلى المسار الدبلوماسي التقليدي، لإدارة الخلاف بدلا من التصعيد".
ويرى المحلل السياسي المختص بالشأن التركي، محمود علوش أنها تُعقد في ظروف أكثر تعقيدا من الجولات السابقة، والتي لم تتوصل أصلا إلى حلول جذرية للقضايا العالقة لكن منعتها من الانفجار.
ويقول علوش في تصريحات لموقع "الحرة" إن وظيفة محادثات اليوم هي منع خلاف شرق المتوسط وبحر إيجه من الانفجار، حيث أي مبادرة من شأنها تحقيق ذلك "هي خطوة جيدة بالطبع".
ولم يكن هناك توافق مسبق على جدول أعمال المحادثات بين أنقرة وأثينا، فاليونانيون يريدون أن تقتصر على ترسيم حدود الجرف القاري لجزرهم في بحر إيجه، بينما الأتراك يريدون أن تشمل المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ويوضح علوش أن "غياب التوفق يعطي هذه الجولة بعدا سياسيا أكثر منه تقنيا، وفي الواقع فإن الحاجة للمحادثات هي من فرضت على الجانبين العودة إلى طاولة التفاوض وليست القناعة بجدواها أو بقدرتها على حل الخلافات".
"استكشاف متبادل"
تمثل "المحادثات الاستشكافية" خطوة إيجابية في سبيل تهدئة الخلافات التركية-اليونانية، والتركية-الأوروبية، لكنها ليست كافية وحدها للتعامل مع صراع بحجم شرق المتوسط، حيث تنخرط فيه أطراف إقليمية أخرى، لذلك تدرك تركيا هذه المسألة، وسبق أن دعت إلى عقد مؤتمر لدول حوض شرق المتوسط، للتوصل إلى تسوية عادلة ومرضية للجميع.
وكانت آخر جولة بهدف حل خلافاتهما (أنقرة، أثينا) في المنطقة في عام 2016، وبالعودة إلى شهر أغسطس 2020 فقد ترددت حينها أصوات من جانب اليونان بضرورة إجراء المحادثات، لكنها اصطدمت في ذلك الوقت برد فعل مضاد من جانب أنقرة، والتي أرسلت سفينة رصد زلزالي ترافقها سفن حربية إلى المياه بين اليونان وقبرص.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بان ديو في أثينا، الدكتور عارف عبيد حدد في تصريحات لموقع "الحرة" هدف الجولة الحالية من المحادثات بين أنقرة وأثينا، بالقول: "المحادثات ترتبط باسمها أي استكشافية. الهدف منها أولا الكشف عن رغبة الطرفين في الحوار والوصول إلى حل يرضيهما بطريقة سلمية، ومتوافقة مع المصالح القومية لكل جهة".
ويضيف عبيد المقيم في أثينا: "ليس الهدف من المفاوضات الحل بل التجهيز للمفاوضات الأساسية، التي ستبدأ بعد المفاوضات الاستطلاعية"، مشيرا إلى أنها تجري بضغط من دول الاتحاد الأوروبي، وبضغط آخر من إدارة حلف "الناتو"، كون تركيا واليونان عضوين فيه.
ولا توجد رغبة أوروبية أو من "الناتو" في الوصول إلى أي صدام بين اليونان وتركيا، سواء عسكريا أو سياسيا، وبالتالي فإن النقطة الأبرز التي وصل إليها الطرفان حاليا ترتبط بالتزام واضح بالإرشادات الصادرة، من أجل التوصل إلى حل سلمي، حسب أستاذ العلوم السياسية.
ثلاثة سيناريوهات
عند الحديث عن المشاكل العالقة بين أثينا وأنقرة فيجب التركيز على نقطة بارزة، وهي أن الأزمة التي ترتبط بترسيم الحدود تأخذ بعدا قانونيا وسياسيا في آن واحد، لذلك فإن الوصول إلى حل ينهي النزاع لا يمكن إخراجه من إطار ثلاثة سيناريوهات، حسب عبيد.
السيناريو الأول هو الحوار والمفاوضات التي بدأت أولى خطواتها في إسطنبول، أما الآخر فهو اللجوء إلى المحكمة الدولية، وفي حال التوجه إليها فإن القرار الذي ستتخذه سيكون ملزما لكلا الطرفين.
ويوضح عبيد أن السيناريو الثالث هو "الحرب"، وفي حال حدوثها ستشتعل منطقة شرق البحر المتوسط كاملة، وستجر معها دول أخرى، لكن هذا الخيار يبقى مستبعدا، لأن الدول التي من المحتمل أن تنخرط في الحرب لن تتمكن فيما بعد من متابعة مشاريع استخراج الغاز، ويشير عبيد: "القيادة السياسية في تركيا واليونان لا يوجد لديها رغبة في الوصول إلى الحرب".
في المقابل وحتى ولو ذهبت أنقرة وأثينا إلى مفاوضات أساسية فإنها لن تصل إلى نتيجة، بسبب التكلفة السياسية التي ستواجههما.
ويقول عبيد: "الجو الشعبي في اليونان مقتنع بأن الحدود البحرية للأخيرة يجب أن تتصل بقبرص، وهو أمر ترفضه تركيا. إذا رغبنا بالوصول إلى نتيجة فإن هذه الآمال في وصل المياه اليونانية بقبرص وفي حال فشلها سيتبعها بذلك تغييرات جذرية في النظام السياسي اليوناني".
ويتوقع عبيد أن تفضي المحادثات الاستكشافية إلى القبول بقرارات المحكمة الدولية، والتي ستفرض بدورها قرارات، ستكون ملزمة على أنقرة وأثينا.
لماذا وافقت أنقرة على الحوار؟
رغم أن جلوس أنقرة على طاولة الحوار مع أثينا يصب في إطار التغيير الملموس لسياستها الخارجية وطريقة تعاملها مع الملفات العالقة، إلا أن ذلك لا يمكن فصله عن الضغوط الأوروبية التي تعرضت لها، وخاصة في أثناء العقوبات الأخيرة التي تم فرضها، على أن تتوسع في مارس المقبل، في حال تعنت السياسية التركية على موقفها بشأن عدة ملفات.
ويرى المحلل السياسي، محمود علوش، أن الموافقة التركية على استئناف المحادثات من دون جدول أعمال واضح هو تنازل سعت من خلاله أنقرة إلى التأكيد للأوروبيين على رغبتها في حل سياسي للصراع، وعلى صدق رغبتها بتحسين العلاقات معهم.
ما سبق يندرج في إطار عملية إعادة تموضع خارجي بدأتها أنقرة بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ويشير علوش إلى أن أنقرة تستعد من الآن لعلاقات صعبة مع إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، من خلال تهدئة الخلاف مع الأوروبيين، لتخفيف الضغوط عليها.
كما أن تهدئة الخلاف مع اليونان قد يُساعد في ترطيب الأجواء بين أنقرة وواشنطن وإطلاق بداية غير متوترة.
والصراع في شرق المتوسط ليس صراعا تركيا- يونانيا فحسب، بل تنخرط فيه أطراف أخرى في المنطقة، لذلك فإن إيجاد حل شامل له لا يُمكن أن يتحقق من دون مشاركة كل هذه الأطراف في مفاوضات موسعة، على شكل مؤتمر إقليمي يجمع دول حوض شرق المتوسط.
وبالتالي فإن تهدئة الخلافات التركية اليونانية تُساعد في إعادة تطبيع العلاقات التركية الأوروبية، وهذا يُساعد أيضا في تهيئة الأجواء لمثل هذا المؤتمر في المستقبل.
فرنسا تدخل على الخط
في سياق ما سبق فمن المفترض أن تنجز اليونان الاثنين صفقة شراء 18 طائرة "رافال" مقاتلة من فرنسا لتعزيز دفاعاتها وشراكتها مع باريس في مواجهة التوتر المتزايد مع تركيا.
ووصلت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي أثينا، الاثنين، لتوقيع عقد "يوجه رسالة واضحة في اتجاهات عدة" على ما قال نظيرها اليوناني نيكوس بانايوتوبولوس، وفي مقدمتها تركيا.
ويشمل العقد البالغة قيمته 2.5 مليار يورو تقريبا شراء 12 طائرة مستخدمة و6 طائرات جديدة. وينص كذلك على تزويد أثينا بصواريخ عابرة من طراز سكالب وصواريخ مضادة للسفن من نوع اكزوسيت، ومضادات جوية طويلة المدى من طراز "ميتيور".
وبوجهة نظر علوش، فإن "الدور الفرنسي أجّج صراع شرق المتوسط ومنحه بُعدا أوروبيا وإقليميا، ومن المثير للاهتمام أنه في الوقت الذي استأنفت فيه المحادثات التركية اليونانية تزور وزيرة الدفاع الفرنسية أثينا، وتوقع عقدا معها لبيعها 18 طائرة رافال".
ويشير علوش إلى أن "الأزمة التركية اليونانية شكّلت فرصة لماكرون لدخول صراع شرق المتوسط، بهدف حجز مكان لفرنسا في صراع الطاقة في هذه المنطقة، والضغط على الأتراك في صراع التنافس الإقليمي معها".
